الاثنين ١٣ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم مكرم رشيد الطالباني

القطة ميشي

قصة: زكريا حميد ترجمة: مكرم رشيد الطالباني

كل ليلة قبل أن ينام، كان يتمنى أمنية ويقول: أنا لا أحب الغد يا موت. انزل من كبريائك وعنادك، انزل لبرهة من عنادك، واصنع بي معروفاً بي أنا الذي أهواك أيضاً. الجميع يخافون منك، وها أنا ذا أناديك.. ليتني قبل أن ينبلج الفجر أستيقظ من هذا الموت، لتأخذني معك وتغمرني في موت أبدي!. وفي الصباح، كان يفتح عينيه بحزن شديد ويقول: أيها الجبان، ألم تستطع أن تغمرني وتأخذني لحضنك؟!.

كان ينهض مجدداً ليتناول لقمة من التمني، وقبل أن تصل إلى حلقومه، كان يسكب عليها قطرة من الأمل.. ويمضي ككل يوم ليطرق الأبواب ويفتش في المراكز التجارية على قوارع الطرق، ولدى باعة الخضار الجوالين في الأزقة، وأصحاب البسطات على الأرصفة، والمطاعم عند مفارق الطرق، فقط من أجل أن يمنحوه عملاً. وفي المساء المتأخر، كان يعود إلى البيت بلا خطة وبأيدٍ فارغة، وعند الباب كانت قطته )ميشێ( تموء. كان يعلم أنها جائعة وتعاتبه لأنه لم يجلب لها طعاماً، لكنه كان يقول لها بدوره: يا ميشێ، يا ميشێ التي لا صاحب لها، اذهبي إلى بيت أحد الأغنياء. لماذا اخترتِني أنا؟ لماذا أوقعكِ القدر في طريقي؟.

كل يوم كان هذا هو حال (أوميد).. لذا قرر أن يدوّن يومياته، وبدأ من يوم الأربعاء:

الأربعاء: اليوم، بحثتُ وفتشتُ في ستة شوارع واثني عشر حياً. وفي تلك الشوارع الستة كان هناك عشرات الأسواق، والمطاعم، وثلاث مكاوٍ للملابس، وثلاثة وعشرون كُشكاً، ومغسلتان للسيارات، ولكن جميعهم كان لديهم موظفوهم وعمالهم، وإن كانوا بحاجة لعمال فقد كانت رغبتهم أن يكونوا إناثاً. وفي تلك الأحياء الاثني عشر رأيت أربعة وعشرين بائع خضار، ولم يكن أحد منهم مستعداً لتشغيلي لديه وحتى بأجر قليل جداً! فلتأتي يا موت كسواد الليل، واصنع بي معروفاً وحييني تحيةً مقدسةً، أفتديك!.

الخميس: مثل الأمس تماماً، تكرارالأمر نفسه...

الجمعة: تماماً كالأربعاء، خالي الوفاض، بقلب مثقل ونفس مهترئة.. أيها الموت، هل تخاف من الليل، أم أنك أضعت طريقي وعنواني؟!.

السبت: إنها عطلتي، لكنك أنت لا عطلة لديك.. يا موت، لِمَ تهرب مني؟ أين أنت؟!.

بدأت الأيام تتكرر وتتكرر. لقد تعبت.. فلا الحياة أحيتني، ولا الموت أخذني معه.

الأحد: رغم صخب وازدحام المدينة، ها أنا ذا البائس مجدداً، خالي الوفاض من أي عمل.. أيها الموت، اخجل من نفسك، فندائي لك مقدس. أليست عندك القداسة والراحة؟! فلتصنع معروفاً وسلّم على عاشقك المتيم!.
الإثنين: كالأمس

الثلاثاء: زكامٌ على حاله، ولقد أصابني الضجر والجزع.

الأربعاء .. قررتُ أن أعمل في تلميع الأحذية. فضحك مني رجل عجوز وقال: هذه المدينة وهذا الوطن مليء بالأحذية، لكن المنافقين والمتملقين قضوا علينا جوعاً!. حينها علمتُ أن لا مجال لي أن أعيش هناً.

في المساء عدتُ إلى البيت، واستقبلتني (ميشێ) بموائها كالعادة، فقلت لها بغضب وضيق:

ميشێ، أريد أن أقول لكِ حقيقة فاصغي إليّ جيداً: قبل عدة سنوات في حي (سەرهەلدان ـ الإنتفاضة) وفي الحارة المستقلة، صدمت سيارةٌ والدتَكِ، فتركت لكِ الحياة ورحلت ولم تكن قد فتحتِ عينيكِ بعدُ. أنا من قمت بتربيتكِ بالمرضع والحليب وكبرتِ شيئاً فشيئاً على يدي. وعندما كبرتِ، طلبتِ مني أن أفتح لكِ الباب لكي تخرجي إلى الزقاق وتجدي لنفسكِ شريكاً. في الحقيقة، كان ذلك يحز في نفسي، لكنني لم أستطع كبت هذه الغريزة لديكِ. وهكذا ذهبتِ، ولمدة شهر كامل كنتِ تخرجين كل ليلة وتعودين. بعد ذلك شعرتُ بأنكِ أصبحتِ حاملاً، فازداد حبي لكِ؛ لأنكِ اتبعتِ مسار الحياة لضمان عيشكِ وبقاء نسلكِ. وبعد عدة أسابيع، علمتُ يقيناً أنكِ حامل، فوفرتُ لكِ مزيداً من الطعام والشراب، وبعد تسعة أسابيع أنجبتِ أربعة صغار إلى الدنيا، لكن مات أثنان منها ورحلا، وبقي اثنان. ومن شدة حبي لكِ، أسميتُ أحدهما (قوتو) لأنه كان صغيراً جداً، لكنه كان نشيطاً وحيوياً. والآخر أسميته (پتو) لأنه كان اتكالياً وكسولاً. وحسب قدراتي، أمنتُ لكم العيش وحميتكم من برد الحياة وحرها. فما هذه العتابات التي تبدينها الآن؟ أعلم أنكم تستحقون حياة أفضل، وأكثر قداسة وكرامة، ولكن ماذا أفعل وقَدَري أن أعيش بنصف نَفَسٍ..!.

حينها أصدرت (ميشێ) خريراً، بدا وكأنه ضحكة قططية، وقالت لي عبر ذلك الصوت: يا أوميد.. لقد رحلتَ منذ إحدى عشرة سنة، وأنت ميت بالفعل! وأنا أقف الآن فوق قبرك وأتحدث مع روحك. لكنني سأقول لك شيئاً واحداً فقط: إذا كانت هناك قطط في تلك الحياة التي أنت فيها الآن، فيجب أن تكون ابن جزار، أو أن تكون أنت نفسك جزاراً، لكي تتمكن من تلبية جزء من رغباتي، وحينها فقط سأعترف بأنك رجل صالح وتستحق أن تكون صاحبي ومربيي!.

المصدر: مجلة (رامان) الكوردية، العدد (345)، الصادر في 5/7/2026.

كل ليلة قبل أن ينام، كان يتمنى أمنية ويقول: "أنا لا أحب الغد يا موت. انزل من كبريائك وعنادك، انزل لبرهة من عنادك، واصنع بي معروفاً لمرة واحدة. الجميع يخافون منك، وها أنا ذا أناديك.. ليتني قبل أن تشرق الشمس أستيقظ من هذا الموت لتأخذني معك وتغمرني في موت أبدي!". وفي الصباح، كان يفتح عينيه بحزن شديد ويقول: "أيها الجبان، ألم تستطع أن تغمرني وتأخذني لحضنك؟!".

ثم كان ينهض ثانيةً ليتناول لقمة من أمنياته، وقبل أن تصل إلى حلقومه، كان يسكب عليها قطرة من الأمل.. ويمضي ليتجول ككل يوم في مراكز التسوق (المولات) على قوارع الطرق، باعة الخضار التجوالين في الأزقة، أصحاب البسطات على الأرصفة، والمطاعم عند مفارق الطرق، فقط من أجل أن يمنحوه عملاً. وفي المساء المتأخر، كان يعود إلى البيت خالي الوفاض ومن دون أي خطة، وعند الباب كانت قطته "ميشێ" تموء. كان يعلم أنها جائعة وتعاتبه لأنه لم يجلب لها طعاماً، لكنه كان يقول لها بدوره: "يا ميشێ، يا ميشێ الصامتة (التي لا صاحب لها)، اذهبي إلى بيت أحد الأغنياء. لماذا اخترتِني أنا؟ لماذا أوقعكِ القدر في طريقي؟".

كل يوم كان هذا هو حال (أوميد).. لذا قرر أن يدوّن يومياته، وبدأ من يوم الأربعاء:

الأربعاء: "اليوم، فتشّتُ في ستة شوارع واثني عشر حياً. وفي تلك الشوارع الستة كان هناك عشرات الأسواق، والمطاعم، وثلاث مكاوٍ للملابس، وثلاثة وعشرون كشكاً، ومغسلتان للسيارات، ولكن جميعهم كان لديهم موظفوهم وعمالهم، وحين طلبوا عمالاً كانت رغبتهم أن يكونوا إناثاً (فتيات). وفي تلك الأحياء الاثني عشر رأيت أربعة وعشرين بائع خضار، ولم يكن أحد منهم مستعداً لتشغيلي لديه وحتى بأجر قليل! فلتأتي يا موت كالسواد، واصنع بي معروفاً مقدساً أرجوك!".

الخميس: مثل الأمس تماماً، وتكرار ممتد...

الجمعة: تماماً كالأربعاء، خالي الوفاض، بقلب مثقل ونفس مهترئة.. "أيها الموت، هل تخاف من الليل، أم أنك أضعت طريقي وعنواني؟!".

السبت: إنها عطلتي، لكنك أنت لا عطلة لديك.. "يا موت، لِمَ تهرب مني؟ أين أنت؟!".

الأيام بدأت تتكرر وتتكرر. لقد تعبت.. فلا الحياة أحيتني، ولا الموت أخذني معه.

الأحد: على الرغم من صخب المدينة وازدحامها، ها أنا ذا البائس مجدداً، خالي الوفاض من أي عمل.. "يا موت، اخجل من نفسك، فندائي لك مقدس. أليست القداسة والراحة عندك؟! فلتصنع معروفاً بـعاشقك المتيم!".

الإثنين: شقيق الأمس (نسخة طبق الأصل)..

الثلاثاء: هجوم يشبه نفسه، ولقد أصابني الضجر والجزع.

الأربعاء (من الأسبوع التالي): قررتُ أن أعمل في تلميع الأحذية (بويانغ). فضحك مني رجل عجوز وقال: "هذه المدينة وهذا الوطن مليء بالأحذية، لكن المنافقين ومتملقي السلطة (ماسحي الأحذية بالمفهوم المجازي) أكلونا وقضوا علينا من الجوع أيضاً!". حينها علمتُ أن لا خبز لي هناك أيضاً.

في المساء عدتُ إلى البيت، واستقبلتني "ميشێ" بموائها كالعادة، فقلت لها بغضب وضيق:
"ميشێ، أريد أن أقول لكِ حقيقة فاستمعي إليّ جيداً: قبل عدة سنوات في حي (سەرهەلدان) وفي الحارة المستقلة، صدمت سيارةٌ والدتَكِ، فتركت لكِ الحياة ورحلت وهي بعد لم تفتح عينيها. أنا من قمت بتربيتكِ بالمرضع والحليب وكبرتِ شيئاً فشيئاً على يدي. وحينما كبِرتِ وبلغتِ، طلبتِ مني أن أفتح لكِ الباب لكي تخرجي إلى الأزقة وتجدي لنفسكِ رفيقاً. في الحقيقة، كان ذلك يحز في نفسي ويقلقني، لكنني لم أستطع كبت غريزتكِ الفطرية. وهكذا رحلتِ، ولمدة شهر كامل كنتِ تخرجين كل ليلة وتعودين. بعد ذلك شعرتُ بأنكِ أصبحتِ حاملاً، فازداد حبي لكِ؛ لأنكِ اتبعتِ مسار الحياة لضمان بقاء نسلكِ. وبعد تسعة أسابيع أنجبتِ أربعة جراء صغيرة، لكن اثنين منهم ماتا وبقي اثنان. ومن شدة حبي لكِ ولهم، أسميتُ أحدهما (قوتو) لأنه كان صغيراً جداً لكنه مفعم بالحركة والنشاط، والآخر أسميته (بتو) لأنه كان كسولاً واتكالياً. ووفق قدراتي المحدودة، أمنتُ لكم العيش وحميتكم من برد الحياة وحرها. فما هذه العتابات التي تبدينها الآن؟! أعلم أنكم تستحقون حياة أفضل، وأكثر قداسة وكرامة، ولكن ماذا أفعل وقَدَري أن أعيش بنصف نَفَس (مخنوقاً).. لكنني اليوم لم أعد أملك ثمن علبة حليب أو قطعة خبز صغيرة لكي أتقاسمها معكِ. اذهبي وابحثي لنفسكِ عن مأوى آخر يملك أصحابه قلوباً رحيمة، فصاحبكِ أوميد قد مات منذ زمن طويل، والآن يبحث عن قبر لجسده المنهك".

حينها أصدرت (ميشێ) صوتاً خافتاً، بدا وكأنه ضحكة قططية، وقالت لي عبر ذلك المواء: "يا أوميد.. لقد رحلتَ عن هذا العالم منذ إحدى عشرة سنة، أنت ميت بالفعل! وأنا أقف الآن فوق قبرك وأتحدث مع روحك. لكنني سأقول لك شيئاً واحداً فقط: إذا كانت هناك قطط في تلك الحياة الأخرى التي أنت فيها الآن، فيجب أن تكون ابن لحام (جزار)، أو أن تكون أنت نفسك لحاماً، لكي تتمكن من تلبية جزء من رغباتي، وحينها فقط سأعترف بأنك رجل صالح وتستحق أن تكون صاحبي ومربيي".

الخميس (نهاية اليوميات والقصة): كتبتُ هذه الأسطر والدموع تنهمر كالمطر من عينيّ، وميشێ تنظر إليّ مواءً كأنها تفهم حزني. لم تذهب ولم تتركني، بل رست عند قدميّ ونامت. فتحتُ الباب، وقلت للموت: أهلاً بك، فبيتي الليلة جاهز لاستقبالك..."

لبرهة، واصنع بي معروفاً لمرة واحدة. الجميع يخافون منك، وها أنا ذا أناديك.. ليتني قبل أن تشرق الشمس أستيقظ من هذا الموت لتأخذني معك وتغمرني في موت أبدي!". وفي الصباح، كان يفتح عينيه بحزن شديد ويقول: "أيها الجبان، ألم تستطع أن تغمرني وتأخذني لحضنك؟!".

ثم كان ينهض ثانيةً ليتناول لقمة من أمنياته، وقبل أن تصل إلى حلقومه، كان يسكب عليها قطرة من الأمل.. ويمضي ليتجول ككل يوم في مراكز التسوق (المولات) على قوارع الطرق، باعة الخضار التجوالين في الأزقة، أصحاب البسطات على الأرصفة، والمطاعم عند مفارق الطرق، فقط من أجل أن يمنحوه عملاً. وفي المساء المتأخر، كان يعود إلى البيت خالي الوفاض ومن دون أي خطة، وعند الباب كانت قطته "ميشێ" تموء. كان يعلم أنها جائعة وتعاتبه لأنه لم يجلب لها طعاماً، لكنه كان يقول لها بدوره: "يا ميشێ، يا ميشێ الصامتة (التي لا صاحب لها)، اذهبي إلى بيت أحد الأغنياء. لماذا اخترتِني أنا؟ لماذا أوقعكِ القدر في طريقي؟".

كل يوم كان هذا هو حال (أوميد).. لذا قرر أن يدوّن يومياته، وبدأ من يوم الأربعاء:

"اليوم، فتشّتُ في ستة شوارع واثني عشر حياً. وفي تلك الشوارع الستة كان هناك عشرات الأسواق، والمطاعم، وثلاث مكاوٍ للملابس، وثلاثة وعشرون كشكاً، ومغسلتان للسيارات، ولكن جميعهم كان لديهم موظفوهم وعمالهم، وحين طلبوا عمالاً كانت رغبتهم أن يكونوا إناثاً (فتيات). وفي تلك الأحياء الاثني عشر رأيت أربعة وعشرين بائع خضار، ولم يكن أحد منهم مستعداً لتشغيلي لديه وحتى بأجر قليل! فلتأتي يا موت كالسواد، واصنع بي معروفاً مقدساً أرجوك!".
الخميس: مثل الأمس تماماً، وتكرار ممتد...

الجمعة: تماماً كالأربعاء، خالي الوفاض، بقلب مثقل ونفس مهترئة.. "أيها الموت، هل تخاف من الليل، أم أنك أضعت طريقي وعنواني؟!".

السبت: إنها عطلتي، لكنك أنت لا عطلة لديك.. "يا موت، لِمَ تهرب مني؟ أين أنت؟!".

الأيام بدأت تتكرر وتتكرر. لقد تعبت.. فلا الحياة أحيتني، ولا الموت أخذني معه.

الأحد: على الرغم من صخب المدينة وازدحامها، ها أنا ذا البائس مجدداً، خالي الوفاض من أي عمل.. "يا موت، اخجل من نفسك، فندائي لك مقدس. أليست القداسة والراحة عندك؟! فلتصنع معروفاً بـعاشقك المتيم!".

الإثنين: شقيق الأمس (نسخة طبق الأصل)..

الثلاثاء: هجوم يشبه نفسه، ولقد أصابني الضجر والجزع.

الأربعاء: قررتُ أن أعمل في تلميع الأحذية (بويانغ). فضحك مني رجل عجوز وقال: "هذه المدينة وهذا الوطن مليء بالأحذية، لكن المنافقين والمتملقين (ماسحي الأحذية بالمفهوم المجازي) أكلونا وقضوا علينا من الجوع أيضاً!". حينها علمتُ أن لا خبز لي هناك أيضاً. في المساء عدتُ إلى البيت، واستقبلتني "ميشێ" بموائها كالعادة، فقلت لها بغضب وضيق:

"ميشێ، أريد أن أقول لكِ حقيقة فاستمعي إليّ جيداً: قبل عدة سنوات في حي (سەرهەلدان) وفي الحارة المستقلة، صدمت سيارةٌ والدتَكِ، فتركت لكِ الحياة ورحلت وهي بعد لم تفتح عينيها. أنا من قمت بتربيتكِ بالمرضع والحليب وكبرتِ شيئاً فشيئاً على يدي. وحينما كبِرتِ وبلغتِ، طلبتِ مني أن أفتح لكِ الباب لكي تخرجي إلى الأزقة وتجدي لنفسكِ رفيقاً. في الحقيقة، كان ذلك يحز في نفسي ويقلقني، لكنني لم أستطع كبت غريزتكِ الفطرية. وهكذا رحلتِ، ولمدة شهر كامل كنتِ تخرجين كل ليلة وتعودين. بعد ذلك شعرتُ بأنكِ أصبحتِ حاملاً، فازداد حبي لكِ؛ لأنكِ اتبعتِ مسار الحياة لضمان بقاء نسلكِ. وبعد تسعة أسابيع أنجبتِ أربعة جراء صغيرة، لكن اثنين منهم ماتا وبقي اثنان. ومن شدة حبي لكِ ولهم، أسميتُ أحدهما (قوتو) لأنه كان صغيراً جداً لكنه مفعم بالحركة والنشاط، والآخر أسميته (بتو) لأنه كان كسولاً واتكالياً. ووفق قدراتي المحدودة، أمنتُ لكم العيش وحميتكم من برد الحياة وحرها. فما هذه العتابات التي تبدينها الآن؟! أعلم أنكم تستحقون حياة أفضل، وأكثر قداسة وكرامة، ولكن ماذا أفعل وقَدَري أن أعيش بنصف نَفَس (مخنوقاً).. لكنني اليوم لم أعد أملك ثمن علبة حليب أو قطعة خبز صغيرة لكي أتقاسمها معكِ. اذهبي وابحثي لنفسكِ عن مأوى آخر يملك أصحابه قلوباً رحيمة، فصاحبكِ أوميد قد مات منذ زمن طويل، والآن يبحث عن قبر لجسده المنهك".

حينها أصدرت (ميشێ) صوتاً خافتاً، بدا وكأنه ضحكة قططية، وقالت لي عبر ذلك المواء: "يا أوميد.. لقد رحلتَ عن هذا العالم منذ إحدى عشرة سنة، أنت ميت بالفعل! وأنا أقف الآن فوق قبرك وأتحدث مع روحك. لكنني سأقول لك شيئاً واحداً فقط: إذا كانت هناك قطط في تلك الحياة الأخرى التي أنت فيها الآن، فيجب أن تكون ابن لحام (جزار)، أو أن تكون أنت نفسك لحاماً، لكي تتمكن من تلبية جزء من رغباتي، وحينها فقط سأعترف بأنك رجل صالح وتستحق أن تكون صاحبي ومربيي".

الخميس: كتبتُ هذه الأسطر والدموع تنهمر كالمطر من عينيّ، وميشێ تنظر إليّ مواءً كأنها تفهم حزني. لم تذهب ولم تتركني، بل رست عند قدميّ ونامت. فتحتُ الباب، وقلت للموت: أهلاً بك، فبيتي الليلة جاهز لاستقبالك..."


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى