الخميس ٢٢ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦
قصة قصيرة
بقلم إبراهيم سبتي

برج النعام

بلدته التي بدت بيوتها كحبات متناثرة تخترقها سكة الحديد من وسطها، في مخيلته تعاقبت صور شتى تدفعه ليلملم شتاته قبل الوصول اليها.. كانت رغباته تهتاج في كل خطوة على الأرض التي تتماوج أمامه وسط السراب المتراقص الواصل حد الأفق.. خطواته يجرها بعناء، وجهه يتفصد بحبات العرق وعيناه مدفونتان في تجاويف غائرة، يقف صامتاً يدير عينيه برعب حقيقي تلاحقه لعنات كل بيوت البلدة المستظلة تحت افياء نخيلها السامق منذ أن غادرها قبل سنين طويلة..

نظراته تندفع نحو المكان وكأنه يراه أول مرة.. هتف به صوت انطلق من رأسه.. انتظر لحظة! ماذا تنوي فعله بعد كل تلك السنين؟ إنك لا تعلم ما الذي سيحدث لهؤلاء الناس عندما يرونك؟ تصرف بحكمة الكبار وارجع!
حكايته ، الحديث الذي لا ينقطع منذ كل تلك السنين، ظل اسمه يتكرر في البيوت والمجالس، لم ينسه أحد أبداً..
جلس فوق تلة صغيرة فقفزت صور أهله وناسه تمر أمامه مسرعة وعاد الصوت ثانية..
ماذا تنوي فعله في البلدة؟
ـ سأقول الحقيقة: سأخبرهم بكل شيء! سأقول لهم رحلت مع الغرباء.. أو أقول لهم خدعوني ولم أرحل معهم قط..
إنهم يتذكرون هؤلاء الرجال أصحاب اللحى الشقراء والنظارات البرونزية الذين جاؤوا قبل سنين طويلة ليحفروا هنا.. يومها لم يعرف الناس ما الذي يحدث لبلدتهم.. وحدي أنا اقتربت منهم.. هابوني أول الأمر لكني طمأنتهم، ثم غمرني شعور غريب وبدت أبواب العالم تنفتح لي بمجيئهم قالوا لي:
- نحن قوم لا ننسى ما يقدمه لنا أصدقاؤنا من خدمات! ثم همس أحدهم في أذني وسألني:
- أتعمل معنا؟ سندفع لك أجراً جيداً! /قلت في نفسي هذه فرصتي/ فأجبته بسرور غريب..
- لا أريد أجراً.. سأعمل لقاء أخذي معكم!
- قلت إنهم سوف يغيرون حياتي هناك.. سألقى الجنة الموعودة.. لقد وعدوني بأحلام وردية.. لكنهم لم يأخذوني خدعوني وهربوا بعد أن حصلوا على كل شيء.. كل شيء.. هربوا وتركوني أجوب الميناء انظر إلى البحر بحسرة.. بعدها همت في المدن، أبكي ساعات طويلة، وفي الليل افترش أقرب رصيف لأنام وأصحو صباحاً انتظر عودتهم، لعلهم يفون بما وعدوني به.. قالوا لي إنك تبدو شاباً يحسن التعامل مع الغرباء.. سترافقنا إلى بلادنا كصديق عزيز لقاء مساعدتنا.. إن بلدتكم تنام فوق كنوز كبيرة لا تعرفون قيمتها لا أنت ولا غيرك! كنوز لا تقدر بثمن.. قلت لهم: ذهب مثلاً! قالوا: أغلى.. أغلى بكثير..
- وما الذي تطلبون مني؟!
- أجابوني بلطف.. تقنع أهالي البلدة بالرحيل عن مساكنهم.. كلهم.. أعطهم ما يطلبونه.. لا تبخل بشيء فنحن الذين سندفع! وبعدها ستسافر معنا وسنجد لك عملاَ يليق بفتى ذكي مثلك..
ابتدأت بأهلي.. رحت أقنع والدي وأخوتي.. أغريتهم برغم انحسار فسحة الأمل.. ظل والدي يبكي بحرقة وهو يسمعني كلماته التي لم أفهمها ولم أكن مستعداً لسماعها أصلاً.. وبعد أسبوع شد على يدي وكلمني ثانية بحزن..
ـ أتريدنا أن نرحل لنمنحك تذكرة الحياة!
ثم أغمض عينيه وراح في نوم عميق لا رجعة منه.. عدت إلى الغرباء وطلبت مزيداً من الوقت.. لكنهم قالوا لي سنغير الخطة.. سوف نحفر في مكان أخر بعيداً عن العيون والبيوت، وسوف نصل إلى البلدة في نهاية الأمر.. وهناك في الطرف الشمالي قرب السكة ستمسك بالمعول وتحفر.. قبلت على الفور.. بعد أيام انتهى كل شيء.. كانت الحفرة واسعة وعميقة، نزلنا جميعاً فيها.. كنا أربعة.. أخرجنا أحجاراً وألواحاً طينية وتماثيل مختلفة من الحجر الأسود والأبيض.. حملوها وذهبوا مسرعين وبقيت أحرس الحفرة الكبيرة كما أمروني.. مرت الأيام تتلاحق ولم أر أي واحد منهم.. أصابني الفزع من أفكار مرت برأسي وقررت الانطلاق أبحث عنهم في الميناء لأنهم قالوا لي مرة أن بلادهم تقع خلف البحر ولكني عدت أجر خيبتي..
نهض من مكانه وزعق منادياً.. اسمعوني، انطلق بعدها نحو ساحة البلدة وصرخ بأعلى صوته..
- اسمعوني.. أحكي لكم ألمي.. لقد خذلتكم وأعلم أنكم لا تريدون سماعي.. تجمعت النسوة وتزاحم الرجال للوصول إلى الساحة التي ملأها دوي القطار القادم .. مدوا رقابهم كالنعام .. تسارعوا لرؤية الرجل بهيئته الغريبة، شعر منفوش ووجه مغبر يختفي بين طيات لحية شعثاء وثياب رثة ممزقة..

- اتذكرونني.. أنا صاحب تلك الحفرة.. لقد حفرتها بيدي هاتين.. جئت أقول لكم إني رجعت بعد أن مت ألف مرة منذ فارقتكم.. لقد خدعوني ورحلوا.. انزلوا حكمكم علي فأنا استحق كل عقاب.. البيوت تهتز كلما تقدم القطار بعرباته الهرمة نحو الساحة.. الدوي المفزع يتصاعد برهبة بينما راحت صرخاته المذعورة تختفي في لجة الصخب.. تقدموا نحو الرجل الهائج الواقف في الجانب الآخر من السكة.. السكة صارت تفصل بينهما.. مر القطار مخترقاً وسط البلدة فصار حاجزاً طويلاً بين الناس الواقفين بتأهب والرجل المفزوع وسرعان ما تلاشى ذلك الحاجز واختفت آخر عربة فظهرت الساحة خالية خلف السكة.. كانت الأعين قد سقطت على خلاء مقفر خال.. تبادل الناس نظرات الذهول وتقدموا مسرعين فتعالت الصرخات تملأ الفضاء المشحون بالرهبة.. وقف الجميع مطرقي الرؤوس حول بقايا جسم بشري متناثر فوق الحصى المحصور بين القضبان.. حملوه ورموا به في الحفرة الشاخصة منذ سنين طويلة وراحوا يهيلون التراب عليها لتختفي إلى الأبد..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى