حديقةُ الطُّفولة
ضيف اليوم الكاتب السّودانيّ (حاتم الأمين داموس)
سنستمتع بقصّة من قصصهِ الجميلة
وقبلَها، نتعرّف إلى موجز السّيرة الذّاتيّة:
■ حاتم الأمين داموس حاج الحسن
■ كاتب وأديب سوداني، مواليد حلفاية الملوك بالخرطوم بحرى ١٩٧٧م.
فازت بعض قصصه في بمسابقات، وأحرز المركز الأول على مستوى الوطن العربي في فن القصة القصيرة ( مسابقة صلاح هلال الأدبية بمصر ٢٠٢٢م ).
■ خرّيج جامعة أمدرمان الاسلامية/ قسم الصحافة والنشر.
■ يعمل في وزارة الثقافة السودانية منذ ٢٠٠٥م ولايزال.
منذ بواكير صباه، كان موهوبا في مجال الرسم، عاشقا للقراءة والاطلاع، ووجد تشجيعا من والده وأسرته ومدرّسيه.
■ اهتم في دراسته للماجستير بدراسة صحافة الأطفال في السودان وكيفية تحريرها وإخراجها.
■ نشرت بعض الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية رسوماته وقصصه للأطفال.
■ يدير عدة صفحات إلكترونية ثقافية وأدبية بعضها مختص بأدب الطفل (حتومى الظريف) (أبنائي الأعزاء My Dear kids)
■ صدر له هذا العام ٢٠٢٦م عن دار شأن للنشر والتوزيع بالأردن رواية لليافعين بعنوان: (جريمة اختطاف شاعر) وهى رواية بوليسية..
■ له عدد من القصص وروايات اليافعين غير منشورة: مغامرة انقاذ العالم ساتي، فرس يعود إلى وطنه.واخرى في طور الاعداد: حكايات ملك الغابة..
■ كما له دراسات توثيقية في أدب الطفل السوداني في طور الإعداد والأإمال.
نورة وزهور الحديقة
تعيش نورة مع أبيها وأمها وإخوتها الكبار في بيت جميل يقع في أطراف البلدة، وكانت أمام البيت حديقة خضراء جميلة، زرعت فيها أنواع مختلفة من الزهور البيضاء والحمراء والبنفسجية، كما تضم بعض أشجار الفاكهة كالبرتقال، والجوافة.
كانت نورة تنتظر الصباح كل يوم لتذهب مع والدها إلي الحديقة، فقد كانت تلاحظ اهتمام والدها بالحديقة، وعندما يخرج لسقايتها كل صباح كانت نورة تتبعه وتجري وتلعب وسط الزهور الملونة المتفتحة، وحولها الفراشات المختلفة الألوان والأشكال، والعصافير التي تملأ الجو تغريداً وغناء.
وكان والدها يحمل إناء الماء ليملأه من الحنفية الكبيرة التي كانت تقع في طرف الحديقة، عندها كانت نورة تجرى لتساعده وتحاول حمل الإناء بدلاً عنه، فتجده ثقيلاً عليها، فتتركه وهي تشعر بالخيبة، بينما كان والدها يضحك..ويضحك.. حتى يكاد أن يسقط على الأرض.
وعندما يقوم والدها بالطواف على الحديقة ليسقيها الماء، كان يعرفها بأنواع الزهور ومعانيها، ويكررها أمامها كل يوم حتى حفظتها وكانت تسمعها له، فهذه الزهرة البيضاء هي النرجس ومعناها الشهامة والنخوة، وهذه الزهرة الصفراء هي السوسن وتعني المديح، وهذه تدعي زهور شقائق النعمان التي تعني شوق وانتظار، وتلك زهور الزنبق وتعني قمة الجمال، وتجاورها زهور الأوركيد التي تعني الحسناء وهي متعددة الألوان..
كذلك عرفها والدها بأنواع الفراشات ذات الأجنحة الملونة الجميلة الأشكال، فهذه فراشات الزرقاوات، ولها ألوان زرقاء لامعة، وهذه الفراشات تسمى النحاسيات لأن ألوانها حمراء برتقالية زاهية ..)
وعندما تغادر نورة الحديقة بصحبة والدها باتجاه البيت كان والدها يحملها على كتفه، ويقول وهو يضحك:"ما أجملك يا حديقة بيتي! فأنت تضمين أجمل الزهور والفراشات والعصافير والطيور، ولكن جمالك لايشبه جمال حبيبتي نورة ها ها ها"..
وتضحك نورة كثيراً لهذا القول..
وذات يوم مرض والدها مرضاً شديداً، فنقلوه إلي المستشفى القريب بواسطة عربة الأسعاف البيضاء اللون، وحملت العربة والدها سريعاً وانطلقت به وسط الشوارع إلى المستشفى، وهي تطلق صافرة الإنذار، وذهبت معه أمها بينما ظلت نورة وأخوتها بالبيت مع خالتهما..وكانوا يبكون..
وافتقدت نورة والدها الحنون.
واشتد المرض على والد نورة مما اضطر والدتها على أن تمكث معه بالمستشفى.بضعة أيام..
كانت نورة خلال هذه الفترة لا تستطيع أن تذهب إلى الحديقة، وذلك بسبب إخوتها الذين كانوا يخوفونها من الذهاب إلى هناك، فقد كان إخوتها يحبون اللعب داخل البيت ولا يحبون الحديقة، لأنهم كسالي لا يحبون أن يعملوا، وكانوا يقولون إن العمل بالحديقة متعب، لذلك كان والدها لا يحب أن يصطحبهم معه إلى الحديقة وقت سقايتها والعناية بها ..فقط كانت نورة تحب فعل ذلك، وتحرص أن تكون مستيقظة ومستعدة عند الصباح، عندما يقوم والدها بفتح الباب للخروج إلى الحديقة..
وعندما مرض والد نورة، لم تجد الحديقة من يعتني بها، فذبلت معظم الزهور عندما لم تجد الماء، وكانت نورة تراها من البلكونة فتدمع عيناها، لعدم استطاعتها فعل شيء..
ومرة نزلت نورة مع أخواتها إلي الحديقة بعد إصرارها الشديد، ولكنها ندمت على ذلك، فقد قام أخوتها بقطف الزهور الباقية التي لم تذبل لعدم الماء،كما طاردوا الفراشات والطيور التي طارت بعيداً.. بعيداً .. وحزنت نورة كثيراً.
بعدها لم تخرج نورة مع أخوتها إلا لزيارة والدها بالمستشفى..
فرح والدهم بزيارتهم، ولكنه لم يكن يتحدث كثيراً، لأن الأطباء طلبوا منه عدم التحدث.
ولكنه كان ينظر إلي نورة كثيراً، وكأنه يسألها عن الحديقة، ومن الذي يعتني بها.
أحست نورة بذلك فخرجت من الغرفة تبكي.
فصادفها عمها هاشم الذي جاء لزيارة أبيها، وعندما وجدها تبكي احتضنها وهو يطمئنها، وقال لها:
نورة صغيرتي .. لا تبكي سيكون والدك بخير، بإذن الله".
فقالت نورة: أنا يا عم هاشم مطمئنة على والدي، لكن أنا حزينة على حديقتنا.. فقد ذبلت أزهارها وعطشت أشجارها، ولم تجد من يعتني بها"
فضحك عم هاشم، وقال لنور: "لا تقلقي.. سأذهب معكم لسقي الحديقة وبعدها سأزوركم كل مرة لسقايتها، فأنا أعرف مقدار محبة والدك للحديقة.
وفرحت نورة لما سمعت هذا الكلام وجففت دموعها.
وأخيراً ستعود الحديقة كما كانت، بأزهارها وثمارها وفراشها وعصافيرها..بفضل عم هاشم.
عندما أتي موعد زيارة والد نورة بالمستشفى، كانت نورة تحضر مفاجأة لوالدها. لم تخبر بها أحداً سوى عمها هاشم..
وعندما نظر إليها والدها مثل المرة السابقة، تظاهرت نورة بالحزن وخرجت من الغرفة، وبعد مدة قصيرة عادت إلي الغرفة وهي تحمل في يدها أزهار جميلة ملونة، وقدمتها لوالدها وقالت : هذه أزهار حديقتنا ياوالدي" كانت مفاجأة للجميع، ولكن سرور والدها بها كان أكبر
وبعد يومين أوصى الطبيب الذي يتابع حالة والد نورة بإمكانية خروجه من المستشفى.، فقد تحسنت حالته.
وحضرت نورة مع عمها هاشم وإخوتها إلى المستشفى لمرافقة والدها إلى البيت.
ولما قابلها ذلك الطبيب الذي كان يتابع حالة والدها قال لها :"ماذا فعلتِ بوالدك يا شقية؟ فقد شفي سريعاً من المرض وقالوا لي أنه بسببك".
ضحكت نورة وقالت: إنها زهور حديقتنا".
وبعدما خرج والدها من المستشفى إلي البيت صحيحاً معافى، رجع ليعتني بالحديقة التي أصبحت أفضل مما كانت عليه، جميلة بأزهارها وثمارها وعادت الطيور والفراش إليها. كما عادت نورة تجرى وتلعب بين أزهارها وأشجارها. المخضرة.
وزاد العمل بالحديقة، وذلك بعد طلب المستشفى الذي عالج والد نورة ببيع منتج الحديقة من أزهار ليوزعوه على مرضاهم بالمستشفى ليسارع في عملية شفائهم..
فأصبح الجميع يتعاونون في العمل بها، بما في ذلك إخوتها والعم هاشم
