السبت ٢٣ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

الوقت لا يتسع قط

(1)

في دهاليز مدينة تحكمها السرعة، كان يوسف يجرّ خُطاه اللاهثة خلف الضوء المتلاشي في الأفق، حاملاً في حقيبته المهترئة مسودات رواية قيد الإنشاء، وأحلاماً مؤجلة تآكلت أطرافها.

كان يشعر أن النهار يهرب من بين أصابعه مثل رمل شاطئ عنيد؛ فكلما حاول إنجاز مهمة، التهمت تفاصيل العمل الروتيني في مكتبه ساعاتٍ من عمره.

في المقهى العتيق عند زاوية الحي، كانت سارة تجلس قبالته، تقلب فنجان قهوتها الذي بَرَد تماماً، وتنظر إليه بعتب صامت يختزل سنوات من الوعود المنسية بلقاء حقيقي لا تعكره المكالمات الطارئة.

على الطاولة المجاورة، كان العجوز مصطفى، صاحب المقهى، يرقب ضياعهما بأسف وهو يمسح الطاولات ببطء، وكأنه يرى في يوسف نسخة شابّة من نفسه عندما ترك قطار العمر يفوته.

"غداً سأبدأ الحياة، وغداً سأمنحكِ الوقت الذي تستحقينه"، همس يوسف وهو يغلق حاسوبه المحمول، بينما كان الغسق يبتلع آخر خيوط الشفق الأحمر بنهم لا يرحم. التفتت سارة نحو النافذة وجمعت حقيبتها قائلة بنبرة مخنوقة: "الغدُ يا يوسف يأتي دائماً مرتدياً ثوب الأمس، والوقت قطار لا ينتظر المتأخرين". رحلتْ وتركتْه مواجهاً لظلال المكان، فلمح في مرآة المقهى خطاً فضياً من الشيب بدأ يزحف على مفرقه، معلناً بداية خريف العمر.

(2)

غادرت سارة، وترك رحيلها خلفها فجوة عميقة في فضاء المقهى، فبدا الفراغ الذي خلّفته أثقل من جدران المكان العتيق. جلس يوسف وحيداً، يحدق في بقعة القهوة الجافة على حافة فنجانها، ويشعر بثقل غريب يجثم على صدره، كأن الهواء نفسه أصبح شحيحاً وضيقاً.

في تلك اللحظة، اقترب العجوز مصطفى بخطواته الوئيدة، حاملاً في يده خِرقة قماشية بالية، ومسح الطاولة بهدوء يثير الأعصاب، ثم التفت إلى يوسف بنظرة تفيض بالأسى والحكمة وقال بصوت مبحوح: "يا بني، في هذه الحياة، نحن لا نفقد الأشخاص لأننا لا نحبهم، بل لأننا نؤجل منحهم الحضور، والغياب لا يستأذن أحداً عندما يقرر الاستيطان".

رنت كلمات العجوز في أذن يوسف كقذيفةٍ أيقظت فيه رعباً مدفوناً؛ رعب أن تمرّ السنوات ويجد نفسه وحيداً يمسح طاولات الخيبات في مقهى مهجور.

(3)

لم يحتمل يوسف جدران المكان، فدفع حسابه على عجالة وخرج إلى الشارع، حيث كانت المدينة تموج بحركة بشرية صاخبة؛ وجوه غريبة تهرع في كل الاتجاهات، كأنهم جميعاً يطاردون قطاراً سرياً لا يراه غيرهم. تداخلت الأصوات في مسامعه: أبواق السيارات غير المنتهية، نداءات الباعة المتجولين، وخطوات العابرين المتلاحقة على الأرصفة الباردة. كل شيء حوله كان يصرخ بالركض والسرعة، لكن لا أحد يصل في النهاية.

تذكر فجأة والده، ذلك الرجل الذي قضى أربعين عاماً في المناوبات الليلية بالمصنع، وكان يقول دائماً: "عندما أتقاعد سأصنع تلك السفينة الخشبية التي حلمت بها"، لكنه مات في الليلة الأولى من تقاعده دون أن يلمس لوح خشب واحد! هذه الفكرة جمدت الدماء في عروق يوسف، وجعلته يدرك بوضوح مرعب أن العمر ليس سوى خديعة كبرى نعيشها بالتقسيط الممل.
قرر أن يكسر هذه الدائرة اللعينة، فأخرج هاتفه ليتصل بسارة؛ يريد أن يخبرها أنه مستعد الآن لترك كل شيء، ومستعد للبدء فوراً في ترتيب فوضى حياته، لكن الخط كان يعطي نغمة الرنين المستمر دون إجابة، ثم تحول إلى البريد الصوتي.

في تلك الأثناء، اهتز الهاتف في يده معلناً وصول رسالة بريد إلكتروني عاجلة من مديره في العمل، سليم، يطالبه بمراجعة ميزانية الربع السنوي قبل الفجر، مذيلاً الرسالة بعبارة: "مستقبلك المهني يعتمد على هذه الليلة". وجد يوسف نفسه واقفاً في منتصف الطريق، ممزقاً بين صوت سارة المبتعد في ذاكرته، وصوت سليم الذي يمثّل قيد ما يعتاش عليه، ليكتشف أن الخيارات في هذه الحياة ليست سوى فخاخ منمقة تلتهم جوهر الوجود.

(4)

عاد إلى شقته الصغيرة، ورمى حقيبته على الأرض، ثم جلس أمام حاسوبه الذي يلمع بضوء أزرق شاحب يشبه ضياء المستشفيات. بدأ ينقر على لوحة المفاتيح بآلية خالية من الروح، وعيناه تلاحقان الأرقام والبيانات، بينما عقله يشرد نحو مسودات روايته الملقاة في زاوية الغرفة تحت أوراق كثيفة من الغبار.

تذكر شخوص روايته الذين تركهم معلقين في منتصف الأحداث منذ عامين، فشعر بالخجل منهم؛ فهم أيضاً ضحايا تأجيله المستمر وضيق وقته المزعوم. انقضت الساعات كأنها دقائق معدودة، وعندما لاح الفجر من وراء الستائر، أرسل الملف إلى مديره، فداهمه إحباط شديد بدلاً من شعور الإنجاز؛ فقد منح ليلته لشخص آخر، وسرقها من نفسه ومن سارة ومن أحلامه.

توجه نحو المغاسل ليغسل وجهه بالماء البارد علّه يستفيق من كابوسه اليقظ، وعندما رفع رأسه ونظر إلى المرآة، تملكه ذهول صاعق؛ لم يكن الخط الفضي الذي رآه في المقهى مجرد وهم من إضاءة المكان، بل لقد زحف الشيب بوضوح على جانب الصدغين، وبدت ملامحه أكثر تعباً، وكأن ليلة واحدة من القلق قد أضافت إلى عمره سنوات كاملة.

(5)

في تلك اللحظة بالذات، رن هاتفه، وكان المتصل العجوز مصطفى. انقبض قلب يوسف، وأجاب بصوت متهدج، ليأتيه صوت العجوز حزيناً: "يوسف، لقد تركت سارة هذه الرسالة لك في المقهى بالأمس، وطلبت مني ألا أسلمها لك إلا في الصباح.. إنها مسافرة الآن إلى الخارج، ولن تعود".
سقط الهاتف من يد يوسف على الأرض، وشعر أن أركان الغرفة تدور به ببطء كئيب. فتح الرسالة بأصابع مرتجفة عبر البريد الذي أرسله مصطفى كصورة، ليجد جملة واحدة كُتبت بخط يدها الرقيق: "لقد انتظرتك خلف أبواب الوقت كثيراً، لكنني أدركت متأخرة أن قصتك لا تتسع لي، وأن الوقت لديك لا يتسع قط لأي شيء جميل".

جلس يوسف على الأرض، والظلام يتلاشى تدريجياً ليفسح المجال لنهار جديد لن يغير من الأمر شيئاً، يحيط به غبار أمنياته المعلقة في الفراغ كجثث صغيرة تائهة، لتثبت له الأيام بالدليل القاطع أن التأجيل هو المقبرة الأنيقة التي ندفن فيها ما نحب بأيدينا.


مشاركة منتدى

  • الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية
    أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "الوقت لا يتسع قط" بقلم/ صالح مهدي محمد – كاتب من العراق، والمنشورة بموقع ديوان العرب، السبت ٢٣ أيار (مايو) ٢٠٢٦.
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    المذهب:
    الوقت ما بيتسعش أبدًا
    قالوا بكرة... وبكرة ما جاش
    نِجري ورا الوهم سنين
    والعمر في الزحمة ما عاش
    الوقت ما بيتسعش أبدًا
    والقلب متشعلق بخيط
    نِبني في قصور من أماني
    وننام على حصيرة تفويت

    الكوبليه الأول:
    يوسف كان ماشي في الشارع
    شايل حكايات في الكراسة
    شايل رواية لسه بتكبر
    وشايل همومه والحراسة
    كل ما يقول النهار فاضل
    شوية وقت للأحباب
    يلقى الشغل فاتح بُقه
    ويبلع عمره بلا حساب
    وسارة قاعدة في القهوة
    قدّام فنجان بردان حزين
    مستنية كلمة من قلبه
    أو حضن يطمنها سنين
    قال لها: "بكرة يا سارة"
    ضحكت ضحكة كلها وجع
    قالت: "بكرة لابس هدوم امبارح
    وعمرك بيجري وما رجع"

    المذهب
    الوقت ما بيتسعش أبدًا
    قالوا بكرة... وبكرة ما جاش
    نِجري ورا الوهم سنين
    والعمر في الزحمة ما عاش

    الكوبليه الثاني:
    والشيخ مصطفى بصّ عليه
    من فوق تجاعيد الأيام
    قال له: "اللي بيأجل فرحته
    بيصحى على بحر ندام
    مش بنفقد ناس بنحبها
    عشان المحبة انتهت
    إحنا بنضيعهم من إيدينا
    لما اللحظة نفسها تفوت"
    دق الكلام جوّه ضلوعه
    زي الريح في باب قديم
    شاف نفسه بعد العمر كله
    واقف وحيد ومستسليم

    الكوبليه الثالث:
    افتكر أبوه في المصنع
    أربعين سنة شيل وتعب
    كان كل يوم يقول: "لما أرتاح
    هحقق حلمي اللي غلب"
    كان نفسه يعمل مركب خشب
    ويشوفها راكبة في الموج
    لكن الموت سبق الميعاد
    وقفّل الحلم وما خرج
    قال يوسف: "مش هأجل تاني"
    مدّ إيده يدور عليها
    لكن الريح كانت أسرع منه
    والسكة راحت بيها

    المذهب
    الوقت ما بيتسعش أبدًا
    قالوا بكرة... وبكرة ما جاش
    نِجري ورا الوهم سنين
    والعمر في الزحمة ما عاش

    الكوبليه الأخير:
    رجع لبيته آخر ليلة
    قدّام شاشة لونها بارد
    يسلّم عمره للأرقام
    ويبيع أحلامه للورق
    ولما الفجر فتح شباكه
    شاف الشيب نازل في الراس
    كأن السنين اللي فاتت
    عدّت عليه في كام ساعه وخلاص
    رن التليفون فجأة وقالوا:
    "سارة سافرت... والباب اتقفل"
    وسابت له سطرين في رسالة
    كانوا أمرّ من طعم الفشل
    "استنيتك ورا الوقت كتير
    لكن الوقت عندك ضاق
    قصتك كانت أكبر مني
    والحلم في قلبك ما فاق"

    الخاتمة:
    يا ناس...
    التأجيل مقبرة متدهنة
    شكلها شيك من برّه وبس
    ندفن فيها أحلى الليالي
    ونقول لسه العمر متسع...
    لكن العمر
    زي القطر لو فات محطة
    ما بيرجعش...

    المذهب الختامي:
    الوقت ما بيتسعش أبدًا
    قالوا بكرة... وبكرة ما جاش
    نِجري ورا الوهم سنين
    والعمر في الزحمة ما عاش.

  • التسويف كموت بطيء: تحليل لقصة "الوقت لا يتسع قط"
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    تُعدّ قصة "الوقت لا يتسع قط"، للكاتب العراقي صالح مهدي محمد، والمنشورة بموقع "ديوان العرب" يوم السبت 23 مايو 2026، عملًا أدبيًا وجوديًا يفيض بالخوف من فقدان معنى الحياة، حيث تُصوّر حياة الإنسان المعاصر كآلة ضخمة تلتهم البشرية من الداخل، وتُجبره على انتظار أحلامه وأحبائه حتى لا يبقى شيء ينتظره. يُقدّم الكاتب بطلًا يسعى وراء الوقت الذي يفلت منه منذ السطور الأولى، مُحوّلًا بذلك التسويف إلى فلسفة موت بطيء.

    يعتمد السرد بشكل كبير على نظام رمزي ثري. "يوسف" لا يُمثّل شخصية مُحدّدة، بل يرمز إلى الإنسان المعاصر الذي يُكافح في دوامة العمل والاستهلاك والسعي الدؤوب. كان يوسف يكتب مسودات رواية، ويؤجل أحلامه، "مسودات رواية قيد الإنشاء، وأحلامًا مؤجلة"، مقولة تلخص تمامًا مأساة جيل كامل يعيش على أمل الغد، دون أن يعلم إن كان هذا الغد سيأتي كما يتصوره. في هذه الحالة، ينجح الكاتب في تحويل عناصر الحياة اليومية إلى رموز عميقة. حقيبة سفر مهترئة، مقهى قديم، وضوء شاشة كمبيوتر بارد، كلها تجتمع لتشكل جوًا خانقًا.

    من العناصر الرئيسية في النص الصراع الدائم بين الزمن البشري والزمن العملي. فمن جهة، تُصوَّر المدينة ككائن حي يتصرف وفقًا لمبدأ "السرعة"، ومن جهة أخرى، تبدو الشخصيات وكأنها تطارد قطارًا خياليًا يستحيل اللحاق به. هذا العنصر يضفي على القصة بُعدًا فلسفيًا، لأن الزمن لم يعد مجرد عنصر يُحدد تسلسل الأحداث، بل على العكس، يتخذ شكل عدو مراوغ يلتهم كل الحب والأحلام والدفء من الناس. وفي هذا الصدد، فإن أحد أهم العبارات وأكثرها إثارة للدهشة هي تلك التي قالتها سارة، وهي: "الغد يا يوسف يأتي دائمًا مرتديًا ثوب الأمس".

    ثمة نقطة أخرى جديرة بالاهتمام تتعلق بفعالية الكاتب في استخدام الشخصيات الثانوية لعكس مستقبل يوسف رمزياً. فعلى سبيل المثال، لا يقتصر دور الرجل العجوز المسمى "مصطفى" على كونه مجرد صاحب مقهى، بل يرمز أيضاً إلى الحكمة المتأخرة، والتي يمكن اعتبارها تجسيداً لما سيؤول إليه مصير البطل إن استمر في تأجيل حياته. إضافةً إلى ذلك، يمثل الأب شخصية تجسد أسوأ مأساة يمكن أن يمر بها الإنسان، ألا وهي حلمٌ يُؤجل بالموت.

    يتميز أسلوب القصة بنبرة شعرية، إلا أن الكاتب يتجنب استخدام الصور البلاغية غير الضرورية. فمن خلال استخدام اللغة المجازية، يستطيع الكاتب أن يعكس الحالة النفسية لأبطال القصة، كما في قوله: "لن يغير الفجر من الأمر شيئاً" أو "الأمنيات جثث صغيرة ضائعة". تساهم الصور المجازية في خلق جو من الكآبة والتأمل الذي تُضفيه القصة. بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن إيقاع القصة المتصاعد يبدأ من الإرهاق البسيط الناجم عن ضغوط الحياة، ويتطور تدريجيًا نحو حالة الصدمة النفسية، وصولًا إلى ذروته في الخاتمة حيث يدرك البطل عواقب مماطلته.

    وبغض النظر عن روعة النص، من المهم الإشارة إلى أن الكاتب يميل أحيانًا إلى المبالغة في قوة الأسلوب والتأمل الفلسفي، مما جعل بعض الجمل أقرب إلى التصريح منها إلى أن تكون جزءًا لا يتجزأ من حبكة القصة. ومع ذلك، فإن هذه الصراحة لا تؤثر على تماسك النص، لأن الحبكة تتدفق نفسيًا ورمزيًا بسلاسة حتى النهاية. تكمن القوة الحقيقية للقصة القصيرة "الوقت لا يتسع قط" في قدرتها على مخاطبة الجمهور المعاصر، إذ تتناول أزمة يمر بها الجميع تقريبًا، ألا وهي الشعور بالاندفاع الدائم والرغبة في تأجيل الحياة إلى أجل غير مسمى. بمعنى آخر، تُصبح القصة احتجاجًا أدبيًا على الطبيعة المُستنزفة روحيًا للواقع المعاصر، ودرسًا قاسيًا حول كيفية فقدان الناس لأحلامهم بتأجيلها تدريجيًا يومًا بعد يوم.

    وفي الختام، يُمكن القول إن الكاتب قد نجح في إنتاج قصة قصيرة ثرية بالعديد من الجوانب الإنسانية والفلسفية من خلال لغة شعرية وصور رمزية، ليُقدم بذلك قصة تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تحمل في طياتها سؤالًا وجوديًا عميقًا: متى تبدأ الحياة حقًا، لتُدرك بعد فوات الأوان أن الوقت لا يكفي أبدًا؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى