حواري مع الكاتب السوداني يبات علي فايد
موجز السّيرة الذّاتيّة:
يبات عليّ محمّد فايد. من مواليد كسلا، السّودان. يقيم بالطائف بالمملكة العربية السعودية. حاصل على ماجستير الترجمة وماجستير اللغة عربيّة، النقد الأدبي. مترجم ومدقّقة لغويّ. عضو الاتّحاد العامّ للأدباء والكُتّاب السّودانيّين، وعضو الاتحاد العام للصحفيين السودانيين. له أحدَ عشرَ مؤلفًا مطبوعا في الشِّعر والنَّقد والتَّرجمة وعلم العروض.
مضابط الحوار:
كيف يتنقّل القلب بين المدينتين (كسلا- الطائف)، وكيف تحتمل الرّوحُ الحنينَ إلى مسقط الرّأس؟
يخفق القلب بين المدينتين خفقانَ جناحِ فراشة، وأراهما موضعين يستحقّان هذا الخفقان الحميم؛ ويرتعد رعدةَ الطائر الذي بلّلَه القَطْر كلّما ذُكِر أحدُهما: كسلا أرضُ المحنّة، والطائفُ مصيفُ الملوك ومهد الورود. وظني يقين أنّ نسيم كلِّ صباحٍ طائفيٍّ يحمل روائحَ مرتفعات كسلا وسهولها، كأنّ الجبال هنا وهناك تتصافح لأمُدَّ مراجيح حنيني إلى مراتع الصبا وملاعب الشباب في بساتين كسلا (السواقي)، وأسواقها وأحيائها، وروائح بيوتها البسيطة الطيّبة بطيبة أهلها، ثم تعود بي تلكم المراجيح إلى الطائف الجميلة فهي من أهمّ المدن التي كُتبت لي فيها حياة، واكتسابٌ لأطيب الأحبّة والأصدقاء الذين لطالما لَمّوا شتات الروح، وجعلوا البعد عن مسقط الرأس أقلَّ وحشة بامتداد أيديهم بالمحبّة والوداد.
ما الّذي جعلكَ تجمع بين الماجستير في اللغة العربيّة، والماجستير في التّرجمة؟ وفي أيّهما ستكون الدّكتوراه، ولماذا؟
كانت دراسةُ اللغةِ الإنجليزيّة غايتي في الجامعة، غير أنّي بدّلت مساري إلى العربيّة بجامعة النيلين بإيعازٍ من صديقي عبد الكريم ديريا، حين رأى عشقي للعربيّة والشعر، فاستجبتُ لرأيه فكانت دراستي للعربيّة. ثم فتح لي القدر باب دراسة الإنجليزيّة إبّان عملي بالمعهد الإسلاميّ للترجمة، فدرستُ الدبلوم العالي في اللغتين العربيّة والإنجليزيّة، ثم ماجستير الترجمة. وبعدها واصلتُ في العربيّة فحضّرتُ الماجستير في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وبدأت بالفعل وسجّلت لتحضير الدكتوراه في اللغة العربيّة في الجامعة ذاتها، غير أنّي توقّفت لأسباب خاصّة، ثم امتدّ التوقّف بسبب الحرب التي كُتبت على السودان رفع الله عنه كل بلاء وسوء.
عملتَ في التّرجمة، والتّدقيق، والتّدريس، والتّحكيم، ما هي متاعب كلّ من هذه الأعمال؟ وأيّ عمل هو أكثر متعةً لك؟
هذا سؤال جيد وأعجبني جدا، ولعلي أطنب في الإجابة عليه. ظني أن لكل عمل من هذه الأعمال متعته الخاصة؛ ذلك أني لا أعمل إلا بعد أن أعبِّد نفسي للعمل، بحيث أجعل عملي مصدرا لمتعتي؛ فنهجي في الحياة أن أعيشها متعةً لا أن أسعى لما يجلب المتعة رهقًا.
في الترجمة أجد متعة في تحدي اختلاف اللغات وتراكيبها، والتحايل لبلوغ المعنى المراد في اللغة الأصل بحيث لا أُقَوِّل الأصل أكثر مما يحتمل، وإن كنت أستمتع في بعض الترجمات، وترجمات الشعر خاصة إلى التصرف بحيث أدخل بعض خواص اللغة الهدف مما قد يهب الترجمة نكهة أدبية لا سيما وأنا نحتاج إلى استخدام الإيقاعات والقوافي في النقل إلى العربية، وفي البحث عن بعض المعاني التي يقصدها الشاعر عند ترجمة النص الأدبي متعة لا توصف. لكل ذلك أعدّ الترجمة، خاصةَ ترجمة الشعر، من أرقى المتع التي تُمنَح للمترجم الحريص على المعنى والموسيقى في آنٍ واحد.
أما متاعب الترجمة فأحسب أنها تتمثل في عدم بلوغ الغاية في الرضا عن العمل المترجم؛ إذ هو مثل خطاباتنا في مراهقتنا، كلما كتبنا شيئا مسحناه لظننا أنا لم نأتِ بما تتوق إليه قلوبنا من تعابير الوجد. وهكذا تُتعب الترجمة المترجم لظنه عدم بلوغ مراميه ومقاصده رغم بذله كل ما بوسعه من خبرة ووقتٍ وجهد قلبيٍّ وعقليٍّ معًا.
عن التدريس، فهو عشقي، وقد عملت بالتدريس قبل الدراسة الجامعية بُعيد حصولي على الشهادة الثانوية، واستمررتُ فيه إبان دراستي الجامعية، وعملت بالتدريس الجامعي في المعهد الإسلامي للترجمة بُعيد حصولي على ماجستير الترجمة.
لعل من أشدِّ متاعب التَّدريس النفسية (ولا آبه بالمتاعب الجسدية المعروفة لدى كل معلم ومتعلم)، هو خوف أن تُعطي الطالب شيئا من العلم تظنه صحيحا، ثم يتبين لك خطؤك بعد وقت طويل من إعطاء تلكم المعلومة، وسبحان العليم الخبير القائل: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
أما ما يخصُّ التحكيم في إجازة الكتب، فإن عدم إلمامك بما هو مقدم عند غيرك للتحكيم من مادة، سواء أكان العمل ينافس لطباعة مجانية أم لطباعة مدفوعة للكاتب، قد يجعل أمر التحكيم صعبًا، إذ قد يجيز غيرك ما هو دون العمل الذي بين يديك؛ وذلك لدقة تحكيمك. كما أنَّ مجاملة بعض من يولون إليك بعض تلكم الكتب قد تكون على خلاف رأيك. والعمل بالتحكيم شاقٌّ ولا أرى له كبير متعة إلا ما يجلبه من فرحٍ بالإسهام في نشر عمل يستحق النشرَ، وما يترتب عليه من أجر التحكيم.
لديك اهتمام واضح بعلم العروض، والقوافي، ماذا ألّفتَ في هذا المجال؟
وهل من الممكن أن نرى لك كتبًا نقديّة في الشّعر الحديث؟
كان من آثار اهتمامي بعلم العروض أن جعلت بحث تخرجي في: (الإيقاع الموسيقي في شعر نزار قباني في ديوانَي: طفولة نهد، وقالت لي السمراء)، ثم استمر معي هذا الشغف حتى انتهى إلى تدريسي مادة العروض بالمعهد الإسلامي للترجمة ضمن ما دَرَّستُ فكانت حاجتي إلى جمع عمل سهل على الطلاب بعيدٍ عن تشدد الأساليب الأكاديمية المتعبة، مما حدا بي إلى تأليف كتابي في العروض (علم العروض والقافية- عرض تفصيلي ميسر). أما ما يتعلق بمحور السؤال التابع لهذا السؤال، فعسى أن تتاح لي فرصة التأليف في نقد الشعر الحديث، وقد بدأت بوادر ذلك في عملي (جسر إلى قصيدة النثر)، وهو جمع لعدد من قصائد النثر لشعراء سعوديين، مترجمةً إلى اللغة الإنجليزية.
قلتَ في حوار سابق لصحيفة الزّوراء:" الكتابة النّقديّة في السّودان تكاد تكون مقصّرة في اللحاق بركب الكتابة الشّعريّة والأدبيّة عامّة"، هل هي كذلك فقط في السّودان، أم في الوطن العربيّ عامّةً؟
لعل من الصعب الحكم على ذلكم التقصير في الوطن العربي، ربما لعدم تبيُّن موقف النقد من الشعر والأدب عامة، لكن إن ذهبت للتخمين بناءً على المطروح من الأعمال النقدية في مقابل الأعمال الأدبية من شعر وقصة وغيرهما من فنون الكتابة مما هو متوفر بمعارض الكتب العربية؛ فأحسب وبكل أسف أن الإجابة هي ذات الإجابة في السودان والوطن العربي.
ما هي مؤلّفاتك الشّعريّة، وهل فازَ أحدها بجائزة أو تكريم؟
صدر لي من الدواوين ستة، هي بالترتيب، ثلاثون نصا لعشر نساء، 2005، مطبعة التمدن، الخرطوم. عبث الحسان، 2009، مطبعة العملة، الخرطوم. وغنيت للحب، 2016، مطبعة العملة، الخرطوم. طوينا صفحة الليل، 2016، دار النسيم للنشر والتوزيع، القاهرة. ضحكت قمرية من منطقي، 2020، دار المصورات، الخرطوم. أتعبت عيناك خيلي، 2022م، دائرة الثقافة، الشارقة. أما المؤلفات الأدبية الفائزة بجوائز وتكريم توشك تكون حتى الآن في الشعر فقط، فقد فاز عملي (عبث الحسان) بجائزة سحر القوافي في العام 2008م، وفاز عملي (وغنيت للحب) بجائزة الشهيد الزبير للإبداع والتميز العلمي في العام 2011، وهي أرفع جائزة تقدمها الدولة في الشعر، وكرمني حينها السيد/ رئيس الجمهورية السابق المشير/ عمر حسن البشير.
لديك ديوان غزل عفيف بعنوان (ثلاثون نصًّا لعشر نساء)، كتب مقدّمته الشّاعر السّودانيّ الرّاحل محمّد الفيتوري. مَن هنّ النِّساء العشر الملهمات لتلك النّصوص؟
لقد سألتِني الأستاذة ميادة عن نساء يستحيل نسيانهن، وسأتلو عليك أسماءهن بكل المحبَّة والحنين، والوداد والتقدير، فهنَّ أقمار أضأن ليالي غربتي، ونشرن في نهارات أيامي عطر وجودهن الكريم، فكان ذلكم الديوان، باكورة أعمالي الأدبية، ولعل من دواعي سروري الاحتفال معكم بذكر أسمائهن وفق نصوصهن في الديوان:
سحر، وصال، إشراقة، سلوى، نبيلة، جيهان، أشواق، سماح، رحاب، عائشة، حفظهن الله وكلأهن، وهن كلهن يعلمن بقصائدهن في هذا الديوان.
كيف ترى حركة التّرجمة في الوطن العربيّ، وفي أيّ البلدين التّرجمة مزدهرة أكثر: في السّودان، أم في السّعوديّة؟
في رأيي أن حركة الترجمة في الوطن العربي بخير، وذلك لوجود الكثير من المؤسسات الحكومية الداعمة في الكثير من الدول العربية، وإن كان ثمة ما يعيبها على المستوى الفردي فهو ممارسة الترجمة مؤخرا من لا خبرة لهم في الترجمة، واشتغال دور النشر بالطباعة دون النظر فيما تمت ترجمته، فكمُّ الكتب المترجمة ترجمات سيئة ليس بالقليل مقارنة بترجمات الأمس القريب، نحن بحاجة إلى دعم العمل المؤسسي المدعوم من الحكومات للاستفادة من الإمكانيات العلمية المتاحة في كسب العلوم المكتوبة باللغات الأُخَر وبصفة خاصة اللغة الإنجليزية. بالنسبة للمقارنة بين السودان والسعودية، فرأيي أن السعودية توشك تسبق السودان في هذا المضمار، وذلك بتأسيس مؤسسات مركزية ذات ثقل علمي واتجاه واضح دفعا للترجمة في مسارها الذي ينبغي أن يكون مثل هيئة الأدب والنشر والترجمة، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، علما بأن السودان له خلفية أكاديمية محترمة جدا في الترجمة، وبه كذلك مؤسسات متخصصة على ضعف تمويلها مثل جامعة الخرطوم، والمعهد الإسلامي للترجمة، وجامعة أفريقيا العالمية، وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وظني أن الجهد السوداني في الترجمة يميل أكثر إلى ما يبذله الفرد المؤهل، ويحتاج إلى تدخل الدولة بإنشاء مؤسسات علمية مدعومة بصورة أكبر من الجهود التي تبذلها المؤسسات الجامعية بجهودها البسيطة المباركة، وعسى أن يتم ذلك بعد أن تنزاح سحابة العذاب التي ابتلي بها السودان.
هل ترى أنّ القصّة القصيرة جدًّا باتت تنافس القصّة القصيرة في الوطن العربيّ؟ وفي أيّهما كتبت؟
إن مدعي كتابة القصة القصيرة جدا كثر، وكذلك هم كُتَّاب قصيدة النثر، لكن الذين يكتبونهما بصورة جيدة قلة. ومع ممارسة هذا النوع من الكتابة بعض كتاب القصة القصيرة بل والروايات الكبار، فبرأيي الذي لا أعده الفيصل، فإن القصة القصيرة إن مضى في كتابتها الكتاب المقتدرون ستكون منافسة للقصة القصيرة بالفعل.
أما من جهتي، فقد كتبتُ شيئًا من القصص القصيرة جدًا، غير أني لا أعتدّ به كثيرًا، ربما لأنني لم أمارس هذا الفن على سبيل الاحتراف، ولم أمنحه ما يستحقه من عناية، وإن نشرتُ بعض نصوصه في صفحتي على فيسبوك. ولا أحسبني قاصًّا مجيدا لهذا الفن، ولا حتى في عداد متوسطي الموهبة.
دخلت الحرب الحاليّة في السّودان عامها الرّابع، وقد وثّق الرّوائيّون والصّحفيّون، مآسي النّزوح، والدّمار، كون الأدب هو الأقدر على سرد قصص الحروب، كيف عبّر القلم عن الوضع الحاليّ للسّودان، وماذا كتبَ في أدب المقاومة؟
لقد أذهلت هذه الحرب الكاتبَ والشاعرَ السودانيَّ ذهولا شديدًا؛ لأنها جاءت مفاجئة، وغير متوقعة بهذه الوحشية، وأدخلت المبدع في حالة من الذهول والعجز، إذ لم تكن حربًا بين أمتين، ولا بين دولتين، وإنما كانت بين أبناء الوطن الواحد. وذلك مما جعل الفاجعة أعمق، وأخّر الكتابة عنها كثيرًا، وما يزال. ومع هذا فقد كتب الكتّاب عنها بوصفها خرابًا للوطن، وإيذاءً للإنسان وبيئته. ولا أحصي ما كُتب فيها، ولكن، بحسب ما وقفت عليه، فقد أصدر الشاعر أسامة تاج السر ديوانه (أغنية للأرض السمراء)، وأصدر الكاتب عبدالعزيز بركة ساكن رواية (الأشوس) بوصفها الحرب الراهنة عنفا أهليا فتك بالناس والوعي معا، كما أصدر الروائي حامد الناظر رواية (عائلة شجرة الليمون) التي عرض فيها لمآسي الحرب وأثرها في الإنسان، كما أصدرت الصحفية القديرة بخيتة أمين كتابها (الموت بالدانة) وهو كتاب توثيقي عن مأساة تلكم الحرب الكريهة. وكثيرة هي الأقلام الأدبية التي وصفت هذه الحرب وتأثرت بها أدبيا وإنسانيا. ومما كتبته أنا عنها قصيدتي (ذهول الشعراء) التي أقول فيها:
حِينَ يخذلكَ الشِّعرُ في لحظةٍ الحزنِ..
حزنِ البلادِ أقمْ مأتمَهْ
حينَ يجدعُك الحوتُ
حوتَ الأسى في..
في دهاليزِ أمعائه المظلمَةْ
حينَ يجهلُ هذا العظيمُ المهيبُ
بساعاتِ أحزانه مَنْ تُرى
كانَ ناصرَهُ
ومَن مدَّ سيفَ البليَّةِ كَي يقصمَهْ
حينَ يندلقُ الحزنُ
مِن هولِ كلِّ المآسي
يُسَقِّي خدودَ النوازحِ واللاجئاتِ
أسَى
حينَ ينتحبُ النيلُ
ينزِعَ سندسَه
بالسَّواد اكتسَى
حينَها
يتصدَّعُ قلبُ المحبِّ
وتسقطُ يمناهُ
تبهَتُ في..
في سَما الشِّعر كِلْمتُه
يتدحرجُ في..
ظلمةِ للسُّكوتِ المريعِ
تُرَكِّلُ خيلُ الأسى حرفَهُ
بل ويدفنُ غيمُ الفجيعةِ مبتسمًا أنجُمَه.
*شكري الجزيل للأديبة ميادة سليمان على اختيارها شخصي لهذا الحوار، والشكر لموقع ديوان على إتاحته لي بثَّ بعض همِّ الأدب العربي ومناقشةَ بعض قضاياه في هذا الحوار.
