هل يسير المغرب بعد كوفيد نحو التحرر… أم نحو تعميق التبعية؟
«يجب فرض ضريبة على الثروة، فالأمر يتعلق بالعدالة»
توماس بيكيتي
عند قراءة مقال الأستاذ فتح الله ولعلو المعنون: «لماذا يجب إعادة تشكيل سلاسل القيمة»، والمنشور بجريدة جريدة الاقتصادي بتاريخ 9 يوليوز 2020، يتضح أن أزمة كوفيد لم تكن مجرد أزمة صحية عابرة، بل لحظة تاريخية كشفت التناقضات البنيوية للرأسمالية العالمية، وعرت هشاشة النموذج النيوليبرالي الذي فُرض على الشعوب لعقود باسم “الإصلاح” و“الانفتاح”.
ينقسم تحليل ولعلو إلى ثلاثة محاور: التعبئة الوطنية، والمفاوضات الدولية، ثم العودة إلى الكينزية. لكن خلف هذه العناوين تختبئ أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة، وهيمنة الرأسمال، وحدود السيادة الوطنية داخل النظام العالمي الرأسمالي.
التعبئة الوطنية: وحدة شعبية أم إعادة إنتاج للهيمنة؟
يرى ولعلو أن جائحة كوفيد خلقت نوعاً من التعبئة الوطنية حول الصحة والاقتصاد. غير أن هذه “الوحدة الوطنية” لم تكن بريئة بالكامل، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة لإخماد النقد الاجتماعي والسياسي، حتى عندما كان نقداً مشروعاً يخدم المصلحة العامة.
ففي المغرب، لم يكن التدبير الصحي مجرد مواجهة لوباء، بل كشف أيضاً عن مركزية السلطة داخل أجهزة الدولة، خصوصاً وزارة الداخلية، التي توسعت صلاحياتها بشكل غير مسبوق، بينما جرى تهميش المؤسسات المنتخبة والجماعات المحلية.
لقد عادت الدولة، في لحظة الأزمة، إلى حقيقتها الأصلية كما وصفها الفكر الماركسي: جهازاً لتنظيم المجتمع بما يحفظ استقرار البنية القائمة، لا بما يحقق بالضرورة مصالح الطبقات الشعبية.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار تحليل نعوم تشومسكي حول كيفية توظيف الخطاب الوطني خلال الحروب والأزمات من أجل خلق إجماع يخدم السلطة، حيث يصبح الاعتراض أو النقد نوعاً من “الخيانة”.
وهكذا، حكمت الحكومات في مختلف أنحاء العالم تحت شعار “حالة الطوارئ”، وتم تعليق الرقابة البرلمانية والسياسية، خصوصاً في الدول التابعة التي تعيش انتقالاً ديمقراطياً هشاً، مثل المغرب.
لكن هذه التعبئة الوطنية افتقدت إلى بعدها الاجتماعي الحقيقي.
ففي الوقت الذي كان العاملون في القطاع الصحي يواجهون الوباء بأجسادهم وأرواحهم، اختارت الدولة اقتطاع أجور الموظفين، بمن فيهم الأطر الصحية، بدل فرض مساهمة استثنائية على كبار الرأسماليين والمضاربين الذين راكموا الثروات حتى في زمن الجائحة.
لقد تم تحميل الطبقات الوسطى والشعبية كلفة الأزمة، بينما ظلت البرجوازية الكبرى بمنأى عن أي تضحية حقيقية.
المؤسسات الدولية: أدوات “التعاون” أم آليات للهيمنة الإمبريالية؟
يدعو ولعلو إلى تنسيق دولي تقوده مجموعة السبع ومجموعة العشرين وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والأمم المتحدة، لمعالجة أزمة الديون العالمية.
غير أن هذه المؤسسات ليست كيانات محايدة، بل تشكل البنية السياسية والمالية التي تحافظ على هيمنة المركز الرأسمالي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد تأسست هذه المؤسسات لحماية مصالح القوى المنتصرة، لا لتحرير الشعوب الفقيرة.
ومنذ الثمانينيات، فرض صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على بلدان الجنوب برامج التقويم الهيكلي: الخصخصة، وتفكيك القطاع العمومي، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وفتح الأسواق أمام الرأسمال الأجنبي.
وكان المغرب أحد أبرز ضحايا هذه السياسات، التي عمقت التبعية الاقتصادية، وضربت التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
وقد سبق لفتح الله ولعلو نفسه أن انتقد هذه المؤسسات بسبب تعلقها المرضي بالليبرالية الاقتصادية.
أما خدمة الدين الخارجي، فهي ليست مجرد التزام مالي، بل آلية دائمة لإخضاع الشعوب. وكما كتب جان زيغلر، فإن سداد الديون يمثل “الشكل المرئي للخضوع”.
وفي السياق ذاته، تمثل مجموعة السبع شكلاً من أشكال “دبلوماسية النوادي المغلقة”، حيث تحتكر القوى الإمبريالية الكبرى القرار العالمي، بينما يتم تهميش دول الجنوب والشعوب المستعمَرة سابقاً.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي يقدم نفسه كفضاء للتضامن والحقوق، فقد كشف خلال الأزمة عن وجهه الحقيقي: كتلة اقتصادية توسعية تبحث عن الأسواق واليد العاملة الرخيصة واتفاقيات التبادل الحر.
لقد واصل الاتحاد الأوروبي توسعه الاقتصادي خلال الجائحة، في انسجام تام مع منطق الرأسمالية الإمبريالية التي لا تتوقف حتى أثناء الكوارث الإنسانية.
العودة إلى كينز: إصلاح للرأسمالية أم إنقاذ لها؟
شهدت الأزمة عودة قوية لأفكار جون ماينارد كينز، بعد عقود من هيمنة النيوليبرالية.
يدعو ولعلو إلى “كينزية متجددة” تقطع مع الانفلات المالي، والملاذات الضريبية، وسوء توزيع الثروات، والتدمير البيئي.
لكن السؤال الجوهري يظل قائماً:
هل يمكن إصلاح الرأسمالية من داخلها؟
لقد أثبتت الأزمات المتكررة أن النظام الرأسمالي قادر على إعادة إنتاج نفسه عبر تقديم تنازلات ظرفية، ثم العودة إلى سياسات التقشف فور انتهاء الخطر.
وهذا ما حدث في المغرب.
فبعد خطاب التضامن والوحدة، سارعت الحكومة إلى تجميد التوظيف والترقيات وتقليص النفقات الاجتماعية.
وفي المقابل، سُمح للشركات الكبرى، الوطنية والأجنبية، بمواصلة الإنتاج حتى في ذروة الأزمة، أحياناً في ظروف مهينة وخطيرة بالنسبة للعمال.
لقد وُضعت الأرباح فوق حياة البشر.
وهذا ليس انحرافاً أخلاقياً عابراً، بل جوهر النظام الرأسمالي نفسه، القائم على استغلال قوة العمل ومراكمة فائض القيمة.
بل إن بعض المصانع واصلت الإنتاج فقط لتلبية حاجيات الأسواق الخارجية، بينما كان المواطن المغربي يواجه البطالة والهشاشة والخوف من المستقبل.
إن ما يحتاجه المغرب ليس مجرد “إنعاش اقتصادي”، بل بناء اقتصاد وطني مستقل، تتحكم فيه الإرادة الشعبية، لا مصالح الرأسمال المحلي التابع أو المؤسسات المالية الدولية.
من يدفع ثمن الأزمة؟
جاء مشروع قانون المالية التعديلي ليؤكد مرة أخرى أن الدولة اختارت حماية الرأسمال لا حماية العمال.
فالدعم العمومي للمقاولات تم ربطه بالحفاظ على 80% فقط من العمال المصرح بهم، ما يعني عملياً السماح بطرد آلاف العمال، خصوصاً غير المصرح بهم لدى الضمان الاجتماعي.
لقد تحولت الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة سوق الشغل على حساب الطبقات الكادحة.
بينما يفرض منطق العدالة أن تتحمل الشركات والمساهمون جزءاً من الخسائر، تم تحميل العمال وحدهم عبء الأزمة.
إن الدولة التي تمول المقاولات بأموال دافعي الضرائب كان يفترض بها أن تفرض الحفاظ على جميع مناصب الشغل، لا أن تحمي أرباح المساهمين وتوزيع الأرباح المالية.
أي بديل؟
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب سياسات اجتماعية جذرية، لا مجرد إصلاحات تجميلية.
أول هذه السياسات: تقليص ساعات العمل، بما يسمح بتوزيع العمل بشكل عادل وتقليص البطالة وتحسين شروط الحياة.
وقد دافع مفكرون اشتراكيون مثل بول لافارغ وبرتراند راسل عن هذا الطرح منذ عقود، معتبرين أن التقدم التقني يجب أن يحرر الإنسان من الاستغلال، لا أن يزيد من اغترابه.
أما الإجراء الثاني، فهو فرض ضريبة تصاعدية على الثروة الكبرى.
فالعدالة الضريبية ليست انتقاماً طبقياً، بل شرطاً لبناء مجتمع متوازن.
ومن غير المقبول أن تستمر أقلية صغيرة في احتكار الثروة بينما تغرق الأغلبية في الهشاشة.
لقد أثبتت تجربة الضريبة على الثروة في فرنسا إمكانية إخضاع الرأسمال للمساهمة الاجتماعية، ولو بشكل محدود.
لكن أي إصلاح ضريبي حقيقي يظل مستحيلاً دون إرادة سياسية مستقلة عن نفوذ اللوبيات المالية والبرجوازية الريعية.
خاتمة
إن أزمة كوفيد لم تخلق تناقضات جديدة، بل كشفت فقط التناقضات القديمة التي حاول النظام إخفاءها لعقود.
لقد بينت الجائحة أن النيوليبرالية عاجزة عن حماية الإنسان، وأن السوق لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة الاجتماعية.
وإذا كان هناك درس حقيقي يجب استخلاصه من هذه الأزمة، فهو أن مستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى على التبعية والخصخصة وخدمة الديون، بل على السيادة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة، وتمكين الطبقات الشعبية من القرار السياسي والاقتصادي.
