نظرية التلقي في التراث النقدي: دراسة موازنة
انطلاقاً من هذه الرؤية التي تُحاوِل مقاربة التراث النقدي وقراءة نصوصه وِفْق آليات ومناهج اسْتَجَدَّت على الساحة النقدية الحديثة، وَقَعَ الاختيار على قضية (التلقي)، التي شَغَلَت ولا زالت الدرس النقدي والفكري، لكي تكون مُنْطلقاً ومُرْتكزاً للوقوف على طبيعة فَهْم النقاد العرب القدامى للتلقي، ومعرفة دَوْرِه وإدراك تأثيره، وتلك الرؤية قد تجلت في أحدث دراسة بعنوان (نظرية التلقي في التراث النقدي: دراسة موازنة)، للدكتور علي عبد الجليل علي، صدرت مؤخراً عن دار غايا للنشر والتوزيع بالقاهرة ، وسوف يتاح الكتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 م.
وقد قامت الدراسة بالعودة إلى الموروث النقدي للعرب للتعرف على طبيعة نظرتهم لعملية التلقي وللمتلقي ذاته، ولمَّا كان التراث النقدي العربي مُمْتداً بامتداد الزمان والمكان، كان لابد من الاقتصار على عَلَمَيْن ورائدين من رواده؛ لاستقراء وتحليل أفكارهما عن التلقي، وهما: ابن طباطبا العلوي (محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ت 322 هـ)، في كتابه (عيار الشعر)، وحازم القرطاجني (أبو الحسن حازم بن محمد حسن بن حازم الأنصاري القرطاجني 684 هـ) في كتابه( منهاج البلغاء وسراج الأدباء)، مع إجراء موازنة بَيْنَ ما طرحه كل منهما، ثم عَقْد مقارنة مع ما توصلت إليه نظرية التلقي الحديثة في أوربا، وتحديداً في مدرسة كونستانس بألمانيا، لدى عَلَمَين ورائدين من روادها، وهما (هانز روبرت ياوس ت 1997 م) و(فولف جانج إيزر ت 2007 م) في كُتُبِهما ومقالاتهما الكثيرة والمتعددة.
فالدراسة تَرْتَكز على محورين أساسيين: الأول : محور حاضر وآني، وهو (نظرية التلقي الحديثة)، والثاني : محور ماضَوِي تراثي، وهو (قراءة مفاهيم التلقي لدى ابن طباطبا والقرطاجني)، لذا فهي تحاول التعامل مع التراث النقدي، من مُنْطلق الوعي به ومحاولة فَهْمِه واستيعابه، ومقاربته مع مستجدات الفكر النقدي.
وهي محاولات لا تَقُوم على أساس الانبهار المطلق بالحاضر، أو إسقاطه على التراث إسقاطاً تَعَسُّفياً أو مُفْتَعلاً، ولا تَقُوم في الوقت ذاته على أساس التلفيق والتوليف، والبحث عن نقاط اتفاق وَهْمِيَّة ومُفْتَعلة، أو محاولة غَضِّ الطَّرْفِ عن نقاط الاختلاف والتمايز، بين المحور التراثي وبين المحور الآني الحَداثي، بل تَقُوم على أساس مراعاة السياق التاريخي والحضاري والثقافي الذي نَبَتَت فيه هذه الأفكار أو تلك، ولم تَنْطَلق هذه الدراسة من الخضوع لحالة الاسْتِلاب، التي تَسْتَولي علي البعض في تعاملهم مع النظرية النقدية أو المعرفية التي أَنْتَجَها الغرب، خاصة عند مقارنتها بما سَبَقَها في تراثنا العربي القديم، ولم تنطلق كذلك من دَعْوى الأسبقية العاطفية الفارغة أحياناً كثيرة، والتي لا تَسْتَنِد على أُسُس أو دلائل سوى الانتماء لهذا التراث.
فلا نَسْعى لمحاولة إثبات فكرة أسبقية تراثنا النقدي في طَرْح أفكار حول التلقي، فليس هدف المقارنة إعلاء طَرَف على طرف، بل تسعى لإحداث حِوار مُثمر وفعَّال بين هذا التراث – أو جزء منه –، وبين النقد الحديث – أو جزء منه -؛ ولهذا حاولت أن نَنْطَلق من وَعْي عميق وقناعة مُؤَكَّدة، ملخصها أنَّ أيَّ مُنْتَج بشري فكري ونقدي قابل للأخذ منه والرَد عليه، قابل للتسليم بمقولاته أو التمرد عليها ورَفْضِها، ومساءلتها إذا اقتضى الأمر.
وقد تَضَمَّنت الدراسة مقدمة، وتمهيداً، وثلاثة فصول، ثم الخاتمة وأهم النتائج والتوصيات، والتمهيد: بعنوان: (مدخل إلى نظرية التلقي في النقد الغربي الحديث: البدايات والمرجعيات)، وقد حَاول الوقوف على أهم المحطات – بإيجاز - في تاريخ هذه النظرية، إضافة إلى تناول عدد من المصطلحات والمفاهيم الخاصة بها، وأما الفصل الأول، فهو بعنوان: (قراءة عيار الشعر لابن طباطبا العلوي في ضوء نظرية التلقي)، وتَمَّ تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: الأول: قضية المبدع والتلقي، والثاني: البِنْية النصية وأثرها في التلقي، أما القسم الثالث: فيتناول تقسيمات وصُوَر المتلقي وحالاته وأنواعه ودوره في عملية التلقي عند ابن طباطبا.
والفصل الثاني بعنوان: (التلقي في فكر حازم القرطاجني، ورؤيته النقدية)، ويَنْقَسم بِدَوْره إلى ثلاثة أقسام، يتناول الأول: المُبْدع والتلقي في مرحلة الإبداع وما قَبْله، أما الثاني: فيتناول الحديث عن عناصر البِنْية النَّصِّية ودورها في التلقي، والثالث: يَتَحدث عن المتلقي ودوره وتقسيماته وأهم القضايا المرتبطة به، والفصل الثالث بعنوان: (الموازنة بين آراء ابن طباطبا العلوي وحازم القرطاجني، في ضوء نظرية التلقي الحديثة)، وبَدَأت الموازنة بالحديث عن الثقافة اللغوية والأدبية لديهما، وتَمَّ تقسيم الفصل إلى ثلاثة أقسام، الأول: يُوازِن بين ابن طباطبا وحازم في قضية المبدع المتلقي، مع مقارنة ما طَرَحه كل منهما بما تَوَصَّلت إليه نظرية التلقي الحديثة خاصة لدى ياوس وإيزر، والثاني: البِنية النصية وأثرها في التلقي بين ابن طباطبا وحازم وبين نظرية التلقي الحديثة، أما الثالث: فَتَنَاول ما يَخُصُّ المتلقي قضاياه وأقسامه بين ابن طباطبا وحازم وبين نظرية التلقي الحديثة، وقد انْتَهَت الدراسة بخاتمة أُعْلِنت فيها بعض النتائج، مع إبداء بعض التوصيات.
ومن خلال هذه الدراسة يمكن القول بأنه قد تَجَمَّعَت لدى ابن طباطبا العلوي وحازم القرطاجني، في كتابيهما (عيار الشعر) و(منهاج البلغاء)، مَعالمُ نظرية نقدية دقيقة وشاملة في التلقي، ويعد كُلَّ ما طَرَحته هذه النظرية نِتاجاً للواقع الحضاري العربي والإسلامي: الزماني والمكاني، سواء في القرن الرابع الهجري الذي نَشَأ وعاش فيه ابن طباطبا، أو الثامن الهجري الذي عاش فيه حازم، ونتاجاً لتراكمات ثقافية وفكرية وأدبية ونقدية سابقة لهذين القرنين ، بالإضافة إلى أن مقولات التلقي في التراث النقدي العربي عامة، وفي كتابات ابن طباطبا والقرطاجني خاصة، تُمَثِّل مَنْظُومة فكرية واحدة، رُغم تَنَوُّع الخلفيات والمرجعيات الثقافية والفكرية، ورغم المتغيرات الزمانية والمكانية التي تَفْصِل بينهما، وهذا ما يجعلنا نطالب بالمزيد من الدراسات التي تستجلي جوانب من هذا التراث العربي المتميز ومقارنته بما وصل إلى الفكر الغربي، لنؤكد حقيقة بات يشكك فيها البعض وهي غزارة وثراء تراثنا العربي الأدبي والنقدي ووصوله إلى درجة من النضج بل والاكتمال، لا يقل بحال من الأحوال عما يطرح في الغرب.

