الأربعاء ١٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١
بقلم إيمان محمد ملال

جنازة عقل مات قبل أن يولد

الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل ببضع دقائق..

وحيدةً في غرفتها المظلمة التي لا يظهر منها شيء سوى بعض أشعة الشمس التي تعبر نافذتها بفضل القمر ..

قرَرَت أن تنسى الضجيج الذي يسببه صمت المكان لتعزف بدورها سمفونية الألم والوحدة اللذين يقيدانها بلا شفة ولا رأفة ..

وتناست أيضاً ذلك الشعور الغريب بالبرد القارس الذي كان لشدته يرغمها أحيانا على التوقف عن الكتابة للحظاتٍ حتى تستعيد حرارتها العادية من تحت الغطاء الزمردي الدافئ رغم أن حالة الجو تلك الليلة كانت توحي بغير ذلك..

بدأت ذاكرة المكان تطغى على تفكيرها، رويداً رويداً باتت توقن أنها لن تستطيع معها صبراً، فبدأت باسترجاع ذكرى الثورات الصامتة التي شهدتها غرفتها الصغيرة منذ زمن بعيد، وكيف كانت تصاب بخيبة الأمل حين تجد أنها كانت تتوهم كل تلك المعارك والجيوش المقاتلة التي لوجودها يوماً وجودٌ !

وقفت بجانب السرير الخشبي تتأمل حاضرها وماضيها وتحاول عدم التفكير بتاتاً في المستقبل الذي كانت منذ تلك الليلة قد بدأت بالإعتقاد المطلق بأنه كهف عميق، بل وأكثر عمقاً من ذاكرتها .. مظلم أكثر من غرفتها حينها يغيب القمر عن سماءها .. وهذا ما كان يجعل تفكيرها فيه مستحيلاً يشل عقلها الصغير ويفقد معنى الحاضر بالنسبة إليها، فيصبح ذلك الحاضر الذي تلتهمه العتمة في كل لحظة وحين ..

هي إذن كانت تخشى التقدم في تلك العتمة خطوة للأمام بدون مساعدة أحد. نعم، لقد اعترفت بهذه الحقيقة الأولى وهي التي كانت تدعي أنها غير قابلة لأن تُكسَرَ أو أن تنجرف مع تيار الغربة عن الذات ونكران الأنا ثم انتظار المساعدة من إحدى العوال الممكنة الي قرأت عنها يوماً في فلسفة دولوز وغتاري .

تساءلت، كالطفلة الوديعة باسمة في حزن، وبصوت عالٍ جدا أيقظ ذلك الجانب اللاشعوري من جهازها النفسي في فزع : ما الذي يجعلني أكون في هذه اللحظة وفي غيرها هذا الأنا الذي يلاحقني ويشهد هزائمي ويدون خساراتي في آخر صفحات التاريخ الوهمي الذي أفترض أن يكون له وجود في يوم ما ؟

أما كان من الممكن أن تون برفقة أنا "آخر" ( وليس "أنا آخر" ) غير الذي "هي هو " في هذه اللحظة ؟

أما كان بإمكانها أن تملك عقلاً بسيطاً صغيراً .. ظريفاً .. عاقلاً .. يسمح لها بالخلود إلى النوم وعدم الإستسلام لجنونها في هذه الليلة كما في غيرها .. كما تتمكن عقول الجميع من فعل ذلك ؟

تساءلت : ترى هي من مهرب من هذا الوجود الميتافيزيقي الذي يكبلني بالأغلال كلما حل الظلام وتاه أنايَ عن جسدي مجددا ً ؟

كيف لي، وأنا الضعيفة المريضة البائسة أن أرفع الحصار عن كياني وأخلد .. للنوم للحظات فقط لا أكثر !

تناست كل ذلك، وادعت أنها تشعر بالنوم، وخدعت عقلها الباطني الذي شعرت للمرة الأولى أنها هزمته !

...بعد نصف ساعة لم تزيد ولم تنقص بثانية، تكبدت عناء النهوض من جديد من فراشها لتجد المذكرة فوق جسدها المثقل بعياء الوجود، وتجد أنها ربما لم تكن قد نامت لتلك المدة كلها، أو ربما نسيت إغلاق عينيها أثناء ذلك وبالتالي لم تكتمل هزيمة عقلها أمام خدعتها .. أكانت تتوهم النوم أم نامت وعينيها مفتوحتان ؟

أرهقها التفكير بهذا السؤال أكثر مما أرهقها التفكير في سبب وجودها أصلاً حتى تنام ..

للوهلة الأولى شعرَت بأن شيئا ما يسرق منها روحها، يخزن ذاكرتها بعيداً عن دماغها، يقلب قلبها يمينا ويسرة ويكاد يسرقه منها . اعتقتدت – هي – أن الموت يلاحقها ويريد حرمانها من آخر فرصة قد تسمح لها بأن تغفو قليلاً ..

خطر ببالها أن تقرأ كتاباً، أو رواية مملة حتى تشعر بالنوم، اختارت روايةً كانت تحفظ تفاصيلها، وبدل أن تقرأها بدأت باستعراضها على نفسها ..

" يحكى أن أميرة عاشت في زمن ما قبل الميلاد، في زمن سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس .. أًغرمت بالعقل اليوناني وبثوراته وانتصاراته .. لكن حينما استفاقت من نومها وجدت أنها في مدينة أخرى غير أثينا، فكيف يعقل أنها رحلت عن موطنها وعن منبع سعادتها الأصلي وجاءت إلى هنا .. إنها الكارثة .. كارثة إذن حلت بها ......’’

فعلاً، قصة مملة كهذه كانت لتجعل أي شخص عاقل ينام بسرعة، أسرع من الضوء ربما .. ولكنها هي انشغلت بمأساة الفتاة ..وقررت البحث عنها في كل مكان، إلى أن تجدها لتعيدها إلى موطنها ..

لم تكن تدرك أن عقلها فارقها للأبد .. بعد أن قررت أن تصحبه معها أينما رحلت، وقررت أن تصنع منه ذلك العقل الحكيم الذي يحلم أن يكونه .. لكنه لم يكن يهتم بهرائها ولا بأحلامها ولا حتى بمآسيها ...

فهل منكم من أحب عقله يوماً لهذه الدرجة ليصاب بخيبة أمل كبرى .. وهو يرحل عنه ويتركه وحيداً في غرفته كالمجنون يكلم الجدران فلا ترد، يسمه أنين وجوده فلا يملك حيلة .. ؟

على صوت الكلاب التي تنبح خارجاً، توقفت عن كل ذلك، وبدأت تسترق السمع من عالم الملائكة العلوي، وترقص على أصداء موسيقاهم الأزلية الفريدة، وتناست انها يوما ملكت عقلاً .. بل وتناست وجودها .. وضاعت في غياهب الصمت من جديد .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

قاصة مغربية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى