السبت ٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم غدير حميدان الزبون

مساء الخير، ثمّ ماذا؟

مساء الخير…ثمّ ماذا؟

ثمّ تذكّر أنَّ الحياة ليست امتحانًا علينا أنْ نقضي أعمارنا فيه نُثبت للآخرين أنَّنا نستحقُّ أنْ نكون كما نحن.

وأنَّ أجمل ما في الإنسان أنْ يبقى وفيًّا لذلك الضوء الصغير الذي يسكنه حتى عندما تُحاول بعضُ الأماكن أنْ تقنعه بأنَّ النور ترف، وأنَّ الدفء ضعف، وأنَّ الاختلاف ذنب.

قالت له نفسه ذات مساء:

— لماذا تُصرُّ على الإشراق في أماكن لا ترى نورك؟

ابتسم، وقال:

— لأنني تعبتُ من إطفاء نفسي كي لا أُزعج عتمة الآخرين.

قالت:

— ولكن ماذا لو أشرقتَ ولم يحبّوا نورك؟

أجاب بهدوء:

— وهل خُلِقَ النورُ ليُرضي الجميع؟

سكتت قليلًا، ثم قالت:

— وماذا لو ابتعدوا عندما يرون حقيقتك؟

قال:

— فليبتعدوا… ليس كلُّ رحيلٍ خسارة، ثم صمت لحظة، وأضاف:

— بعضُ الأماكن تُطفئنا لأنَّها لا تعرف كيف تتعامل مع الضوء.

قالت نفسه:

— وماذا لو تعبتَ؟

نظر إلى النافذة، فكان آخر خيطٍ من النهار يتوارى خلف الأفق، وقال:

— سأتعب… فالضوء أيضًا يتعب، لكنني لن أتحوّل إلى عتمة كي أشعر بالانتماء، ثم أردف:

— سأبحث عن المكان الذي لا يطلب مني أن أُصغّر نفسي كي أبدو مناسبًا، ولا أنْ أعتذر عن فرحي، ولا أنْ أخفي أحلامي، ولا أن أُخفّض صوت قلبي حتى لا يُربك الذين اعتادوا الصمت، وسأذهب إلى حيث يُرى الإنسان كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يكون.

قالت:

— وكيف أعرف ذلك المكان؟

ابتسم وقال:

— تعرفه عندما يكون حضورك طبيعيًّا، وفرحك آمنًا، وأحلامك مرحّبًا بها، وفي اللحظة التي تستطيع أنْ تكون فيها كاملًا، لا نسخةً مصغّرة من نفسك.

ثم رفع عينيه إلى السماء وقال:

— نحن نخسر عندما نبقى في مكان لا يشبهنا طويلًا حتى ننسى مَن كنّا قبل أنْ ندخله.

وهنا سألته:

— إذن، ما الذي تريد أنْ تتذكّره كلما أرهقك الطريق؟

ابتسم، وقال:

— أنَّ قيمتي لا يحدّدها مَنْ لم يعرف كيف يراني، وأنَّ نوري لا ينطفئ لأنَّ أحدهم أغمض عينيه.

ثم قال: لا تُطفئ فيك شيئًا جميلًا كي تُناسب مكانًا لا يشبهك، ولا تعتذر عن دفئك، ولا تخجل من أحلامك، ولا تجعل خيبةً واحدة تُقنعك بأنَّ العالم كلّه لا يستحق قلبك.

فليس كلُّ مكانٍ يستحقُّ حضورنا، وليس كلُّ قلبٍ جديرًا بأنْ نضع فيه أجمل ما فينا.

وبعضُ الأبواب التي تُغلق في وجوهنا تكون إشارةً هادئة إلى أنَّ ثمّة بابًا آخر ينتظرنا في مكانٍ أكثر رحابة.

وربما تكون الحكمة الأجمل التي نتعلّمها بعد أعوامٍ من التجربة بأنْ نعرف متى نبقى، ومتى نرحل، وأين نُشرق، ولمن نمنح دفءنا، ومتى ندرك أنَّ المكان الذي يُطفئنا، ليس وطنًا لقلوبنا.

لذلك…

مساء الخير لقلبك الذي ما زال يحاول، ومساء الخير لكلِّ روحٍ قاومت كي لا تنطفئ، ومساء الخير لكلِّ من اختار أنْ يكون نفسه مهما كلّفه ذلك من رحيل.

ولا تنسَ…أنْ تُشرق حيثما تجد قلبًا لا يخاف من وهجك، وروحًا تُحسن استقبال دفئك، ومكانًا يقول لك دون كلام: كن كما أنت…فنحن نحبُّ نورك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى