حوار مع أشرف شهاب للحديث عن «جائزة ديوان العرب»
*موجز السّيرة الذَاتيّة:
أشرف شهاب، صحفي محترف منذ عام 1994
عضو نقابة الصّحفيّين المصريين
ليسانس آداب من قسم اللغة الإنكليزيّة من جامعة عين شمس
نائب رئيس تحرير ديوان العرب
عملَ محرّرا دبلوماسيًّا في عدّة صحف، ومجلَّات عربيّة
رئيس قسم الاتّصالات بمجلّة الأهرام الاقتصاديّ
عضو الدّيسك المركزيّ/ مجلّة الأهرام الاقتصادي
_ بداية تعرّفنا على موقع ديوان العرب، ومتى تمّّ تأسيسه، وكيف كانت بداية عملك فيه؟
مع بزوغ فجر الشبكة العنكبوتية عربيا، وتحديدا عام 1997، كان الشاعر والروائي الفلسطيني الأستاذ عادل سالم من أوائل من أدركوا أن الإنترنت لن يكون مجرد وسيلة تقنية عابرة، بل فضاء ثقافيا جديدا قادرا على إعادة تشكيل حضور الكلمة العربية في العالم. كانت تلك رؤية استشرافية سبقت زمنها؛ إذ لم تكن المؤسسات الثقافية الكبرى قد انتبهت بعد إلى التحول الرقمي، بينما كان هو يفكر في مشروع ثقافي عربي واسع الأفق، عابر للحدود، يحرر الكلمة من قيود الجغرافيا والرقابة التقليدية.
من هنا انطلقت الفكرة الأولى تحت اسم «فلسطين» كموقع إلكتروني أدبي ثقافي، يحمل شعلة المعرفة إلى كل قارئ حر في الوطن العربي وخارجه. لم يكن الاسم اختيارا عاطفيا فحسب، بل كان تعبيرا عن بوصلة الهوية والانتماء. غير أن التجربة أظهرت بعد عامين أن الاسم قد يوحي للبعض بطابع سياسي إخباري، بينما كان المشروع في جوهره ثقافيا أدبيا مستقلا، فكان القرار بتأسيس «ديوان العرب» ليحمل هوية أوسع وأشمل، دون أن يتخلى عن جذوره الأولى.
أما بدايتي مع الديوان، فقد جاءت كمصادفة تحمل دلالة. ففي تلك الفترة لفت نظري إعلان في جريدة «الحياة» اللندنية يطلب مراسلا صحفيا من القاهرة. وجدت في الإعلان تقاطعا مع اهتماماتي الأدبية والتقنية، فتواصلت مع الأستاذ عادل سالم، ومنذ اللحظة الأولى أدركت أنني لا أنضم إلى موقع إلكتروني فحسب، بل إلى رؤية ثقافية بعيدة المدى. وهكذا بدأت الرحلة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحنا نعمل على بناء منبر ديوان العرب بوصفه منصة تجمع المفكرين والأدباء، وتمنح الشباب مساحة حقيقية لترسيخ حضورهم الإبداعي. لم يكن الهدف إنشاء موقع للنشر فقط، بل تأسيس فضاء حر للفكر والأدب، يرسخ استقلالية الكلمة، ويصون حرية الرأي، ويمنح الثقافة العربية نافذة عالمية في زمن التحولات الرقمية.
وهكذا نما المشروع الذي بدأ حلما جريئا في زمن لم يكن يؤمن كثيرون بإمكاناته، ليصبح جسرا بين الأدب الكلاسيكي والمعاصر، وبين صدى الماضي وإشراقة المستقبل. وما يميز ديوان العرب أنه من أوائل المواقع العربية التي وُلدت على الشبكة، حتى قبل أن تبادر كبريات الصحف العربية إلى إنشاء منصاتها الرقمية.
لقد كانت الفكرة سابقة لزمنها، والرؤية أكبر من حدود موقع؛ كانت مشروعا ثقافيا عربيا يؤمن بأن الكلمة إذا امتلكت الحرية، صنعت أثرا خالدا.
_ هل هناك أنشطة ثقافيّة موازية بخلاف المسابقات تقومونَ بها لتعزيز حضور ديوان العرب ودورها الثّقافيّ؟
نعم، لا يقتصر دور ديوان العرب على تنظيم المسابقات الأدبية فحسب، بل يحرص -في إطار رسالته الثقافية- على القيام بأنشطة موازية تعزّز حضوره وتؤكد انحيازه للثقافة العربية الجادة والمنتمية لقضايا الأمة وهمومها الفكرية والإبداعية.
ومن أبرز هذه الأنشطة تقليدٌ ثابت درج عليه الديوان خلال احتفالاته بتوزيع جوائز المسابقات، يتمثل في تكريم رموز الثقافة العربية؛ تقديرًا لعطائهم الممتد، واعترافًا بإسهاماتهم في إثراء الأدب والفكر والفنون. ويستهدف هذا التكريم القامات التي جمعت بين القيمة الإبداعية والموقف الثقافي الواعي، وأسهمت في تشكيل الوعي العربي الحديث.
وقد شمل هذا التقليد -على سبيل المثال لا الحصر- عددًا من كبار الروائيين والمفكرين والشعراء والنقاد والفنانين من مختلف الأقطار العربية، من بينهم: الروائي السوداني الطيب صالح، والروائيون المصريون صنع الله إبراهيم، بهاء طاهر، محمد جبريل، سعد القرش، وحيد الطويلة، والمرحومة الدكتورة رضوى عاشور، والكويتية ليلى العثمان، والناقدة فريدة النقاش والشعراء، حسن طلب، حلمي سالم، محمود قرني، أحمد فؤاد نجم، محمد علي شمس الدين، محمد عفيفي مطر، يحيى السماوي، عبد الناصر صالح، والمفكران المصريان المرحوم الدكتور عبد العظيم أنيس و المرحوم الدكتور محمود أمين العالم، وعالم اللغويات العراقي علي القاسمي، والمؤرخ الفلسطيني جوني منصور، والمفكر الفلسطينى الدكتور عادل سمارة، والفنان العراقي نصير شمة، والمسرحي المصري المرحوم ألفريد فرج، والكاتب السوري محمد الماغوط، والسوري المرحوم د. فاضل السباعي، والمبدع الراحل د. فاروق مواسي، إلى جانب عدد كبير من الأدباء والنقاد والصحفيين والباحثين من مختلف الأقطار العربية.
ويأتي هذا التقليد إيمانًا من ديوان العرب بأن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا، بل مسؤولية ممتدة، وأن تكريم القامات الفكرية والإبداعية هو جزء من حفظ الذاكرة الثقافية العربية وصون رموزها، وتعزيز حضورها في وجدان الأجيال الجديدة.
_ بِرأيك بماذا يختلف موقع ديوان العرب عن غيره، ما الّذي يميزّه؟
ديوان العرب ليس مجرد منصة للنشر الإلكتروني، بل هو مساحة وعي مفتوح، تتقاطع فيها الثقافة مع المسؤولية، والإبداع مع الموقف. تميزه الحقيقي لا يكمن فقط في حضوره المبكر على الشبكة، بل في قدرته على أن يحافظ على استقلاله الكامل؛ فهو مؤسسة لا تتبع حكومة، ولا تنضوي تحت حزب، ولا تخضع لأجندة سياسية أو أيديولوجية. هذا الاستقلال لم يكن شعارا، بل ممارسة يومية انعكست في تنوع الأصوات، وتعدد الاتجاهات، واحترام حق الاختلاف.
ما يمنح الديوانَ فرادته أنه لم يتعامل مع الفضاء الرقمي كوسيلة تقنية فحسب، بل كتحول ثقافي عميق؛ لقد حافظ على القيمة الجمالية للنص الأدبي، وعلى رصانته اللغوية والفكرية، في زمن تسارعت فيه الكتابة السطحية والمحتوى العابر. هنا، لا تُنشر المادة لمجرد النشر، بل لكونها إضافة حقيقية إلى المشهد الثقافي.
كما يتميز الديوان بأنه يخلق توازنا دقيقا بين الخبرة المتراكمة والطاقة الشبابية المتجددة؛ فالأسماء الراسخة تجد فيه فضاء محترما للحوار، والمواهب الجديدة تجد فرصة عادلة لإثبات حضورها، بعيدا عن المحسوبيات أو الأضواء المصطنعة.
والأهم من ذلك، أن الكلمة في ديوان العرب ليست ترفا ثقافيا، ولا زينة لغوية؛ إنها موقف، وشهادة، ومسؤولية تاريخية. في زمن تتكاثر فيه المنصات وتبهت فيه المعايير، بقي الديوان وفيا لفكرته الأولى: أن تكون الثقافة جبهة وعي، وأن يظل الحرف صامدا حين تتراجع الأصوات.
هنا، لا يُقاس النص بعدد النقرات، بل بعمق أثره.
وهنا، تتحول الكتابة من ممارسة فردية إلى فعل ثقافي جامع.
_ كيف يتمُّ في كلّ عام اختيار الجنس الأدبيّ للجائزة، هل هناك خطّة معيّنة تسيرون وفقها؟
اختيار الجنس الأدبي للجائزة في ديوان العرب ليس خطوة إجرائية عابرة، بل هو قرار ثقافي واعٍ يُبنى على قراءة دقيقة لحركة الإبداع العربي وتحولاته. نحن نتابع ما أُنجز في الدورات السابقة، ونرصد التحولات في الذائقة والاتجاهات الجديدة في الكتابة، ونصغي إلى نبض الكتاب والنقاد، حتى يكون القرار معبرا عن حاجة حقيقية في المشهد الأدبي.
لا نعتمد رؤية فردية، بل نحرص على التشاور مع نخبة من القامات الفكرية والنقدية التي نثق بعمق خبرتها واتساع أفقها. ومن بين الأسماء التي نستأنس برأيها الدكتور صلاح السروي، والدكتور أحمد الخميسي، والدكتور علي نسر، والدكتور مصطفى يعلى، والدكتور أحمد زياد محبك، والدكتورة نجمة حبيب، والأستاذ عبد القادر ياسين، والشاعرة آمال عواد رضوان، والدكتورة ثريا العسيلي، والأستاذة فريدة النقاش، والدكتور حسن طلب، إلى جانب أسماء أخرى تمثل مدارس واتجاهات متعددة في الشعر والسرد والنقد وأدب الطفل والدراسات الأكاديمية.
هذا التنوع يمنح عملية الاختيار عمقا معرفيا وتوازنا فكريا، ويجعل الموضوع امتدادا للهم الثقافي العربي، لا عنوانا شكليا. فالجائزة، في تصورنا، ينبغي أن تسهم في تحريك المياه الراكدة، وأن تفتح أفقا جديدا أمام نوع أدبي يحتاج إلى إبراز أو تجديد.
إذا يمكنني القول بأن التخطيط يتم وفق رؤية استراتيجية واضحة: ما المجال الذي يحتاج إلى منصة تدعمه؟ أين تكمن الفجوات الإبداعية؟ وكيف يمكن أن تتحول الجائزة إلى حافز للتجربة والتطوير، سواء في الشعر أو القصة أو الكتابة للطفل أو غيرها من الحقول الفنية؟
نحن نؤمن بأن اختيار الموضوع هو حجر الأساس في نجاح أي دورة؛ لذلك يأتي بعد حوار معمق وتقدير لرأي أصحاب التجربة، حتى يظل ديوان العرب منبرا واعيا، يحمل رسالة ثقافية تتجاوز حدود المنافسة، وتدعو إلى كتابة صادقة ترتبط بالواقع العربي وتعكس قضاياه ووجدانه.
_ موضوع الجائزة لهذا العام (فلسطين في الرّواية العربيّة)، كيف تمّ اختيار الموضوع، وما أهمّيّة اختياره في خضمِّ ما تعيشه غزّة من أحداث؟
اختيار موضوع هذه الدورة «فلسطين في الرواية العربية» لم يأت صدفة، بل جاء نتيجة إدراك عميق لمسؤوليتنا الثقافية تجاه القضية الفلسطينية، ولإيماننا بأن الأدب أداة حية لتوثيق الذاكرة والتجربة الإنسانية في أوقات الصراع. نتابع الأحداث المأساوية في غزة، ونرى كيف أن الرواية، بصدقها وعمقها، تستطيع أن تنقل الألم، والصمود، والبطولة، إلى كل قارئ عربي، بعيدا عن التعتيم الإعلامي، وموفرة مساحة للفكر والتأمل.
الموضوع جاء ليجعل الكتابة فعل مقاومة بحد ذاتها، وليربط القلم بالقضية، ولتسليط الضوء على الرواية كوثيقة حضارية، تحفظ التاريخ والوجدان معا. هذه المسابقة ليست مجرد حفل لتوزيع الجوائز، بل دعوة لكل كاتب وناقد أن يكون شاهدا على زمن يُكتب فيه الألم والأمل، الفقد والصمود، بطريقة تجعل من الرواية مرآة للواقع، ومن الأدب حاضنة للذاكرة الجمعية.
_ هل يستطيع المتسابق أن يشارك بِدراسة عن روايات (غسّان كنفاني) كلِّها، مثلا؟
نعم، يمكن للمتسابق أن يختار دراسة شاملة لروايات غسان كنفاني أو أي كاتب فلسطيني أو غير فلسطيني آخر، أو أن يتناول دراسة نقدية للرواية العربية بشكل عام. المهم أن تلتزم الدراسة بضوابط المسابقة: أن تكون أصيلة، قائمة على التحليل النقدي، غير منقولة أو مولدة جزئيا أو كليا بالذكاء الاصطناعي، مع توثيق المصادر بدقة، وتحديد الفترة الزمنية التي تشملها الدراسة.
المسألة ليست في الكم فحسب، بل في العمق النقدي والقدرة على ربط النصوص بالواقع الإنساني والتاريخي والثقافي، لتصبح الدراسة جسرا بين القارئ والرواية، وتوثيقا لصمود الكلمة في مواجهة محاولات الطمس والنسيان.
_ هل من الممكن المشاركة بِدراسة عن القضيّة الفلسطينيّة في الرّواية الفلسطينيّة؟
نعم، المشاركة في دراسة حول القضية الفلسطينية في الرواية الفلسطينية ليست فقط ممكنة، بل هي في صميم أهداف مسابقة هذا العام. المسابقة تتيح للباحثين والنقاد استكشاف التجربة الإنسانية والتاريخية والثقافية الفلسطينية، وتحليل الظواهر الأدبية والفنية المرتبطة بها، مع الالتزام بالأصالة والمنهج النقدي الصارم، وتوثيق المصادر، وضبط الإطار الزمني للدراسة.
إن الهدف أن تصبح الدراسة أكثر من مجرد نص، بل شاهدة حية على صمود الكلمة، وجسرا يربط بين الرواية والواقع، ومرآة للمعاناة والأمل في آن واحد.
_ لو كتب أحدهم دراسة عن القضيةّ الفلسطينيّة في السّينما ّالعربيّة، أو الشّعر العربيّ فهل ستقبلون بها؟
في هذه الدورة، تركيز المسابقة منصب حصريا على الرواية العربية التي تتناول القضية الفلسطينية بأبعادها الإنسانية والتاريخية والثقافية. الدراسات حول السينما أو الشعر، رغم أهميتها الأدبية والفكرية، لا تندرج ضمن إطار الجائزة لهذا العام.
نحن نحرص على أن تكون كل دراسة مشاركة شاهدة على صمود الرواية، وأن تضيء تجربتها الفنية والأدبية في مواجهة التحديات الواقعية. المسابقة تهدف إلى جعل الرواية مرآة للأحداث، وعينا تنظر إلى عمق التجربة الفلسطينية، بما يجعلها جسرا بين الأدب والواقع.
_ هل يكفي ذِكر المراجع في الدّّراسة، أم يجب ذِكر الهوامش؟
لا، لا يكفي الاكتفاء بقائمة مراجع في نهاية الدراسة. في هذه الدورة، وبحكم طبيعتها الأكاديمية النقدية، نؤكد على ضرورة التوثيق الدقيق عبر الهوامش لكل اقتباس أو فكرة منقولة أو تحليل مستند إلى مصدر محدد، وفق المعايير المتعارف عليها في البحث الأدبي.
قائمة المراجع وحدها تُظهر الإطار العام للمصادر، لكنها لا تكفي لإثبات الأمانة العلمية أو تمكين القارئ من تتبع الفكرة في موضعها الأصلي. أما الهوامش، فهي التي تمنح البحث صلابته المنهجية، وشفافيته، وقابليته للتحقق. ومن دونها يفقد العمل جزءا أساسيا من جدارته الأكاديمية.
نحن أمام مسابقة للدراسات النقدية، لا انطباعات عامة أو مقالات صحفية؛ ولذلك فإن كل معلومة، وكل اقتباس، وكل إحالة إلى رواية أو مرجع نقدي، يجب أن تكون موثقة توثيقا واضحا. هذا الالتزام ليس إجراء شكليا، بل شرطا يحفظ للبحث قيمته، وللكلمة صدقيتها.
فالرواية تُقرأ بوعي، والنقد يُكتب بمسؤولية،
والأمانة العلمية ليست تفصيلا تقنيا، بل جوهر العمل الثقافي.
_ حبّذا لو حدّثثَنا عن آليّة التّحكيم في هذه المسابقة، وهل أعضاء لجنة التّحكيم هم أنفسهم في كلّ عام، أم يتغيرّّون؟
في كل عام، عندما تنفتح أبواب مسابقة ديوان العرب، نُدرك أن التحكيم ليس مجرد عملية تقييم، بل هو حراسة على جوهر الإبداع العربي ومرآة لصدق التعبير في مواجهة التحديات الثقافية والفكرية. وفي الدورة الثانية عشرة، صُممت آلية التحكيم لتكون دقيقة وشفافة، مع مراعاة خصوصية هذه الدورة، إذ تتولى لجنة واحدة مختصة تقييم جميع الأعمال المشاركة وفق معايير ثابتة: الالتزام بالموضوع، القيمة الفنية، الأصالة، سلامة اللغة، والرؤية الجمالية للنصوص.
يمنح كل عضو درجات من 100 لكل عمل، ثم تُجمع لتُحسب النتائج التراكمية، وتُناقش جماعيا لضمان العدالة والحيادية، مع تحكيم سري لا يطلع فيه أي عضو على هوية المشاركين. هذا التنظيم يتيح للجنة التركيز الكامل على جودة الأعمال وأصالتها، مع مراعاة ظروف كل دورة وتجديد الخبرات بما يعكس أهداف ديوان العرب ويعزز نزاهة التقييم.
أما اختيار لجنة التحكيم، فهو عملية دقيقة لا تتبع قالبا ثابتا، بل نراعي دائما ملاءمة الخبراء مع موضوع كل دورة. ففي كل مسابقة، تتشكل اللجنة من أكاديميين، نقاد، وشعراء، متمرسين في المجال الأدبي أو الفني المعني، لضمان تقييم موضوعي وراسخ.
ولعل أبرز الأمثلة على التنوع أعضاء لجنة التحكيم عبر السنوات الماضية في مسابقات الشعر، شارك معنا المرحوم حلمي سالم، والأستاذة فريدة النقاش، رئيسة تحرير مجلة أدب ونقد، والشاعر الدكتور حسن طلب، والشاعر أحمد زرزور، لضمان رصيد شعري ونقدي متين. وفي مسابقة أدب الطفل، كانت معنا الدكتورة سيدة حامد، أستاذ أدب الطفل في جامعة حلوان. وفى مرات أخرى الشاعر، والناقد، والروائي المرحوم الدكتور إبراهيم سعد الدين. كما ضمت لجان التحكيم على مدار السنوات الماضية نخبة من الخبراء من بينهم الأسماء المشار إليها في سؤال سابق من هذا الحوار.
هذه المرونة في اختيار أعضاء اللجنة، والتنوع في التخصصات والخبرات، تضمن أن يكون الحكم على الأعمال عادلا، دقيقا، وموضوعيا، مع الحفاظ على الشفافية والحيادية، ورفع مستوى المسابقة إلى أعلى درجات الجودة الثقافية والأدبية.
_ ما هي الإجراءات التي ستتّخذ لكشف نصوص كُتبت بالذّكاء الاصطناعيّ؟ وكيف سيتمّ التّعامل مع أصحابها؟
حين نتحدث عن مسابقة ديوان العرب، نعلم أن الكلمة عندنا ليست مجرد حروف على الورق، بل شرف وأمانة قبل كل شيء، وشهادة على الأصالة ومرآة للضمير الثقافي. ومن هذا المنطلق، وضعت المسابقة آلية صارمة للتأكد من أن كل دراسة تُقدم تعكس جهد الباحث نفسه، وليس نتاج أدوات ذكية.
لدى السادة أعضاء لجنة التحكيم، وهم خبراء وقامات شامخة، القدرة والمهارة على التمييز بين النصوص المكتوبة يدويا والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، فيما تدعمهم محركات وأدوات ذكاء اصطناعي متطورة مصممة خصيصا لاكتشاف أي غش أو تزييف في النصوص.
أي نص يثبت أنه غير أصيل أو مولد اصطناعيا لن يُقبل في المسابقة، وسيُبلغ صاحبه بالرفض مع توضيح الأسباب، حفاظا على نزاهة المسابقة وسمعتها، وعلى حرمة الكلمة كأمانة ثقافية.
نحن نؤمن بأن المشاركة في المسابقة مسؤولية وشرف، ومن يلتزم بالأصالة يضمن أن يكون عمله شاهدا على ثقافة المقاومة والإبداع الحر، بينما أي محاولة للالتفاف على هذه القيم تُحرم من التقدير والمنافسة.
_ يتساءل بعض المتسابقين عن ذِكر اسم المشارك في المسابقة، في حين مسابقات أخرى ترفض ذلك، بماذا تجيبهم؟
في ديوان العرب، اسم المشارك ليس مجرد توقيع على العمل، بل هو شهادة على انتمائه للمسار الثقافي وحقه في الاعتراف بجهده وإبداعه. ومع ذلك، نحن نحرص على العدالة والحيادية المطلقة، لذلك تتم جميع مراحل التقييم بسرية تامة، دون اطلاع أعضاء لجنة التحكيم على هوية المشاركين أثناء التحكيم.
هذا التوازن يتيح لنا أن نحافظ على نزاهة المسابقة رغم ثقتنا الكاملة فى أعضاء لجنة التحكيم، ويضمن تقدير جهد الباحث وإبراز إبداعه أمام القراء في حال نشر الأعمال ضمن كتب أو موقع ديوان العرب.
هكذا، يجمع ديوان العرب بين الشفافية في التحكيم، والاعتراف بالحقوق الأدبية للمشارك، واحترام الحيادية التامة، لتكون المسابقة منصة حقيقية للإبداع النقي، بعيدا عن أي تحيز أو تأثير خارجي.
_ بعض المشاركين الّذين لا يفوزون، لا يرغبون في طباعة نصوصهم مع النّصوص المتميزّة في كتاب جماعيّ، هل يُسمح لهم بذلك؟
نعتبر أن نشر الأعمال المشاركة فى المسابقة على موقع ديوان العرب، أو ضم النصوص الفائزة وبعض النصوص المتميزة إلى الكتاب الجماعي شكل من أشكال التكريم المعنوي، وفرصة حقيقية لتسليط الضوء على التجارب الجديرة بالاهتمام، وليس إجراء ذا طابع تجاري أو التزاما ماليا على أي طرف. فديوان العرب منبر مستقل غير هادف للربح، ولا يتاجر بأعمال المشاركين، ولا يحقق عائدا من نشرها، بل يسعى إلى توثيق الإبداع وإتاحته لجمهور أوسع.
هذه المبادرة بالنشر تمثل جزءا من رسالة ثقافية أوسع تهدف إلى تعزيز الوعي الأدبي، ومنح الكتاب -خاصة الأصوات الجديدة- مساحة حضور لائقة ومحترمة. ومن ثم فإن إدراج النصوص المختارة في الكتاب أو نشرها فى موقع ديوان العرب يأتي بوصفه امتدادا طبيعيا للمشاركة في المسابقة.
حرصا على الشفافية، نكتب هذه الشروط بوضوح في إعلان المسابقة منذ البداية، بحيث يكون كل مشارك على بينة كاملة من طبيعة النشر وآلياته قبل التقدم. وبالتالي، فإن اتخاذ قرار المشاركة يفترض الاطلاع المسبق على هذه الضوابط والقبول بها، بما يحفظ وضوح العلاقة ويصون حق الجميع في الاختيار عن قناعة.
في النهاية، ما نقدمه هو مشروع ثقافي يؤمن بأن كل نص صادق هو إضافة إلى الذاكرة الأدبية، وإسهام في بناء مشهد أكثر وعيا واتساعا.
_ هل هناك تكاليف مادّيّة تتوجّب على من تُطبع نصوصهم؟
لا، لا نفرض أي تكاليف مادية على المشاركين الذين تُطبع نصوصهم. في ديوان العرب، نتحمل مسؤولية كل خطوة، من جمع النصوص، إلى الإخراج الفني، وصولا إلى الطبع والتوزيع، مجانا بالكامل. هدفنا تشجيع الإبداع، وتمكين المواهب الجديدة، وإتاحة أعمالهم لجمهور أوسع، بعيدا عن أي مقابل مالي أو التزامات على أصحاب النصوص.
_ ماذا لو أرسل أحد المشاركين نصّه بعد يوم من انتهاء الموعد، بسبب ظرف طارئ؟ كيف تتعاملون معه؟
نلتزم بالمواعيد كأساس لعدالة المسابقة، لكننا ندرك أن المسابقة عالمية وتستقبل مشاركات من مختلف بقاع العالم بفروق توقيت متعددة. لذلك، وباعتبارنا نحرص على منح الجميع فرصة عادلة، نضع هامشا إضافيا قدره 24 ساعة بعد الموعد النهائي الرسمي، ليتمكن المتسابقون من إرسال أعمالهم دون أن يُحرَم أحد بسبب فارق التوقيت أو ظرف طارئ بسيط.
في الوقت نفسه، تظل القواعد واضحة للجميع منذ البداية، وأي إرسال بعد هذا الهامش لا يُقبل لضمان نزاهة التحكيم والمساواة بين المشاركين. إن احترام المواعيد جزء من التقدير للإبداع والمواهب، وحماية لسلامة المنافسة.
_ هناك إناث لا يستطعن الكشف عن أسمائهنّ الحقيقيّة بسبب ضغوطات المجتمع الشّرقيّ، هل يحقّ لهنّ المشاركة بأسماء مستعارة؟ وهل تقبلون مشاركتهنّ من غير إرسال صورة لهنّ؟
المصداقية في المشاركة هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. لذلك، لا يُسمح بالمشاركة بأسماء مستعارة كشرط أساسي لضمان نزاهة المسابقة ومنع أي تلاعب أو إساءة استخدام.
في الوقت نفسه، نحترم الخصوصية؛ فإذا طلبت واحدة من المشاركات عدم نشر اسمها الحقيقي، يمكننا قبول النشر باسم مستعار على الموقع أو في الكتاب الجماعي مع الحفاظ على السرية. وبالمثل، يمكن النظر في طلب عدم نشر الصورة الشخصية، وذلك بناء على رغبة المتسابق، شريطة أن يرسل لنا المستندات الحقيقية المطلوبة مع طلب يوضح عدم رغبته في نشر الاسم الحقيقي أو الصورة، لضمان أن كل نص يمثل شخصا حقيقيا ومبدعا، وليس واجهة لغيره. هذه الضوابط هدفها النهائي حماية حقوق الجميع وضمان نزاهة الإبداع.
_ ما هي الجوائز التي خصّصتموها للفائزين هذا العام؟
في مسابقة ديوان العرب الثانية عشرة 2026 – فلسطين في الرواية العربية، خصصنا الجوائز لتكون انعكاسا حقيقيا لتقديرنا للإبداع والجهد المبذول، بعيدا عن أي اعتبار تجاري، وسيحصل الفائز بالمركز الأول على 2000 دولار أمريكي، والمركز الثاني 1500 ، والثالث 1000 دولار. كما سيتم منح كل فائز درعا تقديريا رمزيا يعبر عن التقدير المعنوي لإبداعه. بالإضافة إلى ذلك ندعو الفائزين لحضور حفل توزيع الجوائز في جمهورية مصر العربية، ونتحمل كافة تكاليف السفر والإقامة والاستضافة، لضمان مشاركتهم شخصيا في هذا الاحتفال الإبداعي. وأي غياب لأسباب خارجة عن الحصول على تأشيرة دخول إلى جمهورية مصر العربية يُعتبر تنازلا صريحا عن الجائزة ويتم تصعيد الفائز التالي. تأتي هذه الجوائز لتكون أكثر من مكافأة مالية؛ فهي رسالة دعم للإبداع، وتشجيع للمواهب الجديدة، وتعزيز للوعي الثقافي، بما ينسجم مع رؤية ديوان العرب.
_ بخصوص الجوائز، هل هناك دعم أو تمويل تتلقّونه من ّأية جهة عربيّة، أو غربيّة؟
نؤكد بحزم أن ديوان العرب منبر ثقافي مستقل تماما، لا يتلقى أي دعم أو تمويل من أي جهة عربية أو غربية، ولا يخضع لأي تأثير خارجي. كل العاملين في الديوان -من أعضاء لجنة التنظيم ومستشاري التحرير- يساهمون بوقتهم وخبراتهم تطوعيا، بدافع حبهم ودعمهم للثقافة العربية والالتزام بتعزيز الإبداع الحر.
كما أن جميع جوائز المسابقة، وكل مراحل التنظيم والتحكيم، وحفل توزيع الجوائز، بالإضافة إلى المطبوعات من حيث الإخراج والطبع والتوزيع، تُمول بالكامل من تبرعات هؤلاء الأعضاء والمستشارين، الذين يجمعهم شغف عميق بالثقافة العربية وحرص على استقلالية المنبر.
نحرص من خلال هذه الاستقلالية على أن تبقى المسابقة صافية من أي تأثير خارجي، وأن تتمتع حرية اختيار موضوعاتها ومعايير تقييم الأعمال بأقصى درجات الشفافية والحيادية الأكاديمية. كل جائزة وكل مطبوعة، إذا، هي تعبير صادق عن تقديرنا للإبداع وجهد المبدعين، وليست التزاما أو تبعية لأي طرف آخر.
_ لماذا التّّشديد على ضرورة حضور الفائزين، هل سبق أن تخلّف الفائزون عن حضور حفل التكريم؟
نعم، سبق أن تخلف بعض الفائزين عن حضور حفل التكريم وتوزيع الجوائز، ولذا حرصنا هذه المرة على التأكيد على أهمية الحضور الشخصي. فالحفل ليس مجرد إعلان نتائج، بل هو احتفال بالإبداع وبالجهود المتميزة التي يستحق أصحابها التكريم المباشر أمام جمهور من المثقفين والمبدعين، وليس من المعقول أن ننظم حفلا لتوزيع الجوائز ونجد الفائزين غير حاضرين.
وفي هذا الإطار، وكما أوضحت سابقا، يقوم ديوان العرب بترتيبات شاملة لاستضافة الفائزين من خارج مصر، ويتحمل كافة نفقات السفر والإقامة، لضمان مشاركتهم وتقدير إبداعاتهم على الوجه الأكمل. وبالتالي، يُعتبر غياب أي فائز، سواء من داخل مصر أو خارجها، غير مقبول إلا في حالات استثنائية محدودة جدا، مثل عدم تمكنه من الحصول على تأشيرة دخول لجمهورية مصر العربية.
إذا، الحضور هنا ليس شرطا شكليا، بل جزءا من احترام الجهد الإبداعي واعترافا بقيمة الكلمة التي يقدمها كل مبدع، لتصبح التجربة كاملة، حية، وملهمة لكل المشاركين والجمهور على حد سواء.
_ هل يوجد مسابقات أخرى في الشّعر، أو القصّة لهذا العام؟
في هذه الدورة الثانية عشرة لمسابقة الدراسات النقدية، التركيز حول فلسطين في الرواية العربية، وهي محطة بارزة ضمن جدول مسابقاتنا. لا توجد مسابقات منفصلة للشعر أو القصة هذا العام، إذ نولي كل دورة اهتماما خاصا بموضوعها الأدبي.
علما أن مسابقة ديوان العرب سنوية، ومواردنا المالية الذاتية ومساهمات أعضاء الديوان لا تسمح في الوقت الحالي بتنظيم أكثر من مسابقة في السنة نفسها.
هذا التركيز يسمح لنا بتوجيه الموارد والخبرات نحو تعزيز مستوى المشاركة وضمان أعلى درجات الشفافية والمصداقية.
_ هل ترى أنّ المسابقات الّتي تقيمونها تركت أثرًا على السّاحة الأدبيّة؟
بلا شك، لقد أصبحت مسابقات ديوان العرب علامة فارقة في المشهد الأدبي العربي، لأنها لا تكتفي بمنح الجوائز، بل تصنع مساحة حقيقية للإبداع والمقاومة الثقافية. كل دورة كانت محطة تتفاعل فيها المواهب الجديدة مع قضايا الأمة، وتبرز أصواتا لم تكن لتسمع لولا هذا المنبر.
منذ الدورة الأولى حتى اليوم، أثّرت مسابقاتنا على وعي القراء والكتاب على حد سواء، فهي لم تعد مجرد مسابقة، بل منصة للتضامن الأدبي والفكري، وفضاء لحفظ الذاكرة الثقافية. المشاركات، سواء كانت قصصا، شعرا، أو دراسات نقدية، شكلت سجلا حيا للتجربة العربية، ودفعت الكتاب إلى الارتقاء بالمعايير الفنية والأدبية.
في الوقت نفسه، تحولت هذه المسابقات إلى مرآة للتجديد المستمر في الكتابة والتحليل النقدي، ما يرسخ دور ديوان العرب كرافعة للوعي الثقافي ومشعل للإبداع المستقل.
_ ختامًا، ماذا توجّه كلمة للمشاركين، وللعاملين في الموقع، ولأهلنا الصّامدين في فلسطين الحبيبة؟
لدي عدة رسائل أود أن أوجهها، لكل من شارك وكتب، ولكل من ساهم في هذا المشروع الثقافي، ولكل من يقف مع الكلمة الحرة في وجه التحديات. أنتم الشهود على قدرة الكلمة على المقاومة والبقاء، وأنتم من يجعل الصمود حكاية حية تُروى بالصدق والوفاء. مشاركتكم ليست مجرد نصوص أو دراسات، بل فعل مقاوم ينبض بالحياة، وفجر يضيء دروب الأجيال القادمة، ويؤكد أن الأدب ثقافة تحمل الرسالة والمصداقية والهوية.
أود أن أخص بالإشادة صديقى، وأخى الذى لم تلده أمي المثقف والإنسان الأستاذ عادل سالم، مؤسس ديوان العرب، الذي كانت رؤيته المستقبلية ونظرته الثاقبة حجر الأساس لكل خطوة، ونجح بإنسانيته وجهده الكبير فى جعل هذا المشروع الثقافي العربي الكبير منبرا حقيقيا للكلمة الحرة، ومنصة لتجميع الجهود العربية وتقدير المبدعين الشباب. وأقول له إن روح الالتزام والحرص على الثقافة العربية المستقلة التي جسدتها طوال هذه السنوات، هي مصدر إلهام لي ولكل من يتعاون معنا في هذا الصرح الأدبي.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر العميق لجميع السادة الذين شاركوا معنا على مدار 12 دورة من دورات مسابقات ديوان العرب فى لجان التحكيم، وأعضاء المجلس الاستشاري، وأعضاء مجلس التحرير، ولكل من ساهم بأي جهد في التفكير، التنظيم، والتنسيق، لنجاح أنشطة ديوان العرب. جهودكم جميعا كانت العمود الفقري الذي حمل الرسالة إلى أبعد مدى، وجعل لكل نص حقه في التقدير والاعتراف.
وأخيرا، إلى أهلنا الصامدين في فلسطين الحبيبة: أنتم مصدر الإلهام والمحور الذي يدفعنا نحو كل مبادرة ثقافية. منكم نستمد العزم، وبكم نحافظ على الذاكرة، الهوية، والكرامة، فالثقافة هنا ليست مجرد فكرة، بل فعل مقاوم حقيقي. نحن لا ندعي أن كلماتنا تساوي دماءكم، ولكننا قاومنا بما نملك: الحرف الحر، والرواية الصادقة، والكلمة التي تحفظ التاريخ. فكما صمدتم بالدم والحياة، نحن صمدنا بالكلمة.



