أُمكُثي في صدري
من الشعر الكوردي الحديث
نص: شوان توفيق
لو كنتِ مطراً، لكنتُ أرغبُ
أن أكونَ شجرةِ صنوبرٍ في أقصى أقاصي هذه الدنيا
لا تشيخي سريعاً، إن إحدودبَ ظهركِ
عصيٌّ عليَّ تعديلُ أي إعوجاجٍ في هذا العالم
فيما مضي حينَ كنتِ هنا، كان لونُ عينيكِ
في دارنا مشرقاً
وكانَتِ التحيةُ على شفاهنا أغنيةً
في البدء حينَ تعارفنا، وكان حضنينا عامراً
كنا نستهزيء بشوارع المدينةِ المقفرة
كانتْ عيناكِ سفينتي، نمخرُ عُبابَ البحر عند الأماسي
لنَنْتزعَ السناراتِ من أفواه الأسماكِ
السحبُ نائیةً، ويداكِ أشدُّ بُعداً
لكنّني لا زلتُ أسمعُ صوتَ ضحكاتكِ في المرايا
في إنتظاركِ أتوجسُ خيفةً حينَ أستفيقُ فجراً
وقد أستحلتُ إلى ساعةً
كي لا أنسى دفءُ يديكِ
يستوجب عليّ أن أوقد نبراساً
عندَ دربِ الإنتظارِ
حين أعيدُ قراءة رسائل طفولتكِ،
أدركُ؛ أنهُ ليس عبثاً حينَ كنتُ أجهشُ بالبكاء إثر والدتي
لن أتفوه بكلمةٍ
لا تتفوهي بكلمةٍ، فقط أزيحي ستائر النافذة
وأنصتي لصوتِ المطرِ
لعلّ لونُ المطرِ يُذّكّرُكِ بيدي الباردتين
كانت البارحة
الساعة الثانية عشرة من ميقات تساقطنا كالأوراق
بالتوقيت الخريفي
إندلعتْ حربٌ غير عادلةٍ
عدتُمْ جميعاً سالمين، عدا فؤادي.
ذلك الزقاقُ مُقفَرٌ، سأغمضُ عينيَّ
كي أرى ظلُّكِ جيداً
ليستْ لديَّ حكايةً طويلة، إني قفصٌ
وأنتِ فيَّ الطائرُ الذي لن يطيرَ أبداً
تكتبين لي ؛ آملُ أن تَتَشَبَّثِي بِدُمُوعِكَ..
خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَتَحَوَّلُ فِيهِ وَجْهُكَ لفيافيٍ قَاحِلَةٍ أَمَامَ الحُبِّ
كي لا أنسي لذّة قُبلانكِ
لابد أن يقودُني طريق كلّ رحلةٍ من رحلاتي إلى بساتين الكرزِ
زرعتُ في كلّ حُلمٍ من أحلامی شجرةً
دون أن تعلّقي على أغصانها أرجوحةً
ما عاتبتكِ على بعادكِ
لأنكِ سافرتِ عكسَ إتجاه الرياح العاتية
كتبتُ لكِ رسالةً على جدرانِ زقاقٍ مُظلمٍ
مضتِ الأيام والليالي، رجاءً إسمحي لي كي أمحوَ رسائلي
بكيتُ كثيراً عند نافذة الحافلة
حين بقيَ مقعدُكِ خالياً
هذا الخريفِ أيضاً
أتسكعُ في الشوارعِ حاملاً أقراصاً مهدئة
دونَ أن ألتقيكِ
كمْ بائسٌ أنا،
لستِ هنا هذا الشتاء، كي تكسري قلبي
كما تكسرينَ صقيعَ سطوحَ البحيرات الراكدة
ساغلقُ كافة الأبواب والنوافذ على نفسي،
متشبثاً بـ(وحدتي) كي لا تجرفها الرياحُ العاتية
لأنني لمْ أستطِعُ نسيانَ إسمكِ
فأصبتُ بالكآبة وأنا أتأمّلُ إحدى صوركِ
الدموعُ مستلقيةً بجواري
بسببكِ لا زالتُ في ختامِ هذه القصيدة
رجلاً دون حياء
أمكُثي في صدري حتى لو كنتِ سكينةً
عن مجلة (نووسهری كورد ـ الكاتب الكوردي)، العدد (9), شباط 2026، مطبعة جامعة صلاح الدين, أربيل.
