الأربعاء ٢٩ آب (أغسطس) ٢٠٠٧
بقلم ريمون جرجي

حول "مؤتمر العَلْمانية في المشرق العربي بدمشق"

كان المعهد الثقافي الدنماركي في دمشق، قد نظم مؤتمراً تحت عنوان "العَلْمانية في المشرق العربي"، بالتعاون مع دار أطلس ودار بترا للنشر والتوزيع بدمشق، شارك فيه كُتابَ وأدباء ورجال دين وعلم وإعلاميون حول موضوع العَلمانية في المشرق العربي، قارب عددهم على المائة مشارك.

وقد أصدرت دارا النشر المذكورتان مؤخراً، كتاباً بعنوان "العَلْمانية في المشرق العربي"، من إعداد وتحرير الكاتب الصحفي لؤي حسين الذي ضمّن في كتابه، جميع المساهمات والتعقيبات وأغلب المداخلات التي تم طرحها في المؤتمر، بأسلوب وتبويب شفاف ينقل قارئه إلى أجواء المؤتمر وكأنه كان حاضراً فيه، مع التزام المؤلف بعدم الانحياز للأفكار التي طُرحت، وبالتالي فالكتاب هو تأريخٌ وتوثيق للحوار حول العلمانية الذي يشهد العالم بأسره سرعة تغلغلها في أغلب مفاصل الحياة الاجتماعية وتنظيم العلاقات الإنسانية بين البشر في شتى أنحاء العالم، نتيجة للتقدم التكنولوجي والمعرفي، وتطور وسائل الاتصال وانتشار وسائل الإعلام، فلو استخدمنا محرك "غوغل" للبحث عن كلمة العلمانية، لتبين لنا بأن عدد الصفحات العربية التي تحتوي على كلمة العلمانية في مقالاتها هو أكثر من مليون وتسعمائة وعشرين ألف صفحة، وهذا تأكيد بسيط على شيوع تداول هذا المصطلح، وقوة تأثيره على الحوارات والكتابات والنقاشات الفكرية والأدبية وأيضاً الدينية.

عن المؤتمر:

فخلال يومي 17 و18/أيار، مايو/2007 انعقد المؤتمر بدمشق، ومن خلال 4 جلسات كل منها 3 ساعات( مع تخصيص نصفها للمداخلات والحوارات)، نوقشت فيه أفكار وأطروحات ووجهات نظر المشاركين والحاضرين، من كُتابَ وأدباء ورجال دين وعلم وإعلاميين، حول موضوع العَلمانية.

وطبعاً لن ندعي هنا بأننا ألممنا بكل ما جرى في ذلك المؤتمر، ولا ندعي تلخيص كل الأفكار والمناقشات في هذه العجالة، ولكن رغبتنا الأساسية هي تأييدُ طرح فكرة الحوار عن العلمانية في جو ثقافي وحضاري، ديمقراطي وصريح، حوار حضره علمانيون ومفكرون يمثلون تيارات مختلفة، بحضور رجال دين (مسلمين ومسيحيين)، ودون أن يمارس أحد الأطراف القمع أو إلغاء الطرف الآخر، أو يمارس طرف استفزاز الطرف الآخر في طروحاته، كما يحدث عادةً أثناء الحوارات الارتجالية التي تحدث هنا وهناك، وهذا ما يُحسب للقائمين على تنظيم المؤتمر، الذي تمنى الحاضرون أن تستكمل هذه الحوارات بندوات أخرى تالية، ولذلك أتينا بأجزاء من بعض الحوارات كشواهد، مع تأكيدنا بأنها لا تُعبر أو تستطيع وصف كل الأفكار والآراء أو الانطباعات.

الجلسة الأولى كانت حول: "العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية" للمفكر السوري جورج طرابيشي، الذي خلص إلى التساؤل الآتي: كيف السبيل إلى تسوية العلاقات المتوترة دوماً، وإنْ الكامنة في ظاهرها تحت الرماد، بين طوائف الإسلام، أعن طريق الديمقراطية وعقلنة العلاقات بين طوائف الإسلام؟ كما ذكر بأن العلمانية هي توأم الديمقراطية التي تعتمد فلسفتها وآليتها على اعتبار الشعب هو مصدر التشريع بينما الإسلام (كما هو سائد اليوم)، لا يعترف بمصدر آخر للتشريع سوى القرآن والسنة بالإضافة إلى إلهام الأئمة الإثني عشر عند الشيعة، وطرح موضوع المساواة بين حقوق الرجل والمرأة والمساواة في العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج في قانون العقوبات.

كما خلص المفكر طرابيشي إلى نتيجة أن "العلمانية ليست ثمرة برسم القطف، بل هي بذرة برسم الزرع"، وأن التربة العلمانية لابد أن تبدأ من المدرسة الإبتدائية، بموازاة ترجمتها إلى مادة دستورية أساسية، لأن العلمانية لن يُكتب لها النجاح والنجع في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي بشكل أعم ما لم تُقترن بثورة في العقليات، ففي صندوق الرأس وليس في صندوق الاقتراع يمكن شق الطريق إلى الحدائة بركيزتيها الاثنتين: الديمقراطية والعلمانية، وفي رده على أحد المتسائلين أجاب طرابيشي: بأننا لا نستطيع مواجهة تسييس الإسلام إلا بروحنة الإسلام.

تعقيب ماني كروني (باحثة دنماركية) عن "العلمانية الدينية": التي بدأت بتساؤل هل العلمانية هي الحل للعنف الطائفي الذي يُسمم الشرق الأوسط حالياً؟ أم أنها اختراع أوروبي لا مكان له في المشرق العربي مطلقاً؟

وقد بينت ماني بأن العلمانية نظام طيع إلى حد يمكن معه أن يستوعب الدين في الفضاء العام والسياسي، وافترضت بأن حل المشكلة الإسلامية-الإسلامية في علمانية صريحة لا تكون معادية للدين، بل في علمانية نسبية تحافظ على تعددية العلمانية ومرونتها، وضمن هذا الفهم التعددي المحتمل للعلمانية، ربما تكفُ عن أن تبقى نموذجا فاشستيا مفروضا من الغرب.

الجلسة الثانية كانت حول: "العلمانية بين سلطة الدولة وسلطة الدين" للباحث اللبناني عاطف عطية، الذي طرح التساؤل الآتي: هل الفصل بين الدين والسياسة يعني العلمانية؟ وطرح إمكانية العمل على بناء العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية انطلاقاً من موقع التحالف كمرحلة أولى، وصولاً إلى موقع الاستقلال لكل من السلطتين تجاه الأخرى، للانتقال من ضبابية العلاقة واختلاط المهام والغايات، إلى البدء في رسم حدود الممارسة لكل من الحقلين لتصل هذه العلاقة إلى إظهار ما هو ديني وماهو دنيوي ليمارس كل منهما سلطته دون طغيان الآخر.

تعقيب المطران يوحنا ابراهيم (مطران السريان الأرثوذكس-حلب) حول " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"

استخدمَ هذه العبارة البسيطة والمفهومة للسيد المسيح، والتي حددت اختصاصات الدين بالنسبة للدولة، وحددت العلاقة بين الكنيسة والدولة، حيث لكل منهما حق وحقوق بحيث يُعطى كل طرف ما له ويأخذ ما عليه.

وطرح المطران المسألة الآتية وهي: "أن المجتمع حيث كان يحتاج إلى إصلاح من وقت إلى آخر في مساحات الفكر، والثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وغيرها.. فإن استخدام مصطلحات مثل العلمانية وطرح مفهوم الفصل بين الدين والدولة، لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام الإصلاحات المنشودة، لأن العمل الإصلاحي لا يتناقض مع القيم الدينية.

تعقيب يرغي نلسون (مدير المعهد الدنمركي في دمشق) "العلمانية والتحديات الجديدة" ذكر فيها بأن الحدود غير واضحة بين الدين والدولة وليس من السهل التمييز بين هذين الحقلين، وهذا ما يفرض البحث والنقاش والصراع في هذا الموضوع من جديد، كما أنه يتطلب إنتاج واكتساب خبرات جديدة.

الجلسة الثالثة كانت حول "جولة في أفق العلمانية وشأن الحضارة" للباحث السوري عزيز العظمة، الذي نقتبس من قوله الآتي: "ما العلمنة إن لم تكن مدنية القانون، ومدنية السلطة، ومدنية مرجعيتها المتراكبة مع أمور تستبطنها هذه المدنية، مرجعية المصلحة والعقل في أمور المجتمع والدولة والسلوك واعتماد العلم بالتاريخ وبالجغرافيا، بدلاً من الاهتمام بجبل قاف، وبمعارك الجان والملائكة وتحول النار برداً وسلاماً، والمشي على الماء، واتخاذ المدارس والجامعات بدلاً عن حلقات المسجد والأديرة إلى آخر ذلك مما يمكن أن يُذكر."

تعقيب محمد كامل الخطيب (باحث سوري) "الوعي الشقي" - "العقلانية، العلمانية، الديمقراطية، المواطنة"

تحدث عن "أننا نرفض الأسس الفكرية والفلسفية والمعرفية والتاريخية والاجتماعية للتقنيات والمؤسسات الأجنبية، فنحن ثمار "رؤية العالم" الغربية، نرفض المكان والزمان الراهنين، ونبني في الوهم مكاناً وزماناً يرجعان أو يعودان بنا إلى الماضي "

وتحدث الخطيب أيضاً عن:

- العقلانية بكونها تفكير فلسفي، وتعني تحكيم العقل في التفكير والسلوك، بدل تحكيم النص أو الهوى.

- العلمانية بكونها تفكير اجتماعي، وتعني الانطلاق من أمور هذه الحياة وتحكيم العقل في حلها، دون النظر إلى أية مفترضات مسبقة، فالإنسان هو الذي ينشئ مؤسساته الاجتماعية.

- الديمقراطية بكونها تفكير سياسي، وتعني الاحتكام إلى البشر أو العقل البشري، في شؤون الحكم وتداول السلطة، وليس إلى " رأي أبدي واحد " سواء دينياً أم دنيوياً.

- المواطَنة بكونها عقد اجتماعي سياسي بين الأفراد لتشكيل المجتمع، وتعني تمثيل الفرد نفسه سياسياً واجتماعياً وكينونة في الدولة دون أية إطارات مرجعية مسبقة.

تعقيب محمد حبش (عضو مجلس الشعب السوري) "العلمانية في بلاد الشام الشريف"

قدم دراسة في منطق التطوير التشريعي في الفقه الإسلامي، وطرح أسئلة عن: تطور الخطاب العلماني بما ينسجم مع الخلفية المقاصدية للرواد، وعن السلفية الأصولية والسلفية العلمانية إن كانا في محل صراع، وعن العلمانية حين تكون مطلباً سياسياً وحين تكون مطلباً شعبياً، وعن الأصولية الدينية التي لا تعبأ بالخطاب الحكومي العربي. كما تحدث عن النظم والديمقراطيات المعاشة في الدول وأعطى أمثلة عديدة منها ماليزيا مثلاً واستشهد بسؤال كان قد وجهه إلى مهاتير محمد: كيف بنيتَ ماليزيا؟ فأجابه حينها مهاتير بأنهم: حين يريدون الصلاة فهم يتوجهون صوب مكة، وعندما أراد بناء ماليزيا فهو توجه نجو اليابان.

كما صحح محمد حبش الأرقام التي ذُكرت سابقاً حول أعداد المعاهد الدينية في دمشق وعن المساجد والجمعيات الدينية أيضاً، وأيد في حديثه عن فكرة فصل الدين عن الدولة.

الجلسة الرابعة والختامية كانت حول "العلمانية والدين في العالم وفي التاريخ" للمفكر السوري الشيخ جودت سعيد

الذي بدأ بتساؤل عن كيف نجعل الدين علماً، وكيف يصير الدين علماً، واستشهد بالآيات والظواهر العلمية الصحيحة التي أتى على ذكرها القرآن أو الكتب السماوية، ولخص حديثه "بأننا يجب أن نعود إلى عقلنا في تفسير الظاهر حولنا والحكم عليه وأن نبنيه على مكتشفات العلوم ومنجزاتها وليس على السحر والخرافات" وأن الإنسان يتعلم من الآلام كي لا يكرر آلامه وشهد على أن كل المبشرات بأن علم الله يتحقق على أيدي البشر.

تعقيب جان داية (باحث لبناني) حول "علمانيو بلاد الشام المسلمون في عصر النهضة"

حيث ذكر بأن عصر النهضة في بلاد الشام وُلد في العام 1846 من خلال مؤسسيها، فذكر منهم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي والمستشرق كورنيليوس فانديك، وقسم عصر النهضة على ثلاثة مراحل وهي: 1) 1846-1918 بنهاية الحكم العثماني، 2) 1919 عند احتلال الإنكليز لفلسطين والأردن وفرنسا للبنان وسوريا، 3) تبدأ من العهود الاستقلالية للبنان وسوريا في أربعينيات القرن الماضي وحتى الآن.

وطرح أمثلة عن العلمانيين فاستشهد بالمفكر الحلبي عبد الرحمن الكواكبي، وعمر فاخوري، وخالد الخطيب ابن مدينة حماه، واستشهد بقصص وأحداث استطاع أصحابها برهان علمانيتهم.

تعقيب إبراهيم الموسوي (إعلامي لبناني) حول "العلمانية في الخطاب الإسلامي"

تحدث عن طغيان الموقف السلبي من العلمانية على مجمل الخطاب الإسلامي في القرن العشرين، وربط التبشير بالعلمانية بالهزائم العسكرية والسياسية للدول الإسلامية والعربية، وبروز الإطار السلفي الرافض لإلغاء الخلافة العثمانية وفصل الدين عن الدولة ومن أبرز رموزه رشيد رضا، كما انضم إليهم طائفة المناهضين للعلمانية الشيوعية الملحدة والحضارة الغربية المادية وعلمانيتها الرأسمالية مثل: سيد قطب ومحمد البهي وأنور الجندي وغيرهم، الذين خاضوا سجالاً حاداً ضد العلمانية التي اعتبروها نتاجاً للحضارة الغربية، والتي تعتمد على البشر كمصدر للتشريع (فلا يجوز التشريع إلا بما أنزل الله)، وكذلك بحسب منظورهم فإن النموذج العلماني يخاطب البعد المادي في الإنسان ويهمل بعده الغيبي، وان الحضارة العلمانية المادية ورطت الإنسانية في الحروب والمآسي، ويعاني نموذجاها الرأسمالي والاشتراكي من أزمات عميقة ستودي إلى انهيارها، وليس هناك من أمل للإنسانية إلا بالإسلام الذي يملك الحل لكل أزمات البشر، ولديه الأجوبة لكل التساؤلات، وهو الخلاص من القلق والاضطراب، وأن الغرب هو مكان نشأة العلمانية، لأن المسيحية تفصل بين الدين والدنيا، أما الإسلام فهو دين ودنيا، ونظام شامل للحياة، ومن هذه المنطلقات التي اعتمد عليها الخطاب الديني السياسي والفكري في التعاطي مع العلمانية، فطرح الموسوي ثلاثة نماذج إسلامية لتسليط الضوء عليها وهي: الشيخ محمد مهدي شمس الدين من لبنان، والشيخ راشد الغنوشي من تونس، والشيخ حسن الترابي من السودان.

وقد تلت جميع الجلسات مناقشات من الحاضرين تلاها ردود من المحاضرين، ولا يتسع المجال لإقحامها هنا، ويعترف كتاب " العلمانية في المشرق العربي" في نهايته بأن النقاشات التي دارت في المؤتمر لم تتمكن من تقديم إجابات حاسمة لكل الأسئلة التي طُرحت، لكنها تمكنت من إثارتها جميعها، وأثارت غيرها من الأسئلة الأخرى التي تمت مناقشتها بكثير من الأريحية، بعيداً عن التشنجات والإقصاءات.

حلب 28 آب/ أغسطس 2007


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى