السبت ٩ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم عائشة التركي

بين السرد و الميتاسرد: لعبة هدم وتشكّل

دراسة نقدية لأقصوصة "أنا رواية نفسي"لعبد الرؤوف الروافي

هي أقصوصة للدكتور الأستاذ عبد الرؤوف الروافي نشرت بمجلة الحياة الثقافية العدد 311 لسنة 2020 وقد تحصلت على الجائزة الأولى في الملتقى الوطني للقصة القصيرة بولاية قبلي لسنة2026 في دورته السادسة. هي أقصوصة لو أردنا أن نلخصها ونذكر أحداثها لتعذّر علينا لأنها لا تروي حدثا خارجا عنها كما تعود القراء بل تنكفئ على ذاتها وتجعل من كتابتها لنفسها حدثها الأساسي كما جاء في عنوانها "أنا رواية نفسي". وقد أراد لها كاتبها أن تفاجئ القارئ حتى ذلك الذي يتمّلك دراية بأنماط السرود المختلفة ويدرك أساليب كتابة الأقصوصة.

ولأن الكتابة خيار واع فقد اختار الكاتب أن يغادر الكتابة المألوفة التي تجعل منه أو من السارد إلها يتحكم في النص ويبنيه كما يشاء ويحرك أبطاله الذين لا إرادة لهم إلا ما يريد هو لهم. فإنه تنازل عن ألوهيته المطلقة هذه وتقاسمها مع القارئ الذي فوّض له من الصلوحيات ما يجعله شريكا في الكتابة. وهذا الأسلوب في القصّ هو ما يطلق عليه الميتاسرد أو الميتاقص وهو سمة كتابة ما بعد الحداثة فما هي تجلياته في الأقصوصة؟

1 بنية الأحداث بين التشّكل والهدم

بُنيت الأحداث -لو أردنا لها تبسيطا – في شكل حكاية إطار سنسميها الزوج والزوجة. والزوج هو من ينهض بسرد الحكاية المضمنة ويناقش خيارات القص ويرسم حيرة الكاتب... وهذا هو الميتاقص وأما الحكاية المضمنة فسنسميها مشروع الاغتصاب وهي حكاية مصطفى الذي اختطف امال ابنة رئيسه السابق في العمل والذي تسبب له في قضاء ثلاث سنوات في السجن ... غير أن هذه البنية لا تظهر للقارئ في الأقصوصة بهذا اليسر لأن الكاتب جعلها متناوبة أو متقاطعة بدأ بالمتاسرد(محاولة الاغتصاب...) فالسرد (عشاء الزوج مع عائلته)... وتمضي الأحداث ملتوية في ثنايا الأقصوصة متأرجحة بين السرد والميتاسرد بين وقائع حكاية كالحكايات التي تعوّد عليها القارئ موهمة بالواقعية وحكاية الحكاية في أطوار تأليفها... غير أن القاص يُمعن في الإغراب فيحدث تقاطعا بين الحكايتين من ذلك قرار أمال هروب عندما سمعت قول الزوج مقترحا قتلها وهي شخصيته القصصية.

إن هذه الهندسة القصصية المركبة تعبير واضح على انخراط الكاتب في حداثة فنية بانزياح عن مألوف البُنى ومعهود طرائق القص "وما الحداثة إن لم تكن

تحديدا لسلطة الماضي وتغييبا لمرجعية السنّة وترى أن حرية المبدع لا تُحد ّوأنها النقيض الموضوعي للسنة والتقاليد والأفكار المسبقة" 1. إن هذا الشكل من القص يخرج القارئ من "منطقة الراحة" السردية التي ربّته عليها السرود السابقة ويدخل منطقة شائكة تتطلب منه انتباها وتركيزا لأنه لم يعد ذلك المستهلك لقصّ ألفته ذائقته الأدبية. فإن كان الكاتب قد انخرط في حداثة أدبية فعلى القارئ أن يساوقه فيها.

2 رحلة الشدّ والجذب بين الرّواي والمروي له

من أبرز سمات الميتاقص عموما تعدد الرواة وأن يسقِط الرّاوي قناعه الذي طالما تقنّع به في السرد التقليدي ليظهَر طرفا في القص ناطقا معبّرا عن أفكاره .فبعد أن كان إلها عليما متصرفا في القص يقدمه جاهزا للمتلقي فإنه هنا يفاجئ القارئ بالظهور كشخصية تروي الأحداث وتنسقها وتعلق عليها ... وككل شخصية له مشاكل يتقاسمها مع القارئ ولكنها مشاكل إبداعية بالأساس تتعلق بالكتابة وهمومها ويتولى سارد آخر الحديث عن هذا السارد الذي يبحث في سرده عن حلول لحكيه الذي يورط فيه القارئ الذي يصبح واعيا تماما بالقصة فينقطع عن التهامي الذي ألفه في السرد التقليدي المتعارف وقد يلتبس عليه الأمر فلا يفرّق بين الشخصية القصة المضمنّة وشخصية القصة الإطار لولا بعض المؤشرات اللغوية "لي قصة باشرت قراءتها منذ لحظات لكنك قطعت علي مغامرتي" (الأقصوصة) ومن هنا يبدأ القارئ في إدراك أن القراءة صارت مغامرة وهو طرف فيها مادام أراد لنفسه الإبحار في عالم قراءة نصوص حداثية.

ويظل القارئ في هذه الأقصوصة الحاضر الغائب يتوجه إليه السارد بشكل ضمني وبجمل إنشائية "ما أتعس اليومي يقتلنا مرات ومرات "(الأقصوصة) كاشفا له عن أحاسيسه وعجزه عن تخطي ما يعرقل انخراطه في العملية الإبداعية والإخلاص لها "أفلا سبيل إلى التحرر"(الأقصوصة) وهذا أحد هموم الكُتاب الذين تُكبلهم الحياة بإكراهاتها ومن هذه الإكراهات الالتزامات العائلية... فالسارد أوقف الاشتغال على قصته بسبب نداء زوجته للعشاء نداء "ثقيلا كسواد الليل" (الأقصوصة) وهو وإن كان ممتعضا منها إلا أنه يجاريها فيرد بقوله "شكرا أنا قادم" (الأقصوصة) .فالسارد في المياسرد مهموم بذاته وبمعاناته الذاتية وقد اعتبر بعض النقاد أن هذا الضرب من التركيز على الذات الكاتبة هو نرجسية تعبّر عن أنا متضخمة تلفت الانتباه إليها داخل العمل الأدبي على حساب القارئ الذي يُربكه قطع القص ويفسد عليه متعته غير أنّ هذه "الظاهرة الفنيّة تُميّز السرد الروائي الحديث بل إنها علامة أساسية من علامات حداثة النص ..."2

ومن تجليات الميتاسرد في هذه الأقصوصة أن السارد يجعل من الحكي هاجسا لا ينفصل عنه حتى وهو يمارس حياته اليومية ويصاحبه حتى وهو يُؤاكل عائلته فيجيب زوجته عن سير عمله القصصي "بصوت لا يكاد يسمع. ما أصعب النهايات"(الأقصوصة) ويطلب منها أن تساعده في اقتراح مخرج لروايته ونهاية لها لأنه " ممزق بين خيارين ..."(الأقصوصة) وهو حين يُقرّ بحيرته وتمزقه في حسم خيارات القصّ وإمكاناته وعسر العثور على مخرج لحبكته القصصية هو يصور معاناة الكّتاب أثناء الكتابة ويكشف عوالم الإبداع الأدبي إبان تشكله في وعيهم وقد أشار إلى ذلك فاضل ثامر بقوله "وعي مقصود بالكتابة القصصية أو الروائية، يتمثل أحيانًا في الاشتغال على إنجاز عمل كتابي أو البحث عن مخطوطة أو مذكرات مفقودة، وغالبًا ما يكشف فيها الراوي أو البطل عن انشغالات فنية بشروط الكتابة"3. وقد جاءت ردود الزوجة تعبيرا عن موقف نقدي سائد يجعل من السارد ومن ورائه الكاتب إلها فاعلا متعاليا "وماذا ستختار أنت لها؟ ألست صانع مصيرها؟"(الأقصوصة) .وهذا طرح لمشاغل نقدية أدبية أثارها الروافي كاتب الأقصوصة فكانت الزوجة قناعا للمروي له أو القارئ المفترض الذي يناقشه السارد في العملية الإبداعية ككل وفي تفاصيلها الجمالية، فحين اقترحت عليه أن تنشأ قصة حب بين المغتصب وأمال قوّض اختيارها فانكشف لنا موقفان الأول أن المروي له تعود أن تكون الحكاية "قصة شرقية بختامها يتزوج الأبطال" والموقف الثاني هو حكم السارد على هذا الخيار السردي بأسلوب ساخر لأنه لم يعد يواكب طبيعة الحياة المعاصرة "هههه فلسفة قديمة وهي ممكنة لو كنا نعيش في الجنة...أما نحن اليوم في غابة ذئاب" (الأقصوصة).

وقد وُظف الحوار الدائر بين الزوجة/المروي له والزوج /الراوي لعرض الآراء المختلفة حول جماليات الكتابة الأدبية وسبل إنشائها .ومن أهم ما طُرح هي فكرة أن الأدب لم يعد يرسم للشخصية صورة بطولية بل لعله أفرغها من كل ما به يكون البطل بطلا تعميقا للانخراط الأدب في عرض واقع، الإنسان فيه مجرد كيان عادي هذا إن لم يكن هاشا مأزوما... وكأن البطل بالمنظور الأدبي التقليدي قد قُتل على يد الأديب نفسه "نعم نحن نكتب القصة كي نقتل البطل"(الأقصوصة). ومع قراءات حديثة مثل عند نورثروب فراي التي ترى أن البنية السردية كثيرا ما تبلغ ذروتها بانهيار الشخصية المركزية.

وفي الميتاسرد تحديدًا، يصبح هذا "القتل" ثنائي الدلالة هو قتلٌ للبطل داخل الحكاية، وكشفٌ لكون الحكاية نفسها وهم، وبهذا ينتفي حياد الراوي ويصبح شريكًا في تفكيك الشخصيات وخلق وعي نقدي بها يبّلّغه للمروي له، في انسجام مع فكرة رولان بارت عن زعزعة مركزية السلطة داخل النص. في هذا المشهد الميتاسردي، لا يبدو التناقض خللاً بقدر ما هو بنية واعية فالكاتب يعلّق سلطته حين يفسح المجال لاعتراض القارئ -الزوجة في الأقصوصة-، كأنه يتنازل عن موقعه كخالق مطلق ويعترف بانفتاح النص على تأويلات غيره؛ لكنه سرعان ما يستعيد هذه السلطة بعبارة «كلّ شيء قصّة»، فيعيد ترسيم حدود اللعبة ويؤكد أن هذا الانفتاح نفسه مشروط بإرادته هو. وبين هذين الحدّين يتشكل توتر دلالي دقيق إذ من ناحية يبدو النص حراً ومنفتحا على آراء القارئ مستجيبا لذائقته، ومن ناحية أخرى هو مقيد بإرادة الكاتب نفسه. والقارئ الذي يُستدعى كشريك في العملية الإبداعية سريعا ما يُذكّر بحدوده وقد تجلى ذلك في سخرية الزوج من مقترح زوجته في الأقصوصة. وبهذا الشكل لا يُحسم السؤال حول سلطة المؤلف في الدراسات النقدية وفي نقاشات الأدباء...بل يُحوَّل إلى موضوع داخل النص الإبداعي نفسه، حيث تُعرض الألوهية السردية وتُسحب في الآن نفسه، بوصفها وظيفة تُمارس وتنقد معاً. وقد عبر الراوي ومن ورائه الكاتب عن علاقته بالسرد "والنفس أمارة بالسرد" فهو مدفوع إليه دفعا ولا خيار له إلا أن ينخرط في العملية الإبداعية مستجيبا "للنفس" أي لمواهبه وقدراته من ناحية ولرسالته الأدبية من ناحية أخرى.

3 التناص أو استحضار غائب النصوص

ومن تجليات المياسرد أن يستحضر الكاتب نصوصا غائبة يضمنها نصه وهي ضرب من التناص الذي يُثري الحكي ويشحنه بدلالات أوسع ويربط بين نصه الحاضر ونصوص غيره. وقد ظهرت في الأقصوصة عدة عبارات تحيل على أفكار تبنّاها فلاسفة وأدباء...من ذلك عبارة" كل شيء قصة" التي تختزل رؤية مركّبة لطبيعة الواقع والمعنى، فهي تشير أولاً إلى أن الإنسان قد لا يدرك العالم مباشرة، بل يتمّ له ذلك عبر بناءٍ سرديّ يمنح الوقائع ترتيباً ودلالة، ويُحوّل التجربة الخام إلى حكاية مفهومة وهو ما عبّر عنه سارتر بأننا لا نكتشف الوجود إلا عبر الكلمات. وهي ثانياً تعلن أن الحقيقة نفسها ليست معطى ثابتاً، بل نتاج تأويلات متعددة، تتشكّل بتعدّد وجهات النظر وتغيّر طرائق الحكي. أمّا في السياق الميتاسردي، فتصبح العبارة أداة لكشف صناعة النص، تذكّر بأن ما يبدو واقعاً لدى القارئ وهو يقرأ النص ما هو إلا بنية لغوية قابلة للتشكّل وللهدم. فيتم الجمع بين البعد الأنطولوجيّ الذي يرى الوجود كسرد يعاش، والبعد الإبستمولوجيّ الذي يعتبر المعرفة تأويلاً وبعدا جماليّا يضع الكتابة في موقع الخلق والتحكّم في آن واحد.

4 الشخصية المتمرّدة على راويها

تنفتح الأقصوصة بوصف مسهب لشخصية امال، وصف أتى على مقوماتها الجمالية وأضفى عليها الراوي حيوية بأن جعلها متوسّلة باكية حتى لا تُغتصب...وهو ما منحتنا نحن القراء فرصة التماهي المعهود مع ما يُقص علينا ووقعنا في فخ الإيهام بالواقعية. ولكن سريعا ما يسقط "الجدار الرابع" ونعرف أن الضحية والجلاد ما هما إلا فكرة قصة يكتبها الراوي /الزوج، وأنهما شخصيتان من عوالم اللغة، حاك لهما الراوي قصة واقعية رواها لزوجته. وتكبر المفاجأة حين يخاتلنا الراوي فتصير أمال الشخصية الميتاسردية شخصا من" لحم ودم" وقد "تناهى إلى مسامعها"(الأقصوصة) أن الراوي اختار لها القتل نهاية فتفرّ من هذا "المصير" السردي. وتعلن عصيانها وتمردها على "خالقها" وتنشئ لنفسها قدرا جديدا من اختيارها " أ ليس من حقي أن أختار مصيري؟؟؟؟ حتّام سأبقى رواية لمصطفى يقرأ كل ليلة جارحة مني؟ إلى متى سأبقى رواية لذلك الزوج يكتبني على حفلة العشاء؟ أنا الآن رواية نفسي" (الأقصوصة) ففي حين حاول هو قتلها كشخصية من صنعه قتلته هي بأن ألغت كل سلطة له عليها. وعندما عاد إلى أوراقه ليتم الكتابة لم يجد شخصيته الرئيسية. وهي نهاية ميتاسردية تخترق أفق انتظار القارئ العادي وتحسم صراع الإرادات في الأقصوصة فيسقط السارد مدحورا عاجزا بعد ألوهية أكسبتها إياه أصناف السرود عبر العصور.

على سبيل الخاتمة

إن أقصوصة "انا رواية نفسي" أظهرت تمكّن عبد الرؤوف الروافي من آليات السرد لمرحلة ما بعد الحداثة ورغم ضيق مجال القص في الأقصوصة عموما فإنه أتى على جلّ تجليات الميتاسرد وفي الآن نفسه قد أفلح في الحفاظ على مقومات الأقصوصة الفنية كما صاغها النقاد منذ عقود كوحدة الموضوع والتركيز والإيحاء ...وخاصة لحظة التنوير- فرار الشخصية - أو ما يسميه بعضهم النهاية غير المتوقعة وهي نهاية جمعت في نقطة واحدة الوفاء لبنية الأقصوصة التقليدية والانخراط في كتابة تجريبية حداثية.

المراجع

1- د.محمد الباردي: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية: سلسلة السرديات ص 9. ط1تونس 2011

2- ص62 المرجع السابق

3- نادية هناوي: الميتاسرديات ومشروع فاضل ثامر في النقد الأدبي. مجلة العربي الجديد


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى