الأحد ٢٢ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم بوشعيب الساوري

درب السلطان فضاء الفرجة والقيم الإنسانية النبيلة

في الجزء الثالث من رواية درب السلطان

اختار الروائي مبارك ربيع كتابة أول عمل روائي ضخم له عن مدينة الدار البيضاء وتحديدا عن أحد أهم أحيائها حيوية وعتاقة، وأهم التجمعات السكنية الضخمة فيها، وهو درب السلطان قلبها النابض. وذلك في ثلاثة أجزاء. منح لكل جزء اسما بأهم أحياء درب السلطان. وهي نور الطلبة، ظلال الأحباس، ونزهة البلدية. في إطار إعادته الاعتبار والإخلاص لهذه المدينة التي احتضنته في زمن ما، كما احتضنت غيره من الروائيين العابرين أو المقيمين الدائمين.

أحاول في هذه القراءة الخاصة بالجزء الثالث ﴿نزهة البلدية﴾ إبراز كيف تسلل مبارك ربيع إلى أهم معالم درب السلطان انطلاقا من شخصياته وما يطرأ عليها من تحولات، تخلق أجواء من الفرجة، تضفي طابعا سحريا على فضاءات درب السلطان. وكيف تتفاعل مع أحداث هامة تقع على مستوى الحي حتى صارت أياما في ذاكرة الحي. من خلال عدة شخصيات تقدم نماذج إنسانية مختلفة لسكانه.

1- الشخصيات وبنية الخطأ والتوبة

تراهن الرواية على الشخصية الروائية وتجعلها مدخلا تنفذ به إلى أجواء درب السلطان الباهرة الساحرة من خلال سارد عليم يتسلل إلى دواخل الشخصيات ويستغور ما يعتمل في دواخلها من تفكير واستيهامات وتأملات وانفعالات.
وتبعا لتركيز الرواية على عدة شخصيات مركزية جاء السرد متمردا على الخطية عبر التنقل بين عدة برامج سردية تنقلنا من شخصيات محور تحولات مفجئة وصادمة إلى أخرى متتبعة ومنبهرة ومحللة ومفسرة لها.

هناك جانب معلن في الشخصية، وآخر خفي؛ يتعلق الأمر بمنطقة غموض تميز كل شخصية، يحاول السارد الغوص فيها بالتسلل إلى استيهامات الشخصيات ومونولوجاتها. وإظهارها على السطح. لذلك يقدم السارد الشخصيات عبر مدخلين:

الأول: ما تقوم به من أفعال سواء مباشرة أو ما تشير إليه شخصيات أخرى أو تقدم عليه من تصرفات غريبة في أغلب الأحوال. تثير أفعال الشخصيات فضول الشخصيات الأخرى مثلا حركات التبعي الغريبة المحيرة والمربكة لبوالمقالات. فتظهر الشخصيات منشغلة ببعضها البعض، وتصير موضوعات للتأمل والمراقبة ﴿حورية وارقيبة، التبعي والرحمنية﴾ وموضوع نقاش وتحليل بابنسبة للشخصيات البعيدة وخصوصا كائنات ساحة لجيارة. تتطلع الشخصيات إلى ما تحمله الشخصيات الأخرى من غموض وإثارة وغرابة في سلوكاتها فتلح على فهم سر تلك التصرفات.

الثاني: من خلال تأملاتها، وما يدور في دواخلها من استيهامات واسترجاعات، ناتجة عن أزمة داخلية تعيشها.

يمكن أن نميز بين نوعين من الشخصيات في الرواية:

الأول: هي شخصيات مثيرة تعترضها تحولات، منذورة لنفس الأفعال والمسارت اليومية.

الثاني: مسجلة لتلك التحولات ومتفاعل معها.

ما يميز بناء الشخصية في الرواية هو خضوعها لبنية الخطأ والتوبة، فتجد نفسها قد اقترفت عدة أخطاء وتمادت فيها لكن الأيام وتحولاتها وبتأثير من الشخصيات الأخرى تكتشف سوء الاختيار فتتراجع عنه وتعود إلى سابق عهدها ﴿ارقيبة﴾ أو القيام بفعل مخالف تماما له ﴿الرحمونية﴾ أو التكفير عن أخطائها، كما وقع لسكان الحي بعد وفاة المتشرد الهبطي الذي كان موضوع إهمال من خلال الجنازة الكبيرة التي أقاموها له. فهناك قابلية واستعداد لدى الشخصيات على التحول من وضع إلى ضده.

تقدم لنا الرواية نماذج إنسانية متنوعة من درب السلطان تعترضها تحولات كبرى تتميز في الغالب بنوع من المصالحة مع الذات والتاريخ والمكان، تحولات إيجابية موسومة في الغالب بالتطهر. بعد أن تضع ذاتها موضع مساءلة ومحاسبة.

عزيز: نموذج الشخص المخلص لذكرى معلمه وصديقه البطل "الشخش" السجين، يتألم لغيابه ويتحسر، يزور والدته الستاتية ويحاول مساعدتها. يهدد عويشة ويختبر مدى إخلاصها ووفائها ل"الشخش" بالتهديد فيدفعها إلى الانتقام له من الولد. وفعلا تقوم بذلك وباحترافية كبيرة. يزور "الشخص" في السجن وشد أزره والتأكيد على تضامنه معه. إضافة إلى عدم انشغاله بعودة أبيه مثل باقي سكان الحي بقدرما هو مشغول بعودة صديقه "الشخش".

التبعي: شخص مجذوب كثير التأمل والسير. اختار الهدوء والصمت. دائم التأمل والفحص:"الرجل خارق... خارق... خارق في استماتته وجده، [...] خارق في صمته وفحصه الدائم، غامض فيما يجري وراءه ويسعى إليه..."﴿ص.135.﴾ تثير سلوكاته الفضول والاندهاش، رجل سرابي، حتى عجز "بو المقالات" عن تتبعه مدهش مدوخ ومحير أمره.

الهبطي: رجل متسكع متشرد مجرد من اللباس مهمش ومنبوذ من قبل سكان الحي يقدم على تصرفات غريبة كصراعه مع كلب على عظم ومحاكاته لسلوك الكلاب. يتأثر كثيرا من مشهد توبة الرحمونية. ينصف بعد الوفاة من خلال الجنازة الكبيرة التي أقامها له أهل الحي.

الرحمونية: خياطة تشغل العديد من الفتيات تحيي معارض وسهرات يحيط بها الغموض والتساؤلات، يثير خروجها للتسوق بسوق الجمعة وقيسارية الحفاري انتباه الباعة والتجار. كما أنها موضوع متابعة من المتأمل المجذوب التبعي. وسيكون نتيجة ذلك إعلانها عن توتبتها وزواجها من التبعي وتبدأ صفحة جديدة وتطلق سراح البنات، وتذهب إلى الحج.

ارقيبة: رجل غني، ناجح في العمل متزوج له أبناء. ارتبط بالمغنية الشعبية حورية واستقر معها خارج الحي مدة تزيد عم عشرين سنة. لكن مجموعة من التحولات ستدفعه إلى مراجعة ذاته والعودة إلى الحي. تمثلت في كبر ابن حورية غير الشرعي رضا واهتمامها الزائد به على حساب ارقيبة. إضافة إلى اهتمام التوكاني الزائد بها وبابنها مما عمق احساسه بالوحدة والعزلة والنبذ والتهميش والضيق والحرج وهو ما أدى إلى توتر علاقته بحورية. ومع مرور الأيام يتولد لديه الحنين إلى درب السلطان وأهله وأولاده:"يحن إلى درب السلطان، عبيره، ناسه، وعشرته... فقط، لا غير!"﴿ص.89.﴾ ويتساءل كيف استل ذاته من درب السلطان: "استلها من أهله وذويه، واستلها من درب السلطان ذاته..."﴿ص.43.﴾ فينشد إلى الدرب ويعيد اكتشاف أهميته محاولا فتح صفحة جديدة وإصلاح ما ينبغي إصلاحه. وفعلا يستقبله أهل الحي استقبلا كبيرا باحتفال بهيج.

2- درب السلطان فرجة دائمة

أول ملاحظة يمكن أن يسجلها قارئ هذا الجزء من الثلاثية هي ذلك الارتباط الوثيق بين الشخصية والمكان. فلا يحضر المكان ولا يتحدد إلا من خلال الشخصيات وأفعالها وتحركاتها. مثلا تحركات الرحمونية هي التي تفتحنا على سوق الجمعة وقيسارية الحفاري بسحرهما.

يتم، إذن، النفاذ إلى عوالم درب السلطان من خلال شخصياته الراصدة لتحولاته بين الماضي والحاضر، مثلا في الحديث عن تحولات ساحات الفرجة:"عرج على حديث السينما وأمجاد قاعة الباهية والشاوية، وفتوحات حلقات كراج علال حيث السينما بدون سينما... هناك في القاعة سينما بصورة متحركة صامتة أو ناطقة، وهنا في الحلقة سينما ناطقة بدون صور..." ﴿ص.94.﴾

نسجل حضورا قويا للعب كرة القدم، الورق، الضامة الدومينو، الاحتفالات، الأعراس. تقدم لنا الرواية درب السلطان كفضاء للفرجة، بميل سكانه واستعدادهم الدائم إلى ذلك والبحث عنها وصنعها واحتضانها:"يتابع أهالي درب السلطان موكب السيرك، يسايره الكثير بالخطوات... وبالخواطر... وبالشوق واللهفة... الكون يتوقف هنا، يتوقف بتوقفه ويتحرك بحركته..." ﴿ص.5.﴾ من خلال تأثير السرك على حياتهم ومخيلتهم فيسبب في تناسل الحكي الذي يختلط بالساحر والمثير والمبهر"ينطلق السيرك موكبا مغريا، يعلن عن عجائب فرجاته وفرحاته، يطوف بالأصوات والألوان يزين الأزقة والدروب، يلون الخيال والواقع في الأزقة والأحياء..." ﴿ص.7.﴾ مستعد شكل دائم للاحتفالات وصناعة الفرجة، الأعراس، المآتم:"هذا هو طيب درب السلطان وملحه عبير ماض، ونفحة حاضر، ومخاض، لا تعدم فيه شيئا، ولا ينعدم منه شيء..." ﴿ص.247.﴾
فرجة دائمة وأبدية وقد تأكد ذلك من خلال البناء الدائري للرواية اذ افتتحت بالفرجة واختتمت بها. يقول:"هكذا يبدو، هكذا كان، هكذا يمضي درب السلطان، مبتدأ ومنتهى، مزيج أذواق متفردة وحال اشتمال، مذهب ومأتى، توق نفوس باتجاه المبتغى والشوق، لا تمنعها قوة تيار، ومجرى السعي، من أن تجد لنفسها طريقتها في الوجود، تتمصص النشوة والمتعة، تخلق الحياة." ﴿ص.249.﴾ وخصوصا "ساحة الجيارة" التي صارت فضاء للفرجة بامتياز باعتبارها فضاء للعب وتداول مستجدات الحي يظهر تآزر سكان الحي وتراحمهم.

درب السلطان فضاء لحضور قوي لقيم الوفاء والإخلاص والتسامح والعفو والفتوة والتآزر والتضحية والتآخي ورحابة القلوب بين سكان الحي، وقد ظهر ذلك بشكل كبير ولافت بعد موت الهبطي. والجنازة العظيمة التي حضرت له. يقول في:"تعاطف الناس غريب... كل شخص... كل بيت أو دكان، إلا يشارك ويشترك في المناسبات أفراحها كانت أم غيرها...كل شخص كل بيت ...كل دكان إلا ويعلق راية الوطن في المناسبات البهيجة، وكأنه دولة."﴿ص.229.﴾

لدرب السلطان أيام كبرى مخلدة في ذاكرة سكانه، أيام غير عادية وغير مسبوقة في تاريخ الحي تصير محفزا على توليد الحكي والإشاعات والمرويات وهي:

يوم السيرك بسحره وفرجته العجيبة.

يوم توبة الرحمونية وأثره في سكان الحي وحصوصا المتشرد الهبطي الذي تأثر بالحدث بشكل لافت.

يوم الاحتفاء بذهاب الرحمونية إلى الحج.

يوم موت الهبطي وجنازته الكبيرة.

يوم عودة المخلوفي المناضل الكبير.

يوم عودة ارقيبة إلى أهله.

هي أحداث كبرى شغلت كل سكان الحي وصارت موضوع استهلاك كلامي يومي. مثلا حدث توبة الرحمونية وما تولد عنه من حكايات وإشاعات تفسر أسباب الحدث ودواعيه."موكب الرحمونية حدث للأحداث...فريد... وحيد بلا شبيه أو نظير، ولا عقل كان يتصور ولا خيال ولا جنون، حدث بدون مثيل." ﴿ص.171.﴾ تصير هذا الأحداث موضوع فرجة يتفاعل معها كل سكان الحي فهي انقلابات في نظرهم تتجاوز توقعات الخبير "بو المقالات."

إنها أحداث تقدم لنا كيف يحتفل درب السلطان بأبنائه الغائبين والمخطئين والمناضلين.

هكذا تقدم لنا الرواية صورة عن درب السلطان في ارتباط بقيم قاطنيه المتمثلة في روح التآزر بين سكان الحي وتوادهم وتعاطفهم ووفائهم وإخلاصهم وتسامحهم، المزروعة بين دروب الحي وأزقته وساحاته وبيوته، من خلال بعض الأحداث المثيرة المخلدة في ذاكرة الحي وسكانه.

هوامش:

 مبارك ربيع، درب السلطان، الجزء الثالث: نزهة البلدية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2000.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى