الأربعاء ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

«أغنيات الفردوس» فلم يشعل النور

«أغنيات الفردوس» يشعل النور في قنديل كشمير

أغنيات الفردوس إنتاج هندي جديد صدر في بحر الشهر السابق، وهو من أبرز الإنتاجات الدرامية الموسيقية التي قدمتها منصة" أمازون برايم" حيث اجتمعت مواهب سينمائية وموسيقية لإعادة صياغة سيرة حياة أول مغنية كشميرية نالت شهرة واسعة عبر أثير إذاعة كشمير، أطلق المخرج "دانش رينزو" رؤيته السينمائية لهذه القصة الفريدة، بينما تكفّل المنتجون "ريتش سيتهواني" و"فرحان أختر " وشفات قاضي و"دانش رينزو" بنقل تجربة عرض تُعنى بتفاصيل الحقبة الزمنية وبأبعاد الشخصية الرئيسية على خشبة المسرح وخلفها، وتجري أحداث الفيلم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في كشمير التي كانت تعجّ بألوان الطبيعة تحت ظل التوترات الاجتماعية والسياسية، ويتناول شخصية "زيبا أختر " التي تجسّدها الممثلة "سابا أحمد" في فترة الشباب، بينما تصدت الممثلة "سوني رذدان" لمرحلة الشيخوخة، والتي تنشأ في منزلٍ محافظ يرى أفراده في الغناء انحرافاً عن دور المرأة ودورها الاجتماعي المرسوم آنذاك، ولكن بمجرد سماع الموسيقي المعلم "الممثل القدير ششير شارما" لصوت زيبا في إحدى الأفراح المحلية، يقرر تدريبها ومنحها فرصة إبهار الجمهور عبر أثير إذاعة كشمير، فيحاول إيجاد مسار موازٍ بين التقاليد المحافظة وتطلعات الحرية الفنية للمغنية الشابة. يعتمد السيناريو على تقنية "الفلاش باك" حيث يبدأ العمل بلقطات لزيبا وهي عجوز، تُجري مقابلة مع طالب موسيقى أمريكي قادم من جامعة بيركلي يُدعى" رومي" يجسده الممثل" تاروك رينا" والذي يرغب في توثيق تجربتها وتاريخها الفني، تفيض السردية بلحظات من الحنين إلى الماضي يتخللها انتقالات بين ردهات الاستوديو في "سريناغار" وساحة الحفل الشعبية المكان الذي بدأت فيه شهرتها تدريجيا؛ هذا الأسلوب الروائي يضفي على الأحداث مزيدا من العمق الإنساني، لكنه أحيانا يعاني من بطءٍ في وتيرة الانتقال بين المحطات الدرامية، ما يُفضي لفتور لحظي في تفاعل المشاهد مع الصراع الداخلي للبطلة، بالمقابل يُظهر المخرج حسا بصريا متميزا في تناول التفاصيل المكانية من اللقطات الواسعة للجبال المغطاة بالثلوج مرورا بالأزقة الضيقة في سوق "سريناغار "إلى الداخل المعتم لأستوديو الإذاعة، كما يعتمد الفيلم بشكل ملحوظ على اللعب بالتباين بين الفضاءات المفتوحة والتي ترمز إلى الحرية، والضيق المكاني الذي يعكس القيود الاجتماعية، مع ذلك تخلو بعض المشاهد الحميمية من التركيز المطلوب إذ لُوحظ الإفراط في استخدام لقطات فوق الكتف، التي تقوم على تشتيت المتلقي أكثر مما يساهم في تكثيف المشهد.

يحمل فيلم أغنيات الفردوس قيمة تمثيلية عالية بفضل أداء "سابا أحمد" و"سوني رذدان" استطاعت من خلاله الأولى انتزاع التعاطف من خلال نبرتها الصوتية ورقتها البصرية في مشاهدها الأولى قبل أن تشحذ ثقتها على المسرح، أما رذدان فأقامت جسرا دراميا يربط بين أداء الأمس واليوم، مجسدة بلوغ الشخصية مرحلة الاستكانة بعد انتهاء الصراعات، كما يتناغم دور المعلّم الموسيقي مع شخصية "ششير شارما" الذي وظّف صراعاته الفنية ليؤدي دور المحفز والخصم في آن واحد مما أضفى على المشاهد تلك الثنائية من روح التحدي والإبداع معا.

يتناول فيلم أغاني الفردوس قضايا عدة دور المرأة في المجتمع الكشميري، والصراع بين التقاليد والتطور، وتأثير الإعلام على الهوية الثقافية، كما يحاول عبر شخصيته الأساسية الإضاءة على معاناة الفنانة التي تصارع الصورة النمطية للمرأة، وكيف يتحوّل الفن أداة للتعبير عن الغضب والأمل في ذات الوقت، إلا أن بعض الحوارات بدت خطابية وإنشائية كثيرا كما لو أنها مقتطفات من كتب التنمية البشرية، ما أفقدها المصداقية وأغفل طرح التساؤلات في ذهن المشاهد وأفقده المشاركة الحسية.

نجح الفيلم في بناء ديكورات الخمسينيات في وديان الكشمير وحدائقها، كما نرى جمالا فنيا في تتبع أدوات التسجيل القديمة كذلك حقق نجاحا واسعا في إعادة الأغاني الكشميرية إلى الساحة الفنية وتعريف الجيل الحالي بهم من خلال كلمات شعراء كشمير أمثال بير مقبول كرالاوالي (1820-1877) والشاعر سائل (1936-2018) بموسيقى المايسترو الراحل بهجان سبوري (1948-2022)، كما تمكن من سدّ ثغرة مهمّة في المشهد الدرامي الموسيقي لاسيما الكشميري مقدّما سيرة فنية غنية لشخصية تاريخية ورحلتها في مواجهة القيود المجتمعية ورغم افتقاره أحيانا إلى الخفة السردية إلا أن المناخ البصري والأداء التمثيلي القوي يمنحانه وزنا خاصا ليبقى العمل دعوة للتأمّل في القيمة الحقيقية للحرية الفنية ومدى استعداد النساء لتجاوز كل الحواجز وهو بذلك يحقق جزءا من وعده بالوصول إلى السماء عبر أنغام لا تنسى.

يُذكر أن زيبا أختر أو كما تعرف باسم راج بيجام(1927 –2016) من أبرز الأصوات الكشميرية في منتصف القرن العشرين واشتهرت بلقب قنديل كشمير أو ملكة اللحن، ولدت في مدينة سريناغار لعائلة متواضعة حيث شجَّعها والدها منذ الصغر على صقل موهبتها الغنائية، فبدأت تؤدي في احتفالات الأفراح المحلية قبل أن تنتقل إلى مسار مهني أوسع ثم انضمت إلى كادر إذاعة كشمير سريناغار في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وعُيِّنت رسميا عام 1954، لتصبح إحدى الأصوات الحيَّة المميزة في فترة لم تُستخدم فيها التسجيلات الكبرى بكثرة، تميّز أداؤها بالإحساس العالي والامتداد الصوتي العالي، حتى اعتزلت الغناء الإذاعي عام 1986 بعد مسيرة امتدت نحو ثلاثة عقود، امتدّ رصيد راج بيجام الموسيقي بين الأغاني الشعبية الكشميرية والموسيقى الكلاسيكية الخفيفة والقصائد الغزلية والدينية، فساهمت في نقل التراث الشعري المحلي إلى جمهور واسع تقديراً لإنجازاتها، نالت جائزة بادما شري من حكومة الهند عام 2002 وجائزة الأكاديمية السانغيتناتاك الوطنية عام 2013 لمساهمتها الدائمة في الموسيقى الهندية، كما أسهمت رج بيجام إلى جانب أمثال نسيبة أختر في تفكيك المحظورات الاجتماعية تجاه قيام النساء بالغناء علنا في وادي كشمير. تركت إرثا ثقافيا مكنَّ أجيالا لاحقة من الفنانات الكشميريات من الظهور على المسارح ووسائل الإعلام، وظلت أيقونة تنير الطريق لراغبات التعبير بالغناء عن هويتهن وأحلامهن، وختاما يبقى السؤال الذي يطرح نفسه لكن هل استطاع فيلم أغاني الفردوس من تحقيق موعده مع السماء، أم بقي بين الأرض والغيوم يبحث عن جاذبية افتقدتها شخصياته.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى