الجمعة ١٢ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

وجه بلا جهة

في لحظة ارتباك، حيث تبددت الملامح كما يتلاشى ضبابٌ في مهبِّ ريحٍ غريبة، وقف يحدق في فراغٍ يتقن التحديق فيه، كأن بينه وبينه مسافةً تُقاس بما يفلت منه، لا بما يقترب. كان يشعر أن الفراغ ليس فراغاً تماماً، بل امتلاءٌ مؤجلٌ يترقب أن يُفهم.

الفراغ ممتلئ على نحو غريب، يعيد إليه صدى خطواتٍ يجهل أنه خطاها، وأصواتاً تشبهه تنبض بهدوءٍ أقرب إلى سرٍّ عصيٍّ على البوح. قال، أو ظن أنه قال: «كم مرة عليَّ أن أعود كي أصل؟»

فجاءه الصوت من جهة غابت عن التفاتته: «تعود لأنك غادرتَ أصلاً».

التفت ببطء، كما لو أن الالتفات فعلٌ مفروضٌ عليه، لا يملك حياله اختياراً، فرأى هيئةً تنتمي إلى جهةٍ أخرى، تقف على مسافة أقرب مما يحتمل؛ حضورٌ يثير الشك ويغذيه في آنٍ واحد.

كانت الهيئة غريبة عنه على نحوٍ يهتزُّ بما يتوقعه، فما يخرج منا لا يغادرنا حقاً، بل يبقى معلقاً في خفايانا، ينظر إلينا بجهلٍ تامٍ بما سيحدث، متجرداً من هذا القدر المريب من السكون.

اقترب ذلك الآخر بخطوات صامتة، حتى صار بينهما هواءٌ واحد، ممتلئ بأسئلةٍ غنيةٍ عن الكلمات، كأن اللغة بينهما فقدت ضرورتها، أو لعلها عجزت عن اللحاق بما يحدث.

قال الآخر: «أرهقتني بكثرة ما تجاهلتني».

ارتبك، متأثراً بألفة الصوت، كأنه يسمعه منذ زمن بعيد، أو منذ لحظةٍ لم يعترف بها قط، متذكراً أبواباً صغيرة أغلقها في داخله، كلُّ بابٍ يحمل سبباً مؤجلاً، وكل تأجيل كان يشبه خيانةً خفية.

«من أنت؟»

سأل أخيراً، لكن السؤال خرج من فمٍ منكسر، كأنه يعرف الإجابة ويخشى اكتمالها، يخشى أن تتحول إلى يقينٍ لا يمكن التراجع عنه.

ابتسم الآخر، ابتسامةً مستقلةً بذاتها، لا تستأذن القصد ولا تحتاجه، تحمل احتمالاً مؤجلاً: «أنا الذي كنت تتركه كلما اخترتَ أن تكون واضحاً، أنا ما يتبقى حين تنتهي من إقناع نفسك، أنا القرين الذي لا يقبل التفسير».

تراجع، بيد أن المسافة ثبتت، كأن المكان نفسه صار متواطئاً، يرفض السماح له بالهروب، ويعيده إلى النقطة ذاتها كل مرة، كما لو أن الدائرة أضيق مما ظن.

«ولماذا الآن؟»

«لأنك بدأت تلاحظ غربتك عن نفسك، وكلما ابتعدتَ أكثر اقتربتُ أنا، حتى صرتُ أسبقك إلى ملامحك، وأسبقك إلى ما تظنه اختيارك».

ساد صمتٌ ثقيل، ممتلئ بانكسارات صغيرة تحدث داخله دون أن تُرى، كأن شيئاً ما يُعاد ترتيبه بعنفٍ هادئ، كأن داخله يُعاد كتابته دون إذنه.

أراد أن يلمس وجهه ليتأكد من ملكيته له، بيد أن الآخر سبقه ورفع يده في اللحظة نفسها، غير أن الإحساس بدا متنافراً هذه المرة، كأن اليد لم تعد تعرف صاحبها.

تجمد.

سبق له رؤية هذا التطابق، لكنه هذه المرة شعر أن يد الآخر هي الأصدق بينهما، وأن ما يراه يفرض نفسه عنوة، بلا حاجةٍ إلى تصديق.

«أينا الحقيقي؟»

همس.

فأجابه الآخر بهدوء وثقة: «السؤال الخطأ دائماً يبدو أكثر إقناعاً، لأنه يريحك من رؤية ما تعرفه».

ثم تقدم خطوة، واختلطت ملامحهما، كذكرى تنسى حدودها، كأن وجهاً ثالثاً يولد بينهما دون إعلان، وجهٍ لا ينتمي لأحدهما تماماً.

وفي تلك اللحظة، تاهت به السبل؛ أهو الناظر أم المنظور إليه؟ أم أنهما معاً مجرد أثرٍ لشيءٍ لم يعد يُرى؟

وبين هذا التداخل، شعر أن صوته لم يعد يخصه وحده، وأن صمته كذلك لم يعد آمناً، كأن الداخل والخارج تبادلا مواقعهما، وانمحى الحد الفاصل دون رجعة.

مد الآخر يده، لا ليصافحه، بل ليعيده، أو ليسحبه إلى حيث لم يذهب من قبل، إلى تلك المنطقة التي كان يؤجلها دائماً، حيث لا يمكن أن يكون واحداً.

وفي ارتعاشة خفيفة، لم يعرف إن كانت خوفاً أم تحرراً، أدرك أن ما كان يهرب منه لم يكن سوى نفسه، وأن الانقسام لم يحدث الآن، بل كان قديماً… لكنه فقط بدأ يُرى.


مشاركة منتدى

  • وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة "وجه بلا جهة" لصالح مهدي محمد
    وجوه الذات المفقودة: قراءة نقدية في قصة "وجه بلا جهة" لصالح مهدي محمد
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    تنتمي قصة "وجه بلا جهة" إلى أدب القصص التأملية، القادرة على التحرر من قيود السرد التقليدي والغوص في أعماق النفس البشرية، مُثيرَةً تساؤلات حول وجود الإنسان. لا يُمكن اعتبار هذا العمل الأدبي قصةً بالمعنى المتعارف عليه، إذ لا يروي الكاتب حدثًا مُحددًا، ولا توجد حبكة مُحكمة باستخدام عناصر درامية تتضمن صراعات خارجية. يتشكل هذا العالم من خلال الصراع الداخلي الذي يدور في نفس الإنسان - بين ذاته الحقيقية وظله الخفي، بين الكلمات والصمت.

    يبدأ الكاتب سرده بوضعنا في عالم من الغموض، حيث لا شيء واضح تمامًا، وما نُدركه يصبح موضع شك. يُعرّفنا على راوٍ لا ينظر إلى فراغ خارجي، بل إلى فراغه الداخلي المُشبع بمعانٍ مُؤجلة إلى وقت لاحق. في الواقع، ينبض الفراغ المذكور بالحياة، ليصبح فضاءً لآثار خطواتٍ اتُخذت منذ زمنٍ بعيد، ولصوتٍ أُسكت، مانحًا النص بُعدًا نفسيًا عميقًا، ومحوّلًا بذلك المكان إلى انعكاسٍ للعالم الداخلي للبطل. تدور القصة برمتها حول العلاقة الحوارية بين البطل و"الآخر" الذي يكشف عن نفسه في النهاية كقرين البطل، وظله، ووجهٍ آخر لذاته. مع ذلك، يمتنع الكاتب عن تفسير شخصيته، تاركًا لنا التساؤل حول هوية الآخر الواقف أمام البطل - هل هو ضميره، أم لاوعيه، أم مجرد حقيقة مؤجلة؟

    لعلّ ما يُميّز هذه القصة هو الاستخدام المكثف للرمزية النفسية. فالقرين هنا لا يظهر كشخصية منفصلة، بل كبقايا الذات التي أُقصيت لقرون. يقول القرين: "أنا الذي كنت تتركه كلما اخترت أن تكون واضحاً"، يعني "أنا من أقصيته دائمًا، كلما احتجتَ إلى الفهم". ثمة مفارقة هنا. أحيانًا، قد تتحول الحاجة إلى الوضوح الاجتماعي أو الفكري إلى أداةٍ لعزل جوهر الذات. ومن هنا، يصبح الصراع بمثابة معركة بين الشخص وانعكاس صورته التي سعى لعزلها طويلًا.

    ومن الجدير بالذكر أيضًا براعة الكاتب في استخدام اللغة الشعرية. فهو يُكثر من استخدام الاستعارات وتغيير المعاني: يتحدث عن الفراغ المفعم بالحزن، وعن الصمت المفعم بالانكسار، وعن وجهٍ لا ينتمي لأحد. والخلاصة أن هذه الأساليب الشعرية لا تُستخدم لأغراض أسلوبية، بل لأغراض بنيوية؛ فهي تُسهم في خلق جوٍّ من الحيرة الوجودية، يعكس موضوع النص.

    أما من الناحية الفنية، فإيقاع السرد بطيءٌ نسبيًا. الأحداث قليلة، ويكاد ينعدم السرد المباشر، لكن التشويق يتصاعد باستمرار بفضل الحوار والتأمل. ويمكن تشبيه هذه التقنية بأمواجٍ تتدفق تحت سطح ماءٍ هادئ؛ فالنص يبدو هادئًا ظاهريًا، لكنه يزداد امتلاءً بالتساؤلات.

    من حيث النضج، لا يُضاهي أي عمل آخر الطريقة التي حُسمت بها النهاية في النص. لا ينتصر أي طرف على الآخر، بل يُكتشف ما كان معروفًا بالفعل، وهو أن الانفصال لم يكن أمرًا جديدًا، بل ظاهرة من ظواهر العالم القديم كانت خفية قبل أن تُصبح ظاهرة. تُضفي هذه النهاية تحديدًا بُعدًا فلسفيًا على القصة، وتُشير إلى أن أزمة البشرية لا تكمن في وجود تناقض داخلي، بل في إنكار وجوده.

    إذا كان من المهم تقييم النص، فينبغي التنويه إلى أن استخدام الرمزية قد يجعل بعض أجزاء السرد مجردة للغاية بالنسبة لمن يُفضلون القصص التي تُروى من خلال الأحداث والشخصيات الملموسة. مع ذلك، من وجهة نظر فنية، قد يبدو هذا التوجه الكتابي مناسبًا.

    ختامًا، تُعدّ "وجه بلا جهة" نصًا سرديًا يُمكن تصنيفه نفسيًا وفلسفيًا، بدلًا من تصنيفه تقليديًا كقصة قصيرة. تُعتبر هذه القصة عملًا فذًا في كشف متاهة هوية الذات. باستخدام الصور واللغة الشعرية، ينجح المؤلف في جعل الصراع الفردي صراعًا عالميًا من خلال طرح سؤال أساسي يمس حياة كل شخص: كم عدد الوجوه التي يحملها المرء في داخله، والتي يتم تأجيلها عمدًا حتى يفوت الأوان للهروب من نفسه؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى