دحض الصور النمطية ونقد الذات
روح الفؤاد في الرحلة الى مملكة تايلاند
يكشف الكاتب المغربي أحمد رزيق في بداية نصه الرحلي "روح الفؤاد في الرحلة إلى مملكة تايلاند "(المغرب 2025) عن استعداده للرحلة إلى التايلاند كي يمنح نفسه نظرة عن بلد بعيد ثقافيا وجغرافيا عن المغرب ويسافر إليه لأول مرة. وقد استطاع ذلك من خلال اطلاعه على مجموعة من أشرطة الفيديو المعروضة على الشبكة العنكبوتية لمغاربة وعرب ممن زاروا ذلك البلد الآسيوي.
لكنه بعد الاطلاع عليها وجد أنها لا تتجاوز حدود العاصمة بانكوك، وإن تجاوزتها فإلى الجزر المعروفة التي تستقطب السياح، بالإضافة إلى بقاء محتويات ما اطلع عليه من أشرطة حبيسة التمثلات الشائعة عن التيلاند، كما نهج بعض أصحابها التركيز على إبراز معاناتهم تسوّلاً للإعجاب والمتابعة، إضافة إلى تركيزهم على أماكن بعينها مثل شارع العرب وما يعرفه من حركة ليلا، ليؤكد أنها أشرطة بئيسة ومزيّفة عن هذا البلد بسكوتها عن مجالاته الطبيعية والثقافية المتنوعة.
لقد جعل الكاتب من الاطلاع على هذه الأشرطة البئيسة حافزا لاكتشاف مواطن الجمال والبهاء في مملكة تايلاند. وبالرغم من هذا الحافز لم يخف الكاتب تردّده وتخوفاته من السفر إلى تايلاند، بسبب بعدها أولا الذي يتطلب ساعات طوال إضافة إلى ساعات الانتظار لتغيير الطائرة، وثانيا سنه الذي شارف على منتصف العقد السادس الذي يغذي تخوفاته، ثالثا أهوال السفر وما قد تعرضه له من حوادث مفاجئة كالتأخر وضياع الأمتعة، رابعا طول الرحلة وأثرها على جسمه الذي يعاني من آلام في أسفل الظهر، خامسا حرارة الجو المرتفعة في شهر غشت. لكنه تغلب على كل هذه المخاوف وقرر خوض تجربة السفر هذه لما فيها من الفوائد النفسية والمعرفية.
وحرصا منه على تجاوز الصور النمطية السائدة في أشرطة الفيديو عن مملكة تايلاند والتي تغري فئة واسعة من السياح العرب وغير العرب، عمل أحمد رزيق في رحلته على تقديم نظرة موضوعية عن هذا البلد نابعة من العيان لا من السماع، انطلاقا من إصراره على زيارة أهم معالمه الثقافية وأهم مفاتيح حضارته من معابد ومساجد وحدائق ومنتزهات ومتاحف ومكتبات وجامعات، ليعرض لنا صورة حية وأمينة عن البلد، بعيدة تماما عما تراكم عنها من صور نمطية من قبَل السياح التي تكرس الجهل والتضليل.
ترتبط المقارنة ارتباطا كبيرا بالسفر، بحكم كون هذا الأخير خطابا محوره لقاء الأنا مع الغير، فلكي يقدم الرحالةُ الآخرَ يضطر إلى اعتماد المقارنة التي لا تنفصل عن الرحلة، بحكم كون هذه الأخيرة لقاء مع الآخر، وبالنظر إلى كونها، حركة في الفضاء، تجلُب الذات نحو الآخر، وتجلُب الآخر نحو الذات في الآن ذاته. لم يخرج أحمد رزيق عن هذه القاعدة بل اعتمدها في تلفيظه تجربة سفره إلى مملكة تيلاند، ليكشف لنا عن المقومات الثقافية والطبيعية لهذه المملكة وجعلها مرآة ينظر من خلالها إلى بلده المغرب، فوقف عند جملة من التقابلات الصارخة والفاضحة الناتجة عن الاحتكاك بالتايلانديين في تحركاته وتنقلاته في مملكتهم، انطلاقا مما وقف عليه من سمات حضارية فيها يعدمها في بلده المغرب.
لقد مكنته المقارنة من الوقوف على جملة من التقابلات الصارخة بين تايلاند والمغرب وهي:
أولا: لمس الكاتب من خلال رحلته ارتفاع منسوب التسامح والاحترام والانضباط لدى التايلانديين في المرافق العامة إضافة إلى التعايش الديني بين الإسلام والبوذية إذ يتجاور المسجد مع المعبد البوذي في كثير من الأمكنة، إضافة إلى تمتعهم بحسن التنظيم في الفضاءات المشتركة رغم الاكتظاظ، ليؤكد أن التايلانديين شعب مسالم، مقابِل عنف المغاربة تجاه بعضهم البعض ولا تسامحهم وعدم انضباطهم وفوضاهم في جل الفضاءات العمومية حتى في الأزمنة التي تقتضي ذلك مثل شهر رمضان.
ثانيا: لفت انتباهه حفظ التيلانديين للمرافق العمومية والحرص على نظافتها وجمالها النابع من عشقهم لجمال الطبيعة، إذ توجد بالعاصمة بانكوك وحدها اثنان وثلاثون حديقة عمومية، إضافة إلى احترامهم للملك العمومي، وسيادة الهدوء في المنتجعات لا سيما في جنوب تايلاند النابع من جمالها وبهائها الذي ينعكس نبلا وطيبوبة في سلوك التايلانديين وعلاقاتهم فيما بينهم، مقابل تخريب أغلب المغاربة لمرافقهم العمومية مثل الحدائق وفضاءات ممارسة الرياضة والعبث فيها ورمي الأزبال بها، بفعل تطبيعهم مع القبح إضافة إلى سطوهم على الملك العمومي وإحداث الضجيج والصخب والعبث بالمنتزهات العامة وتكدير الهدوء بها في غياب تام لاحترام الآخرين.
ثالثا: سيادة الأمن في المناطق التي زارها، ولاسيما في المنتزهات القصية من مملكة تايلاند حيث يعم الهدوء والاطمئنان وغياب الحوادث المميتة في الطرق، حيث لا وجود لتجاوزات ولا لشجار ولا لانفلات يخل بالنظام والأمن العامين، مقابل انعدام الأمن في المغرب، حيث يخاف المرء في بعض مدنه على نفسه وممتلكاته من اللصوص الذين يتحينون الفرصة لترويع الناس وسلبهم ممتلكاتهم في واضحة النهار.
اللافت في اشتغال هذه المقارنة هو اعتماد الكاتب "لا" النافية التي تفيد عدم وجود الكثير من الأمور السلبية في تايلاند التي تعود على مشاهدتها في بلده المغرب، بل يجد عكسها، وفي ذلك تعبير من جهة عن وقع صدمة الاختلاف، وعن حسرة من غياب ما يتوفر لدى التيلانديين من قيم ثقافية وأخلاقية لدى المغاربة.
يظهر مما سبق أن أحمد رزيق انتهج في نصه الرحلي هذا دحض كل الصور النمطية المتداولة في أشرطة الفيديو عن مملكة تايلاند وكشف عن تهافتها، كما أنه اعتمد المقارنة في تحويل تجربة سفره إلى نص رحلي، مقارنة بين ما وقف عليه من معالم ثقافية وطبيعية مميزة لمملكة تيلاند ولشعبها والغائبة تماما عن بلده المغرب.
