الاثنين ٢٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم منى نوال حلمي

القضية ليست «الكثير» ولكنها «الأكثر» ودون التوقف

كلما ازداد ما نملكه من أشياء، كلما ازدادت عبوديتنا. كل شئ اضافى نملكه، هو نقص فى حريتنا. وبالتالى تقل سعادتنا وراحتنا النفسية. نعيش فى حضارة عالمية، هى فلسفة التأسيس للنظام الرأسمالى، الذى يغذى حب الامتلاك للأشياء وللبشر وللموارد، والمزيد منه دائما. نجد امرأة أو رجلا، يسكن بيتا بسيطا، فيه كل وسائل الراحة، والحياة المرفهة. لكنه يريد أكثر من بيت، وفى أكثر من مدينة. ونجد دولاب النساء والرجال، ممتلئ بالأثواب والأحذية والجواهر، من كل شكل ولون وماركة. والتلاجات فى المطابخ فيها كل أنواع البقالة، والنوع الواحد فيه عشرات الأنواع، ونحد كل أنواع اللحوم والطيور والأسماك. والمشروبات بجميع أنواعها. الميسورون ماديا، يحلمون بالحصول على"الأكثر، وبفلوسهم تتحقق الأحلام.

أما أصحاب"العين بصيرة، والايد قصيرة"تبقى الأحلام سابحة فى أفق المستحيل، تتهكم عليهم، "تعايرهم"، تشعرهم بالعجز، وضآلة القيمة. أسوأ ما فى حضارتنا العالمية، أن"رأس المال أهم من الانسان". وهذا هو الجوهر، الذى يدمر ويفسد العواطف، والعلاقات الانسانية. كلما زادت فلوسك، زاد حب الطرف اآخر. والعكس هو الصحيح.

ما أكثر النساء والرجال الذين يحملون فى روؤسهم، المواهب والأفكار وطرق النجاة بأنفسنا، من هذا السوق الكوكبى. لكنهم"مُبعدون"، بأمر مباشر من"الماكينة"الكبرى. الماكينة الكبرى، ترسل الى موظفى الثقافة والاعلام والمدارس والجامعات، خُطة العمل تتجدد مع الزمن. يوميا، من خلال الأبواق والمنصات والقنوات، تُبث رسائل مثل:"عِد فلوسك قبل الخروج الى العشاء"...".."هويتك هى الكريدت كارد"..."فلوسك تغفر لك ذنوبك".

ان الحرية، هى قدرتنا على الحياة بأقل القليل، وتقليل احتياجاتنا الى الضرورة. ان الاكتفاء بالضرورات، يضرب فى مفاصل الفلسفة الرأسمالية. لكن، لا أحد يحب الأموال الطائلة، أو حتى "الكثير"منها. القضية، هى"المزيد". والمزيد أبدا، ودائما، بلا توقف.

لست فى حزب سياسى، يضع"الأغلبية المحرومة"قبل، أو فوق الجميع. لكننى ببساطة، أريد أن أستمتع بحياتى، وأن أكون حُرة، وسعيدة. ومن تجربتى الذاتية، أدركت أننى لا أستطيع الاستمتاع بحياتى، والشعور بالحرية والسعادة، الا اذا كان الآخرون أيضا، مستمتعون، أحرارا، وسعداء. رغبة"نبيلة"، دافعها"خبيث، أليس كذلك؟. ربما.. لا أدرى.

هى أشبه باهتمام بطل الفيلم السينمائى، بالأدوار الصغيرة التى تشاركه المشاهد. فهو يعلم أن"نجوميته"، أو"موهبته"، وحدها لا تصنع فيلما جيدا، وأنه حتى يستمر"بطلا"، عليه أن يضمن"البطولة"
للجميع.

أليس هذا مشهدا دراميا متكررا، فى سيناريو الوجود الانسانى، أن البئر التى تشرب منها الناس، لا ينقطع ماؤها. والبئر التى لا نشرب منها، تنضب، وتجف.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى