ومن الحب ما أحزن والعزاء في الشعر
قراءة متواضعة في ديوان ((يخلق من الشبه ياسمين)) للشاعرة السورية ميادة مهنا سليمان
1ــ توطئة أو ما قبل القراءة
((يخلق من الشبه ياسمين)) ديوان شعري يضم أكثر من 80 ومضة للشاعرة السورية ميادة مهنا سليمان، رفرف عبر الأثير من سوريا إلى المغرب، على جناح الحب ليحط رحاله في عوالم مالكة عسال...
فقبل وضع الديوان في المشرحة لابد من وضع لمسة تعريفية لمؤلفته المبدعة السورية ميادة مهنا سليمان، هي من مواليد مدينة حمص مقيمة في دمشق، موسوعة ثقافية كبرى، متعددة الاختصاص، حاصلة على دبلومِ دراسات عُليا، من المهام التي شغلتها: مراسلة /مدرسة /محررة /محاورة لشخصيات /ومؤلفة مناهج للأطفال غير الناطقين بالعربية، محررة صحف ومجلات، امتهنت مذيعة في راديوهات عربية ووطنية، شاعرة/ قاصَّة/ ناقدة/ روائيَّة/ كاتبة أدب الطِّفل في جميع الأجناس الأدبية، مؤلفة مقالات ورسائل أدبيَّة .. حاصلة على عدة جوائز وطنية وعربية، تم تكريمها في العديد من المنابر، عضوة في العديد من المنصات الأدبية، نشرت منجزاتها في الصحف والمجلات العربية والدولية، ولحنت قصائدها من قبل ملحنين عراقيين وسوريين وفلسطينيين، وترجمت بعض أعمالها إلى لغات أخرى، حاصلة على جوائز عربية ووطنية، حائزة على عدة ألقاب من بينها: نجمة القصة الومضة / نجم قصيدة النثر / ملكة سوق عكاظ، و لها زخم مشرف من المؤلفات في جميع الأجناس الادبية يفوق 12 مؤلفا، ناهيك عن مؤلفات للأطفال شعرا وقصة ورواية.. ولتعذرني الشاعرة على جريمتي في اختزال سيرتها الأدبية حتى لا أثقل كاهل القارئ ..
2ـــ الديوان الشعري (يخلق من الشبه ياسمين)
هو مخطوط شعري للشاعرة السورية الأنيقة ميادة مهنا سليمان، يضم مجموعة من الومضات أو القصائد القصيرة إن شئنا كما أسلفتُ، اختارت له شاعرتنا هذا العنوان (يخلق من الشبه ياسمين) لغرض لا نعلمه .. فقبل الإطلالة على خباياه، وقراءة ما بين السطور لاقتناص المعنى، دعونا نقوم بجولة استطلاعية على عناصره النصية وشكله ومضمونه..
3ـــ العتبة النصية وما تتضمنه من عناصر
أي مبدع يبحث عن التميز قبل إصدار عمله، فيشتغل على جوانبه كافة شكلا ومضمونا، منتقيا الأفضل ليخرج عمله في حلة أنيقة تدغدغ شهية القارئ، وتفتح مسام الاستيعاب، وشاعرتنا سارت على نفس الدرب كغيرها من الشعراء، من حيث تجميل الغلاف واختيار اللوحة وتحديد العنوان، وما قارب ذلك ...
ـــ الإطار الخارجي أو ما يسمى بالغلاف
أول ما تلمحه العين الألوان المتعددة: ما بين الأبيض والنيلي، والوردي والبنفسج الفاتحين، والرمادي والأسود، فمنذ النظرة الأولى يعجبك التنسيق حيث وضعت الألوان بانسجام دقيق، كل لون احتل مكانه المناسب في ترتيب مطلق لا يشوش على العين ليؤدي مهمته كما يجب ..الدفة الأولى اقتصرت على العنوان والصورة للشاعرة مع التعريف بالمحتوى في جملة، والدفة الثانية يتكرر العنوان بشكل عمودي مع نتفة مركزة من شعر الشاعرة...
ـــ لوحة الغلاف كما هو معهود لدى الشعراء
لقد تخلت الشاعرة عن الصورة النمطية، التي دأب عليها الشعراء في اختيار لوحة لفنان تشكيلي معروف لتزيين الواجهة، أو لوحات مرسومة من قبلهم شخصيا، واختصرت على صورة لها بين نثار من زهر الياسمين، لا ندري ما سر زهر الياسمين في قرار الشاعرة؟ هل تحبه ومفتونة بعطره؟ أم هو رمز إلى شيء جميل في ذاكرة الشاعرة؟؟ أم وُضِعَ بشكل عفوي لا أساس له ولا هدف؟ والملاحظ أن الشاعرة في الصورة مغمضة العينين، وهذه الوضعية لم توضع عبثا، وإنما لها أبعاد في خلد الشاعرة لا ندرك سرها، وإغماض العينين كما يعرف الجميع له عدة معان ودلالات حسب الوضعيات وظروفها، قد يسهل أو يعسر تفسيرها وفق السياق، قد يكون أحيانا أثناء الضحك بطريقة اعتباطية دون شعور، أو أثناء التقبيل كرَدٍّ فعل فيسيولوجي ونفسي، بإشارة من الدماغ لتحسين جودة التجربة الحميمة وإعطاء اللحظة تمتعها العميق بالطرف الآخر، أو إثر انعكاس ضوء ساطع تفقد معه العين القدرة على البصر، لكن لا هذا ولا ذاك سبب مما ذكرت، قد يكون توحد صوفي مع ذكريات مؤلمة، تحاول شاعرتنا ميادة مهنا سليمان استرجاعها بتركيز قوي، واستقراء تفاصيلها ..أو هو هروب مضطر و رفض باث لرؤية ما يجري في العالم عموما، والوطن خصوصا من نكبات مشحونة بأسرار مبهمة يستعصي توضيحها...
ـــ العنوان (يخلق من الشبه ياسمين)
يتركب من جملة فعلية تامة إعرابا، تشمل فعلا وفاعلا وجارا ومجرورا ومفعولا به مؤخر، والجملة مقتبسة من القولة السائدة والمتداولة بين الجميع (يخلق الله من الشبه أربعين) في تناص عجيب، عرفت الشاعرة كيف تختزل عنوانها بدقة كمفتاح، أو بوابة رشيقة تُسَهّل على القارئ مأمورية الدخول إلى المحتوى دون عوائق أو عراقيل متعبة، والسؤال المفتوح لمن ترمز الشاعرة بياسمين؟؟ ولمَ اختارت هذه الزهرة بالذات مع العلم أن الجميع يميل إلى الورد الذي يتغنى به المطربون، ويقدم في المناسبات،؟؟ ((يا ورد من يشتريك)) غناء المطرب العربي الكبير محمد عبد الوهاب.. وحتى شكل الورد أجمل وأبهى وله قيمة بالنسبة لكل أنواع الزهور، فتعدد ألوانه يمنح فرصة الاختيار، كما يضفي نوعا من الرقة والجمال في أصص ومزهريات .. ورغبة الشاعرة في اختيارها ياسمين قد يكون لعبقه الفواح، وشكله الأبيض الجميل الرامز إلى الحب والرومانسية، الشيء الذي يزيد لمسة روحية تنعش النفس وتسكب عليها الطمأنينة...
ــ الإهداء ب كلمات نبيلة إلى الأعزاء
وضعت الشاعرة الإهداء كخطوة أولى، والذي تفردت به عن غيرها الذين عادة ما يوجهون الإهداء إلى الأهل أو الأبناء أو الأصدقاء، لكن شاعرتنا ميادة مهنا سليمان قفزت على هذه الخطوات لتخص إهداءها إلى دمشق/ المدينة الحبيبة الذي يجري دمها في العروق، وبخلت به عن مدينة حمص التي هي مسقط رأسها، ولا ندري ما الداعي؟هل لأن دمشق هي النبع المعرفي بحصولها على شهادتها من جامعتها؟؟ أم سبب أخر لا تدركه إلا هي؟؟ مهما كان فلا ننسى أن مدينة دمشق تستحق، لأنها أم الثقافات العربية، تم اختيارها بمبادرة اليونسكو عاصمة الثقافة العربية سنة 2008 وتُعتبر أقدم مدينة سجلت تاريخها بماء الذهب بحضارتها العريقة.. وبصورة أو أخرى فإهداء شاعرتنا إلى دمشق ضمنيا هو إهداء إلى سوريا قاطبة / الوطن الذي ولدت في كنفه، ولعبت بترابه، وارتوت من حنينه وأنعمت باستقراره، وأكلت من ثماره وجنانه، خاصة ما عاشته سوريا من جرح دموي إبان الحرب الأهلية التي شردت الأهالي، وخربت البيوت، وتركت سوريا ردما على رؤوس ساكنتها مما خلف سيلا من الوجع لا ينضب،،، وهذه الأسباب جميعها نخرت الذات الشاعرة وزعزعتها، وجعلتها تبحث عن الحب، ذاك الشبح المفقود بين تلال النوائب وسفوح النكبات، تطارده في المناطق القصية من أشعارها، لترمم تمزقات حاصلة، وترتق جروحا غائرة،،، وشاعرة من حجم ميادة الباحثة والروائية والناقدة والصحفية والكاتبة للأطفال/ الموسوعة الكبرى متعددة الاختصاص، لن يفوتها أن تقتفي أثر ظله الهارب في أي مكان، لتأتينا بهذه التحفة العجيبة ((يخلق من الشبه ياسمين))...
3ـــ المحتوى وما تضمنته الدفتان
استهلت الشاعرة ميادة مهنا سليمان الأضمومة بكلمة طيبة محترمة إلى القارئ، متمنية أن يجد صيده بين حروفها، قبل أن تصفف في حوش الإبداع سرب حَجَل الومضات، والتي تتراوح بين القصيرة والقصيرة جدا، إذ أحيانا لا تتعدى الومضة سطرين، موجهة الخطاب إلى ((الأ نت)) الذكر المعشوق الذي تتّحِد معه الذات الشاعرة حد الذوبان، فألهبها جنونا فقدت معه الاستقرار، فتارة تخاطبه كأنه ماثل أمامها، وأخرى تتحدث عنه وهو غائب، فهو الحبيب الحاضر الغائب الذي تهيم به عشقا حد التصوف، يتواجد في عطرها، في تطريز فستانها، الساحر الجميل الذي فتح قلبها المغلق بقصيدة، وبلمسة حب فارهة تفرخ عشقها فراشات، وقصائد، الحبيب ذو الوجه البشوش الذي تارة يقسو وتارة يلين، فلا يبخل عنها بالتعبير عن حبه لها، وإن كان حبا يميس بين اللين والقسوة، فما يسطع منه أحيانا على زجاجة الخصام يطفئ نزعة الشك، الشيء الذي أكد للشاعرة أن الحب زهرة اللوتس يزهر في غير موسم الربيع، ويعود بعد الفراق كما يعود الماء إلى مجراه أثناء هطول المطر، وتكون أيامه أجمل وأحلى ..وحرارة العشق تتدفق أثناء الخصام فتتلهف النفس إلى رؤية المحبوب الذي حين يغيب يشغل الخاطر، فتتمنى في أية لحظة أن يطرق المهجة بكلمة أو لمسة كي تنطفئ اللهفة، فهي ترى حبيبها بمشاعرها وقلبها وروحها لأنه يحتل غرفة دافئة في الأعماق، وتملأ أطيافه كل الفضاءات التي حولها حتى في أطباق الطعام، وتخشى أن يجف قلبه من الحب، ويصبح صحراء قاحلة من لمسة الحنان، وحتى إن وصل بها السيل الزبى وحاولت أن تنساه فلا يد الرأفة تستطيع أن تؤثر عليها، وتُلَيِّن مشاعرها فتعفو وتصفح، فالحب متبادل حتى أقصاه بين الطرفين، وحين يقع توتر يعقبه الندم، ونظرة واحدة من عينيه تذيب جليد الخصام،،، إذا فجذع الحب ثابت في القلوب، ولا يمكن لأية عاصفة أن تهزه أو تقلع جذوره، وإذا ما منعها كبرياؤها من البوح فعزاؤها في قصائدها، وكم تتمنى أن يكون بقربها لتشرع له قلبها، لكن حلمها بعيد المنال، وعليه لن تبقى مكتوفة الأيدي، بل ستفرغ شحنة اشتياقها في القصائد، الملاذ الفاتن والعريش الودود. لأن حبيبها استثنائي لا رجل يملأ عينيها غيره، فهو فارس الأحلام الواحد الأوحد الذي عشقته حتى النخاع، وذابت في حبه حد الحمق، وكلما تمادى في الغياب اشتد بها الحنين، والصبر هو الرفيق الوحيد الصدوق الذي يخفف مما ألم بها، ويُربِّت على كتفها...وهنا أفتح أكثر من سؤال: ـــ أي حب تعنيه الشاعرة؟ ـــ ومن هو معشوقها الفاتن الذي سرق قلبها؟؟
ـــ أي حب تعنيه الشاعرة ولمن؟؟؟؟؟
الحب كلمة نبيلة، وقيمة مثلى التي يبحث عنها الجميع، في الأعراف/ في التقاليد/ في الكتب .. هو القوة الخفية التي تدفع الفرد إلى تسلق لبلاب المِحَن من أجل محبوبه، فإن أحب مهنته تفانى في تطويرها والحفاظ عليها، ويسعى إلى احتلال أعلى رتبتها، وإن أحب وطنه لا يتردد في تقديم روحه وماله وأولاده من أجله، والسعي للارتقاء به مهما كانت الأمور، وإن أحب أسرته لن يدخر جهدا في سبيل إسعادها لتعيش في رفاهية، وإن أحب جاره اهتم به فيسأل عنه باستمرار لتفقُّد أحواله، .. فالحب هذه الفظة القزمية كإحساس /كمشاعر والتي تستوطن أحسن مكانة في الداخل، أسال فيه الشعراء العرب الأحبار، وتغنى به المطربون، وعبر عنه الفنانون التشكيليون في لوحاتهم، وكتب عنه الروائيون، ولنقتبس من الساحة الأدبية والثقافية بعض أبيات لشاعر الثورة الجزائري مفدي زكريا وهو يتغنى بحب وطنه:
بلادي أحبك فوق الظنون
وأشدو بحبك في كل نادي
عشقت لأجلك كل جميل
وهمت لأجلك في كل وادي
ويقول الشاعر والمسرحي الإنجليزي وليام شكسبير في الحب:
تكلم هامسًا عندما تتكلم عن الحب
وهذا الشاعر العربي قيس بن المولوح في أجمل بيتين
من قصيدة (لو كان لي قلبان..) في الحب
لو كانَ لي قلبان لعشت بواحدٍ
وأفردتُ قلباً في هواكَ يُعذَّبُ
وحتى بعض الشعراء في عصرنا الحالي نزفت أقلامهم في التعبير عن الحب على اختلاف أطيافه، ولنأخذ مثلا الدكتور المصري جمال مرسي في أحد قصائده بعنوان ((يا بحر قل لحبيبتي)):
يا بحر قل لحبيبتي
إني أحبك رغم أشواك المسافة
والبعاد
و الشاعر المغربي أبو فراس جابر الصنهاجي في ديوانه ((يا فارس ..تمهل)) يقول:
حبي الغارق في العشق
لا يدركه وصف الشعراء ص:27
فشاعرتنا ميادة مهنا سليمان فاضت بحورها وأنهارها في الإنشاد بالحب، حيث ترددت اللفظة بمشتقاتها أكثر من 80 مرة حتى غدت كل قصيدة لا تخلو منها،
ولكن كل لفظة في مكانها ضمن سياقها المعين المناسب لها في لوحة لغوية فنية تضرب مناطق المجهول، وتنطق اللغة بما لم تقله..
أحِبُّ المطرَ كثيرًا
وأحِبُّ الصَّباحَ
لكِنِّي لمْ أحبَّهُ اليومَ
كما تكررت لفظة قبلة أكثر من 70 مرة بنفس السياق دون أن أدلي بأمثلة تجنبا للإسهاب .. لكن السؤال المحير لمن تتوجه الشاعرة بهذا الحب العميق، ولمن تكنه؟؟ ما الذي جعلها ترى كل ما في الكون حبا؟.. من خلال تهجي ما بين السطور، والإحاطة بالديوان وسيرة الشاعرة لا أظنها تقصد بحبها العاطفة بين الذكر والأنثى أوالعكس، وفق ما قرأناه في الكتب وسمعنا عنه في الروايات، و ما قاله الشعراء والفلاسفة عن العاشق الولهان وعشقه الحارق.. بل يبدو أن الشاعرة تقصد وطنها الحبيب سوريا وما عاشته من مصائب اجترحت المهجة والذاكرة...
4ـــ الجانب الفني وما أضفاه من سحر على الديوان
أي مبدع مهما كان نوعه مطربا أو فنانا تشكيليا أو مؤلفا يسهر على مادته خَلْقا وجمالا بكل ما يملك من أدوات، يحيط بها مبنى ومعنى مشذبا مضيفا مُغَيِّرا، إلى أن يتيقن أنها اكتملت، ثم يقدمها مادة دسمة في طبق ساخن إلى قرائه، وشاعرتنا ميادة مهنا سليمان كغيرها رعت منتوجها بالإحاطة والتنقيح بما تملكه من لغة ولديها من مهارة في جذلها، فنوعت ولونت ومضاتها بما يسحر ويبهر ..
ــ اللغة الشعرية/ الوعاء الذهبي لاحتواء الأفكار
((معلوم إلى درجة الابتذال أن العرب اعتنوا باللغة إلى أقصى الحدود الممكنة لما لها من دور خطير وحاسم، ولا يحتاج الباحث إلى كثير من الحصافة لإدراك هذا الاحتفاء إذا ما علم أنها أحد الأسس المتينة للهوية)) على حد قول الدكتور المغربي محمد عدناني في مقاله ((بنية اللغة في المشهد المغربي الجديد)) ص97 (مجلة عالم الفكر العدد34 يناير مارس) وشاعرتنا ميادة لم تكتب من فراغ، ولا نزلت عليها نبوءة وحي، بل جمعت لبنات منجزها من الواقع بتحليق لازوردي على أجنحة الخيال في تأمل عميق للحياة والكون، تَمَّ معه بعناية اختيار معجم أنيق، ثم دأبت على تصفيف ومضاتها بطريقة فنية مطرزة بالمراوغة والتلاعب بالمفردات، معتمدة تقزيم العبارة في ترهل المعنى وتوسيع وتعميق الدلالة، مما يخلط الأمور على القارئ بين سلاسة الألفاظ وبساطتها، والغلو في تحريكها من أمكنتها العادية المباشرة، لتحتل أخرى بترميز ملغز حافل بما هو مجازي وانزياحي في قلة من المفردات، معتمدة التكثيف بأقل لتقول أكثر فتخلق صورا شعرية تتراقص كأنها أسراب النحل، تضرب مهجة القارئ بصفعة مكهربة مدهشة.. وهذه ((مائزة الشعر الأصيلة تتمركز في قدرته على الانفلات من أي قيود من شأنها تهميش قدرته على الخرق والتحليق في الأمداء والآفاق وحيازة المدهش المبهر والمباغت والغريب)) على حد قول الدكتور عبد الرحمن عبد السلام محمود في مقاله (وعي الشعر) ص88 (مجلة عالم الفكر المجلد 34 يوليو/ مارس)...
ـــ الصور الشعرية العميقة
كل من اطلع على ديوان الشاعرة ميادة مهنا سليمان، (يخلق من الشبه ياسمين) أول ما يلفت نظره الصور الشعرية التي تتلألأ كالنجوم في ظلمة الليل الموحشة تضرب بشعاعها المهجة ..لاحظوا هذه الشذرات:
ابحثْ
في رَمادِ القلبِ المُحترِقِ
سَتَجِدُ
بُرْعُمًا جميلًا
إنَّهُ اسمُكَ
الشذرات تأمر الحبيب أن يبحث بعد عودته من السفر في رماد القلب المحترق، سيجد برعما جميلا هو اسمه، أي أن القلب بعروقه ودمه وأعضائه يحترق ويصير رمادا، إلا اسم الحبيب فهو محفور بأدوات أزلية لن ينمحي، ولن يصير رمادا، لأنه قُدَّ من مشاعر فولاذية لن تتمكن منه النار، للشاعرة براعة في توظيف المفردات بترتيب فسيفسائي دقيق داخل قالب لغوي متين، تجعل القارئ يحلق مع استعاراتها المدهشة، فيصاب بذوخة إغماء لا يستفيق منها إلا بعد التهام معناها، وتصيد دلالتها.. ولنتابع الشذرات التالية:
فأتسَلَّلُ عَلى
رُؤوسِ أصَابعِ الحَياءِ
كي أرَاكَ
تتسلل على رؤوس أصابع الحياء كي تراه، فالشاعرة بتمرس عجيب عانقت الكلمات بعلاقة بهية لتخلق الجمال، باستعارة مكنية حيث شبهت الحياء بكائن حي له أصابع، والحياء حسب شروحات بعض القواميس صفة/ خُلُقٌ حسنٌ يبعث على فعل كل جميل وترك كل قبيح، هو غريزة إنسانية تدفع للعفة، والحشمة وتجنب الكِبَر ليس شيئا مجسدا حيا له أصابع، والتسلل يعني التنقل بهدوء دون إزعاج أو فوضى كي ترى معشوقها.. ولهذه الشذرات مثيلات مدهشة أخرى لا تسمح الصفحة لأمرر مسحتي الضوئية عليها كلها..
ـــ المتنافر أوالثنائيات الضدية بين الألفاظ في الشعر
من مميزات الشعر الحر توظيف التنافر، أو الثنائيات الضدية بين الألفاظ، أي استعمال كلمات متباعدة لا علاقة بينها، قد تكون كلمتين متضادتين متباعدتين أو أكثر، والشاعر المحنك من له مهارة عالية في الربط بينها وإن تختلف مبنى ومعنى بعلاقة تداخل وإدغام لخلق الدهشة لدى القارئ، يصبح معه في حيرة وتساؤل، وشاعرتنا لا عسر لديها في الربط بين كلمات لا علاقة بينها لتخلق لوحة لغوية فنية تضرب عمق القلب بدهشة لا توصف .. لنكتشف ذلك في ما يلي:
صرَخَتْ إِليهِ
بِأَعلَى الصَّمتِ
عوض أن تقول الشاعرة ميادة صرخت إليه بأعلى الصوت، فضلت (بأعلى الصمت)، والشذرة لم تأتها بسهولة من مكان، بل من تأمل وتفكير ورؤيا جامحة اجتاحتها في زوبعة شعرية أثناء لحظة اهتزت لها المشاعر، كانت فيها المقابلة والحوار مع الذات، وهذه من براعة الشاعرة والقدرة على الجمع بين الأضداد في صورة شعرية تلهب الألباب ...
ـــ التماهي مع ما لملمته الذاكرة
للشاعرة ميادة مهنا سليمان مهارة في التلاعب باللغة، ومراوغتها لتُخرِج من قمقمها جنيا أزرق لا يعرف المنطق ولا المعقول، يجازف بأساليب متنوعة تصب في الحلم تارة، وأخرى في التمني، وثالثة في التساؤل، وغيرها في الحوار، ثم التماهي لتخلق جمالا يكسب منجزها سحرا لا يقاوم ..
ردَّتْ قصَائدي:
أنتَ..
ثُمَّ أنتَ..
ثُمَّ أنتَ!
"رَوَاهُ إلهَامي"
لاحظوا كيف تماهت الشاعرة مع الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم (("من أحق الناس بحسن صحابتي؟" فأجاب ثلاث مرات: "أمك"، ثم قال في الرابعة: "أبوك"بنوع من الترابط والتقارب والانصهار، لتعطي لعبارتها القوة البلاغية، خاصة وان لغة القرآن بليغة ومتينة .. والقدرات الفنية من هذا الحجم ليست في ملك أي شاعر إلا إذا كان محنكا ومتمرسا ..
ولاحظوا أيضا:
رُبَّ قصيدةٍ
أحرُّ مِنْ ألفِ قُبلةٍ
.....
وأيضا:
رُبَّ تنهيدةٍ
أبلغُ مِنْ ألفِ قَصيدةٍ
.....
فالتنهيدة أحيانا تصرف مع الزفرات ما يثقل القلب من كرب وأوجاع، فترتاح النفس.. فالشاعرة تتماهى مع المثل المعروف ً"رُبَّ ضارّة نافعة"، أي قد يأتينا الشيء الضار أحيانا بما هو نافع،،،، ونستمر مع التماهي لما تقول:
كنُبوءَةٍ جَميلةٍ
تَنزَّلَ وَحْيُ حُبِّكَ
فِي غَارِ قلبِي
لا يخفى علينا أن الوحي تنزل نبوءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حيراء، لاحظوا كيف امتصت هذا الحدث التاريخي في علكة فنية لتخلق منه إبداعا شاهقا، فتحول الحب إلى نبوءة جميلة يتنزل فيها وحي الحب في غار قلبها، وتتماهى شاعرتنا أيضا مع الحديث الشريف ((أبغض الحلال عند الله الطلاق،)) لأنه يتسبب في التفكك الأسري وتشرد الأطفال، فتقول:
أبغض الجمال عند العاشقين الخصام
لأنه يكسر العلاقة الحميمية بينهم،
وتقول:
كُلَّمَا هزَزْتُ جِذعَ قلبِي
تسَاقَطَ حُبًّا نقيًّا
كلما هزت جذع القلب تساقط حبا نقيا تماهٍ صرف مع الآية الكريمة "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا " (سورة مريم: 25) تُشير إلى الأمر الإلهي للسيدة مريم عليها السلام أن تهز جذع النخلة وإن كان يابسا فالله لما يقول كن سيكون، سيتساقط عليها رطب طري .. الخلاصة أن الذاكرة ممتلئة حد التخمة بثقافة متنوعة من القرآن والأحاديث والأقوال والحكم، أكسبها ثقافة شاملة خول لها بسهولة أن تلتقط ما تشاء لتدغمه بتماهٍ مدهش فتخلق إبداعا جذابا يسحر، على اعتبار أن أي كاتب لا يكتب من فراغ، بل من محيطه، من تجاربه التي مر بها منذ طفولته، مما راكمته الذاكرة من ثقافة متنوعة، وأشياء من خبرات الآخرين، وما لملمه من ثقافة الأسلاف، وما اطلع عليه في الكتب....
ـــــ أسلوب الحوار الذي عادة ما يكون في السرد
لقد شملت الشاعرة ومضاتها بتنوع خصب كي تعمق المعنى وتضفي لمسة جمالية تروق القارئ، ومن بين ذلك الحوار كأسلوب فني وتقنية سردية فنجدها تتبادل الحديث مع محبوبها، تارة تقول وأخرى يقول، يبوحان بما تختزنه المشاعر وكأننا أمام عاشقين ولهانين أودى بهما الشوق نحو الجنون ... وقد برعت في ذلك لأنها تتسلح بطرق فنية تزيد ومضاتها سحرا وجمالا، وفي نفس الوقت تطرد الملل عن القارئ..
قالَ لِي:
أرَى صُورَتَكِ في الصَّباحِ
فأكُفُّ عنْ تناوُلِ الطَّعَامِ
.......................
قلْتُ:
"باسْمِ الحُبِّ الجَميلِ النَّبيلِ"
.............................
قالَ لي:
لا طَريقَ إلى جنَّةِ الحُبِّ
إلَّا بِرضَا قلبِكِ
.............................
قالتْ لهُ:
كلَّ عَامٍ وأنتَ
مِرآةُ رُوحِي
ـــ الأسلوب والبساطة والسلاسة في صياغة النصوص
إذا قمنا بمقاربة نوعية للأسلوب، ((حيث يحتضن الأسلوبَ بوصفه ظاهرة لغوية عامة لا تقتصر على الأشكال الأدبية وإنما يشمل كل مظاهر التعبير اللغوي وحدود وسائله، وأيضا شخصية المنشئ وعصره، والقيم التي اشتملها)) على حد قول الدكتور مصطفى عطية جمعة من مقال (قضايا الأسلوب وخصائصه) ص 203/ مجلة عالم الفكر العدد 41يناير / مارس ..وما يكتنفه الأسلوب من رموز وكيفية تركيبها بشكل فني مبسط، حتى أصبحت ذات مستوى عاد، منسجمة جدا مع تجربة الشاعرة ميادة مهنا سليمان، والتي تميل إلى البساطة في اختيار الألفاظ المتداولة، لكن بأدوات معبرة وإيحاء وانزياح ضاربة عمق السهل الممتنع في عقره يتمنع تقليده، لتخلق فضاء تعبيريا عن قلق الحب والعشق والتطلع والانتظار والاحتراق.. أي بعبارة أخرى فالشاعرة لها درايتها في انتقاء رموز الومضات وصياغتها في تكوين لغوي جمالي غير معقد، لنتأمل ما يلي:
مَاذا لَو رفعْتُ عَليكَ
دَعوى الحُبِّ
وَلِي شاهِدَانِ:
رُوحِي وَقلبِي؟
والنتفة التي بين أيدينا تبدو سهلة المنال، مركبة من ألفاظ متداولة تجري على كل لسان لا غرابة فيها ولا تعقيدَ، ولكنها عميقة وجارحة وممتنعة عن التسطيح، يبدو أنه ممكن القبض على معناها السطحي بسهولة، ولكن لو توغلنا بين السطور نجد المعنى عميقا،،، لا يمكن رفع دعوى الحب فالروح والقلب ليسا إنسانا حتى يشهدا، ولكن هي الاستعارة التي دأبت عليها الشاعرة في أغلب النصوص لترتقي بها روعة وجمالا وفعلا وذاك ما كان ...،فبقراءتها الأولى تحس شيئا ما يحرك داخلك بدهشة مباغتة لم تضرب لها حسابا، رغم أن الكلمات كلها سهلة وعادية، لكن بإعادة تطريزها والربط بينها في علاقة تخلق نوعا من الدهشة، وبطريقة أخرى فشاعرتنا ميادة تضرب عمق السهل الممتنع...
5ـــ خير ما أختم به
الأديبة ميَّادة مهنَّا سليمان متعددة الاختصاص: فهي إعلامية وباحثة وناقدة وقاصة وروائية وشاعرة، ومبدعة للأطفال في جميع الأجناس، علا نجمها بتفرد لافت بين الشعراء بتعدد الجوائز والتكريمات، طرقت جميع أبواب الأدب بما فيه أدب الرحلة، فكيف لا تشعل الومضة وتعيد لها الشباب، فالومضة أو القصة القصيرة جدا أو النتفة من النثيرة الشعرية، أو التوقيعة كما أطلق عليها، تعتمد قلة المبنى في توسيع المعنى، أي بكلمات معدودة على رؤوس الأصابع في سطر أو سطرين ممكن اختزال العالم كله.. لذا نجد ومضات ((يخلق من الشبه ياسمين)) للمبدعة السورية ميادة مهنا سليمان تميس بين سطرين إلى ستة أسطر على أكثر تقدير، كلمحات برق خاطفة لكن مشحونة بمعاني عميقة ودلالات غائرة تستدعي أكثر من قراءة، تتميز بلغة عميقة مراوغة، وإيقاعات داخلية تحدث اهتزازا وربكة مدهشة في القارئ، وإيحاءات خصبة مشحونة باستعارات بلاغية بليغة، ونهايات صادمة غير متوقعة، تحوم شاعرتنا بتلاعبها اللغوي وملفوظات قليلة حول فكرة ساطعة، قافزة على الحشو والكلام الزائد للقبض على اللحظة الشعورية، بصياغة فنية يستوعبها كل قارئ من وجهة نظره الخاصة ووعيه الفني وما يملكه من أدوات ومهارات ..وهذا ما يمنح إمكانات ثرة للتعدد والتناسل أفقيا ورأسيا، كما يفسح المجال للقراءات ويمنحها إمكانية التنوع والاختلاف حسب ذائقة كل قارئ ...
المصادر
ـــ ((بنية اللغة في المشهد المغربي الجديد)) للدكتور المغربي محمد عدناني ص97 / مجلة عالم الفكر مجلد 34 يناير/ مارس
ـــ (وعي الشعر) للدكتور عبد الرحمن عبد السلام محمود ص88 / مجلة عالم الفكر المجلد 34 يوليو/ مارس
ـــ قضايا الأسلوب وخصائصه للدكتور مصطفى عطية جمعة ص 203 /مجلة عالم الفكر العدد 41يناير / مارس
ـــ ديوانه ((يا فارس ..تمهل)) للشاعر المغربي أبو فراس جابر الصنهاجي ص:27
ـــ أبيات للشاعر الجزائري مفدي زكريا
ـــ أبيات للشاعر العربي قيس بن الملوح
ـــ قولة للمسرحي والشاعر الإنجليزي وليام شكسير
ـــ ديوان الشاعرة ميادة مهنا سليمان (يخلق من الشبه ياسمين)


مشاركة منتدى
٢٦ شباط (فبراير), ١٠:٣٠, بقلم مالكة عسال
لقد الهمني الديوان بقوة إذ وجدت فيه صيدي الثمين، اللغة متينة مطرزة ببلاغة مدهشة، والأسلوب سلس تحلى بغور الدلالة وعمق المعنى في جبة السهولة والبساطة، رغم أن الموضوع واحد يدور حول الحب، فشاعرتنا بحنكتها ومراسها جعلته يتخصب ويتناسل، فكلما قرأت قصيدة تقذفك بتشويق منقطع النظير إلى أخرى ، مثل ذاك الظمآن الذي كلما شرب اشتد عطشه ...أفتخر بقوة بقلم باذخ يخترق الظلام ليزثر النور، ويغامر باقتحام المجهول ليحوله إلى معلوم ...تقديري