تمثيل الصحراء وعوالمها في روايات ما بعد الاستعمار
قليلة هي الدراسات الأدبية في عالمنا العربي التي ترسم لنفسها مسارا واضحا يبتعد عن النمطية والاجترار في الاشتغال على النصوص الأدبية، وتحاول التجديد في منطلقاتها النظرية وفي مقارباتها وفي مناهجها وأيضا في متون اشتغالها، ومن بين هذه الدراسات كتاب عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية الصادر عن منشورات دار ملامح للنشر والتوزيع بالشارقة، 2022، في 308 صفحة من الحجم الكبير، وهو في الأصل أطروحة جامعية حصل بها على شهادة الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، يتناول فيه الباحث المغربي خاليد مجّاد موضوع الصحراء من خلال ثمان روايات ذات خلفيات لغوية وثقافية وجنسية متنوعة، تشترك في استخدامها للصحراء كفضاء وشخصية وتاريخ وثقافة. وتتحد جميعها في توظيفها للصحراء كفضاء وشخصية وتاريخ وثقافة، وكذلك في انتمائها الزمني إلى حقبة ما بعد الاستعمار. تتمثل هذه النماذج في أربع روايات عربية هي: "حُبَّى" لرجاء عالم، و"النهايات" لعبد الرحمن منيف، و"نداء ما كان بعيداً" لإبراهيم الكوني، و"تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية" لعبد الرحيم لحبيبي. وأربع روايات مكتوبة بالفرنسية، هي: "القطرة الذهبية" لميشيل تورنيي، و"صحراء" لجون ماري جوستاف لوكليزيو و"أرواح الصحراء" لرينو جوبير و"الناس العابرون" لمليكة مقدم. وقد ركز في اشتغاله على هذه الروايات على أربعة مكونات هي: الفضاء، والشخصية، والتاريخ، والثقافة، انطلاقاً من مقاربات نقدية متعددة.
ينطلق الباحث المغربي خاليد مجّاد من هيمنة الرواية، منذ أكثر من قرنين من الزمان، على الأجناس الأدبية الأخرى. وأكّد أن الرواية منذ نشأتها تبنت في كثير من الأحيان روح عصرها واهتمامات معاصريها. ففي المرحلة الاستعمارية تحالفت مع سلطة المستعمر، وتبنت خطابه، وسخرت لخدمة أهدافه، ودعمت تفوقه ومركزيته، وحفزت نزوعه إلى استغلال ثروات الشعوب المستعمرة. ثم تبنت أدبيات ما بعد الاستعمار بعد جلائه، وتفاعلت مع أيديولوجيا الاختلاف التي ميزت تلك المرحلة، وانخرطت في دعوات إعادة الاعتبار للمختلف والمغاير وردم الفجوات العميقة بين ثنائيات الحداثة الغربية وتراتبيتها. إذا كان الأمر كذلك، يتساءل خاليد مجد، فهل يمكن اليوم تحديد ما إذا كانت روايات المهيمنين والمهيمن عليهم قادرة على تبني خطابات ما بعد الاستعمار على حد سواء؟ كيف يقارب الكتّاب عنصر التاريخ؟ وكيف يوظفون مكون الثقافة؟
وحاول خاليد مجاد في هذه الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة، استناداً إلى النماذج الثمانية التمثيلية، في محاولة لإظهار أن الرواية ما بعد الكولونيالية تتفاعل مع الخطاب (الخطابات) السائدة في عصرها، وأن عناصر المكان والشخصية والتاريخ والثقافة كلها تتلون بألوان ثقافة ما بعد الاستعمار، سواء بالنسبة للمراكز المهيمنة أو بالنسبة للهوامش المهيمن عليها.
وقد جعل خاليد مجاد من الدراسة مناسبة لاختبار مدى تجاوز الأعمال الفرنسية للتصور الاستعماري المتمركز حول الذات في النظر إلى المستعمَر "التابع"، وكذلك لاختبار مدى تجاوز الذات لمسألة التبعية للمستعمِر وفكرة استصغار الأنا، نحو تقديم بعض الاعتبار للذات المتخيلة، ومحاولة خلق نوع من الندية في مواجهة الإبداع السردي الغربي، والتعبير عن الرغبة في المساهمة في السرد الكوني في الجانبين الفني والمضموني. وبالتالي، فإن ما يميز هذه الدراسة هو محاولتها اختراق حدود نسقين لغويين وثقافيين متمايزين، وهو ما سيتيح لها تقصي التصورات والتمثلات التي تشكلت حول موضوع الصحراء بكل تفاصيله المكانية والبشرية والتاريخية والثقافية من قِبَل كتاب من ثقافات وتوجهات فكربية وفنية مختلفة، وهذا ما سيجعل الدراسة محاولة للبحث عن أبرز نقاط التقاطع والتمايز بين نماذج الرواية العربية والفرنسية سواء من حيث النواحي الشعرية أو المضمونية، وذلك لإظهار إمكانيات النماذج العربية وإضافاتها للنص السردي العالمي.
وقد قارب خاليد مجاد هذا الموضوع من زوايا نظرية متعددة، كالمقاربة التيماتيكية في اشتغاله على عنصر المكان في محوريه الأول والثاني، من أجل حصر ودراسة ثيمات المكان في الروايات الثماني وتفاصيله، كما انفتح على المقاربتين الشعرية والسيميائية من أجل رصد الوظائف الفنية للمكان في الروايات، واعتمد المقاربة الأخيرة من أجل الكشف عن القوى الفاعلة في الروايات، وبيان خصائصها، وإبراز أبعاد مركزية بعض القوى والشخصيات في الروايات وتهميش البعض الآخر. استُخدمت المقاربة الأخيرة للكشف عن القوى الفاعلة في الروايات، وبيان خصائصها، وإبراز أبعاد مركزَة بعض القوى والشخصيات في الروايات وتهميش البعض الآخر. كما تم الاهتمام بهذا الجانب من خلال اعتماد نوع من التصنيف والنمذجة السيميائية للشخصيات، وذلك للكشف عن الأبعاد الشعرية والدلالية للشخصيات/ النماذج في الروايات.
وتوسل مجّاد ببعض المفاهيم والمقاربات التي تشكلت أو ما تزال في طور التشكل ضمن ما يسمى "ما بعد الكولونيالية"، خاصة مفهوم التمثيل (La Représentation) الذي تبلور مع إدوارد سعيد في عمله عن تمثيلات المستعمَرين في مجموعة من الأعمال الأدبية الغربية. وقد حاول خالد مجاد توظيف هذا المفهوم لتتبع تمثيلات الأبطال في الروايات من قبل سارديها باعتبارهم في الغالب أقنعة للمؤلفين، وذلك لإبراز خلفيات تلك التصورات ومضمراتها الثقافية. كما جرب في الفصل الخاص بالمكان الروائي مكتسبا آخر من مكتسبات ما بعد الاستعمار، وهو "النقد الإيكولوجي"، الذي ساعده في الاشتغال على المعطيات الطبيعية التي تؤثث الأمكنة التخييلية، من خلال رصد مدى إبراز مؤلفي النماذج التمثيلية لجماليات المكون الطبيعي في الفضاء الصحراوي، من خلال تتبع تصوراتهم وتمثلاتهم للفضاء التخييلي وعناصره الطبيعية. كما كان حضور "ما بعد الكولونيالية" أساسياً في فصل "التاريخ" من خلال تبني مفهوم "التخييل التاريخي" المتعلق بطرق ووسائل سرد المعطيات التاريخية في الأعمال الروائية، في محاولة للكشف عن مدى اختفاء الفجوة بين المرجعي والخيالي في الأعمال الروائية وتشكل هوية سردية هجينة داخلها. وقد تم تناول الجانب الثقافي من خلال مقاربة أنثروبولوجية للأدب.
عالج خاليد مجاد في الفصل الأول عنصر "المكان" في الروايات الثمانية. استهله بتمهيد نظري حاول فيه تعريف المكان الروائي، وتحديد أنواعه وأقسامه ووظائفه في الأعمال السردية، من خلال عدد من الأعمال النقدية التي تناولت هذا الجانب، ثم انتقل إلى التركيز بشكل خاص على دراسة المكان كإطار للأحداث السردية في النماذج التمثيلية، من خلال البحث في العلاقة بين الصحراء كفضاء مهيمن في الروايات، وفضاءات أخرى كالبحر والمدينة والبلدة والواحة، فضلا عن فضاءات أخرى أقل حضورا وموازية لها. كما قام بدراسة مؤثثات الفضاء الصحراوي في الأعمال الروائية من خلال تحديد طرق حضورها في الروايات وإبراز وظائفه الدلالية والشعرية، وتمثلت هذه المؤثثات في الحيوانات، والماء، والنباتات، والرمال، والجبال، والصخور، والرياح، والسماء، والكهوف، والخيام. وخُصص القسم الأخير من هذا الفصل لدراسة المكوّن البيئي في الروايات. وافتتح بتعريف مفهوم النقد الإيكولوجي، وتقديم تصوره لدراسة الطبيعة في الأدب، وإبراز أهم رواده، ثم الكشف عن جماليات الجانب الإيكولوجي والبيئي في الروايات، وكيفية تمثيل الروائيين للتنوعات الطبيعية الصحراوية.
وخصص مجاد الفصل الثاني لدراسة عنصر "الشخصية" في الأعمال الروائية. وقد افتتح كل فصل بتمهيد نظري، عرّف فيه مفهوم الشخصية الروائية، وحدد وظائفها في الأعمال السردية، والجوانب التي اهتم بها النقد الأدبي في هذا المكون. ثم عرّف مفهوم النموذج العاملي، وحدد عناصره وكيفية اشتغاله على القوى الفاعلة في الأعمال السردية، وشرع في تطبيق إجراءاته على النماذج التمثيلية، مع محاولة الكشف عن أبعاد نتائجه وخلفياتها في جميع الروايات المدروسة. وخصص المحور التالي من الفصل لدراسة الشخصيات/ النماذج في الروايات المراد دراستها. وبعد أن حدد مفهوم الشخصية/ النموذج وحدد خلفيته النظرية، قام بجرد الشخصيات/ النماذج في الروايات، وحصرها في الشخصية السياسية، والشخصية السلطوية، والشخصية المتمردة، والشخصية الخانعة، والشخصية المقدسة، والشخصية التاريخية، ثم حدد وظائفها الشعرية وما تحمله من قيم دلالية ورمزية. وقد خصص المحور الأخير لتحديد مفهوم التمثيل الثقافي وآليات اشتغاله في "ما بعد الاستعمار"، وهو ما مكنه من تتبع تمثلات شخصية البطل المنبثقة من رواة النماذج التمثيلية، وذلك للكشف عن تصورات المؤلفين للشخصيات الصحراوية.
خُصص الفصل الثالث لدراسة عنصر "التاريخ" في الأعمال الروائية. ويبدأ بمقدمة نظرية تسلط الضوء على طبيعة العلاقة بين الأدب والتاريخ، قبل أن ينتقل إلى تحديد مفهوم "التخييل التاريخي" وخصائصه وطرق حضوره في الأعمال الروائية. وخُصِّص المحور الثاني لتحديد الأطر التاريخية لأحداث النماذج الروائية، بينما خُصِّص المحور الثالث لدراسة كيفية تخيُّل التاريخ الاستعماري، من خلال تتبع الطرق التي يتم بها سرد تاريخ الاستعمار الفرنسي والعثماني في الأعمال الروائية. وخُصص المحور الرابع لدراسة طرق تخيل تاريخ المهمشين في الروايات الثمانية، من خلال تتبع الكيفية التي يتم بها تخيل عدد من القوميات والمجموعات البشرية المهمشة، مثل صحراويي المغرب والجزائر وليبيا والحجاز وقبيلة عبدة وأمازيغ الأطلس وسوس في المغرب، وأمازيغ ومسيحيي مصر، وأهل تمبكتو وجيني في مالي. وخُصص المحور الخامس للبحث في الوسائل التاريخية المروية في الروايات، والتي تشكل خلفيات تاريخية أساسية داخل الروايات، مثل الأعمال والشخصيات التاريخية. وخصص المحور السادس للبحث في تقنيات تخييل المعطيات التاريخية في النماذج التمثيلية، مثل اعتماد صيغ وأساليب الرواة والإخباريين وأصحاب الحوليات والمؤرخين في تسريد المعطيات التاريخية في الروايات، ويختتم المحور الأخير بمحاولة استخلاص خلفيات ورهانات توظيف المعطيات التاريخية في نماذج الدراسة.
أما الفصل الرابع والأخير فقد خُصص لدراسة المعطيات الثقافية المهيمنة في الروايات استناداً إلى المقاربة الأنثروبولوجية للأدب. وقد افتتح بمقدمة تتبعت طبيعة العلاقة بين الأدب والأنثروبولوجيا منذ الملاحظات الأولى التي سجلها رواد الأنثروبولوجيا التأويلية حول هذه المسألة وصولاً إلى ظهور منهج أنثروبولوجي لدراسة الأدب، والسرد على وجه الخصوص، بخطوات واضحة. ثم شرع بعد ذلك في تحليل مجموعة من المعطيات الثقافية استناداً إلى إجراءات المنهج الأنثروبولوجي في دراسة الأدب، وخصص لهذا الغرض خمسة محاور درس فيها أشكال المعتقدات والأعراف والفنون والجسد والمطبخ في الروايات، محاولاً إبراز أبعادها ووظائفها وخلفياتها في الروايات.
هكذا عالج خاليد مجاد تمثيل نماذج روائية عربية وفرنسية للصحراء، انطلاقا من خلفيات نظرية متنوعة (ما بعد الكولونيالية، السيمائيات، أنتربولوجيا الأدب، النقد الثقافي...)، من خلال أربعة فصول درس فيها أربعة مكونات أساسية متداخلة في النصوص المدروسة وهي المكان والشخصية والتاريخ والمعطيات الثقافية.
