الأحد ٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم ميادة مهنا سليمان

حوار مع الكاتب الفلسطينيّ بسَّام أبو شاويش

بسَّام أبو شاويش:

"الأحلام لا تموت...تبقي حية رغم قسوة الظروف..هي تقاوم الفناء وتمنحنا القوة لنواصل العيش...مهما بدا الحلم مستحيلا إلا أنه يبقي حياً"

* موجز السّيرة الذّاتيّة للضّيف:

_مواليد غزَّة عام 1961

درسَ الإعلام في جامعة الأزهر في غزّة

لديه ثلاث روايات:

أنا آتيك به
ولو بعد حين
بورتريه قديم
ومجموعتان قصصيّتان:
زمن الكاتيوشا
موت على الضفة الأخرى...

ولدتَ في غزَّة، وبعد حصولك على الثَّانوية العامّة غادرتَها إلى دمشق، للالتحاق بجامعتها، لكن حصل الاجتياح الإسرائيليّ للبنان عام١٩٨٣، فتركتَ الدّراسة، وتطوّعتَ في صفوف (حركة فتح)،
ماذا تحدِّثنا عن هذه الفترة النِّضاليَّة من حياتك؟

...كان عام ١٩٨٢ مختلفا بكل المقاييس والمعاني إذ انتقلت فجأة من حياة الطالب إلى حياة الفدائي المقاتل على خطوط النار، عندما حدث الاجتياح الاسرائيلي للبنان تلك السنة ..رأيت الطلبة أمام مكاتب فتح يسجلون أسماءَهم فلم أتردد..بعد أيام كنا نخوض تدريبا عسكريا في البقاع اللبناني، وتم توزيعها على القطاعات العسكرية..

..كانت تجربة الحرب مختلفة وغنية رغم قسوة الظروف ..عشنا أوقاتا صعبة وواجهنا الموت يوميا لكننا كنا ننجو ونواصل...أظن أنني في هذه المرحلة تعمدت بالنار وبدأت نظرتي للحياة تصبح أكثر عمقا..خلال الحرب التقيت بنماذج متنوعة من البشر...كل مقاتل كان يمثل لي تجربة حياة مختلفة خصوصا وأن هناك طلبة قدموا من جامعات أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق...

كنا نمارس قناعاتنا إلى أبعد الحدود...ترسخ لدي احساس قوي وعميق بأننا في المكان الصحيح الذي لابد أن نكون فيه...لم نكن نتردد..كان ثمة تنافس على المهمات الخطرة...ورغم الموت الذي كان يلاحقنا فقد كنا محظوظين.. نجونا.. المصادفة وحدها، وربما العناية الإلهية أبقتنا أحياء كي نروي قصة الحرب والبطولة التي تجلت خلالها من قبل المقاتلين الذين لم يسبق لهم خوض أي حروب من قبل...

..بعد الخروج من لبنان عدت إلى دمشق ولم أمكث طويلا فقد تم نقلنا إلى البقاع فقد كانت القيادة حريصة على إعادة الانتشار في لبنان ولو بعيدا عن خطوط المواجهة مع العدو وكان هذا الأمر مؤقتا...إذ سرعان ما تم تشكيل مجموعات قتالية للعمل خلف خطوط العدو الذي كان يحتل الجبل وبيروت وطبعا الجنوب ..ولم تمضِ سوى بضعة أشهر حتى وجدنا أنفسنا نقاتل مع القوى الوطنية لتحرير جبل لبنان من الانعزاليين...تلك أيضا كانت تجربة قاسية ومختلفة عما سبقها...

..خلال هذه المرحلة كنت أستغل أوقات الهدوء لأمارس هوايتي وشغفي القديم بالقراءة...دائما كان بحوزتي روايات ودواوين شعر و كتب في السياسة والفلسفة...كنت أتردد على المكتبات كل شهر عندما نتقاضى الراتب لأنتقي ما أرغب بقراءته...ربع الراتب كان يذهب إلى الكتب وكنت فخورا لذلك...طبعا تابعت في تلك المرحلة الصحف اللبنانية خصوصا (السفير والنهار)، واهتممت بملاحقها الثقافية...تعرفت أيضا حينها على كتب (منيف وجبرا والأعمال الشعرية لمحمود درويش ومعين بسيسو وأدونيس وغادة السمان)، وآخرين إضافة إلى كتاب غربيين خاصة (كافكا وجيمس جويس)، ولكن كنت شغوفا بالأدب الروسي فقرأت (دوستيوفسكي وبوشكين تولستوي وغوغول)...ومن الشعراء (حمزاتوف ومايكوفسكي)...

أخذتني الحياة بعيدا عن الدراسة الأكاديمية وانخرطت في العمل الفدائي طوال اربع سنوات ...ثم انتقلت إلى اليمن لأعمل ضمن القوات الفلسطينية هناك وخلال تلك المرحلة الهادئة انكببت على القراءة كما لم أفعل من قبل..كان الفراغ كبيرا ولابد من ملئه...وهل هناك أفضل من الكتب والقراءة...كان في المعسكر مكتبة ضخمة حوت معظم أنواع الكتب من الأدب إلى التاريخ والسياسة إلى كتب التراث والشعر...أمضيت معظم وقتي في القراءة ووجدت لدي حافزا للكتابة فبدأت اكتب ..بدأت بالقصص القصيرة والشعر ولم يكن ثمة مجال للنشر..كنت أكتب لنفسي وربما لبعض زملائي في المعسكر...

_ في أيّ عامٍ كانت عودتُك للدِّراسة؟ وما العقبات الّتي واجهَتكَ؟

...بعد مرحلة صنعاء عدنا إلى أرض الوطن بموجب اتفاق أوسلو...وأخذتني الحياة العملية وضغط الوظيفة إلى عام٢٠٠٣ حيث أتيحت لي الفرصة للالتحاق بجامعة الأزهر فدرست الصحافة واستطعت أن اواءم بين متطلبات الوظيفة والدراسة...

حدِّثنا عن الجهات الإعلاميّة الّتي عملتَ لديها؟

لم أكن مهتما بالعمل في الإعلام ربما لأن الفرصة كانت متاحة لي لأنشر كتاباتي في الصحف المحلية...فقد نشرت عشرات القصص القصيرة والمقالات السياسية والقليل من الشعر بين حين وٱخر...

كيف بدأت بوادر الكتابة الأدبيّة؟ ومن الأدباء الّذين اتّخذتَهم قدوة أدبيّة؟...

بوادر الكتابة بدأت معي في وقت مبكر...أول نص نشرته كان في مجلة (الهدف ) التي كانت تصدرها الجبهة الشعبية في دمشق...كان عبارة عن قصيدة حماسية بلغة مباشرة...وحينها كنت أكتب بعض القصص القصيرة التي لم تجد طريقها للنشر...عندما قرأت قصيدتي في الهدف وكانوا قد نشروها في بريد القراء كنت فخورا وسعيدا لكن أحد اصدقائي الذي كان يقرأ قصصي القصيرة قال لي ناصحا أنت لست شاعرا، ركز على القصة القصيرة وستتفوق وقد سمعت كلامه وعملت بنصيحته وأظنه كان محقا...

..واصلت الكتابة والنشر في الصحف المحلية مركزا على القصة القصيرة وعام ١٩٩٨ نظمت وزارة التعليم العالي مسابقة أدبية في الذكرى الخمسين للنكبة وشاركت بقصة قصيرة حصلت على المركز الثاني على مستوي فلسطين...
تأثرت بعدد من الروائيين العرب والأجانب..من العرب (منيف وجبرا وكنفاني وأكيد نجيب محفوظ ويوسف ادريس والعقاد وأدوار الخراط).

ومن سوريا حنا مينا..أما من لبنان فقد كان توفيق يوسف عواد هو الأكثر تأثيرا...أيضا كتابات الطاهر وطار وبن جلون الأعرج تركت في أثرا ما...أما الأجانب فالتأثير الأكبر كان للأدباء الروس إضافة إلى هوغو وشكسبير واوسكار وايلد وديكنز...ومن الولايات المتحدة هنري ميللر وجون شتاينبك ...ولعل كتاب أمريكا اللاتينية كانوا الاكثر تأثيرا في مرحلة لاحقة خصوصا ماركيز وكويللو....وإيزابيل اليندي...

..لكن الاكثر تأثيرا كان اكتشافي للأساطير وخصوصا الإغريقية...انهمكت طوال أشهر في قراءة تلك الأساطير وبحثت عن ترجمات متنوعة لها...وكنت أعيد قراءتها مرة بعد مرة...إلى جانب أساطير بابلية وكنعانية وآشورية لكن أساطير الإغريق كانت بلا شك هي الأكثر والأبعد تأثيرا...

السّنوات التي عشتَها متنقّلًا بين سورية ولبنان، ماذا تتذكّر منها الآن؟ وبمَ أغنتكَ على الصّعيدَين الأدبيّ، والحياتيّ؟

....أظن أن السنوات التي عشتها متنقلا بين سوريا ولبنان كانت الأكثر ثراء بالنسبة للمخزون الأدبي الذي راكمته خلال تلك الفترة...كانت ثمة فرصة حقيقية لمتابعة آخر الاصدارات الأدبية وحضور الكثير من الندوات الثقافية والأمسيات الشعرية سواء في بيروت أو دمشق...أيضا كانت الكتب متاحة بشكل كبير في المراكز الثقافية والمكتبات العامة، وكانت تلك فترة حراك ثقافي حقيقي مع ما رافقها من جدل حول التجريب وقصيدة النثر وتطور النقد الادبي...وكنت متابعا جيدا لكل هذه القضايا...لكن حدث ما توقف كل هذا الزخم ..فقد تصاعد الخلاف السياسي بين النظام السوري والقيادة الفلسطينية وما رافقه من طرد (ياسر عرفات) من دمشق ثم اعتبار فتح تنظيما محظورا على الساحة السورية واللبنانية ودعم التيار الذي انشق عن فتح ونشوب المعارك في البقاع بين الجانبين...وبدء حملة اعتقالات كثيفة قامت بها الأجهزة السورية ضد الآلاف من أنصار ياسر عرفات...وجدت نفسي معتقلا في أحد أفرع المخابرات السورية في دمشق مع الآلاف من مقاتلي وكوادر فتح...كانت تجربة شديدة القسوة...لكننا صمدنا ولم ننكسر...أعتقد لا معنى الحديث الآن عن ممارسات أجهزة الأمن بحق المعتقلين السياسيين فهي تتجاوز ما يمكن للإنسان أن يتخيله...مع ذلك فقد كانت سنوات الاعتقال مرحلة غنية بالتفاصيل المدهشة خصوصا في السنتين الأخيرتين حيث تم نقلنا إلى سجن صيدنايا سيء الصيت...هناك التقينا بأطياف المعارضة السورية...تعرفنا على رموز المعارضة وسمعنا تجاربهم في سجون النظام خصوصا في سجن تدمر الصحراوي الرهيب...وأعتقد أن تلك التجارب قد أضيفت إلى ماسبق لي أن راكمته من تجارب خلال المراحل السابقة لكنها كانت تحارب شديدة القسوة...وقد كانت ذخيرة مهمة أمامي عندما شرعت بكتابة بورتريه قديم روايتي الأخيرة...

تقولُ في مقالٍ لك:

"حيفا مدينة الله على الأرض، لا مدينة تشبهها...

عندما خلق الله العالم أبقى حيفا حتى اللحظة الأخيرة...أرادها الأجمل، والأبهى، والأروع".

لماذا (حيفا)، هيَ الأجمل؟

فيما يتعلق بحيفا... ولماذا هي المدينة الأجمل...أعتقد أن حيفا مدينة تختصر عدة مدن...في حيفا تشعر أنك في بيروت ودمشق وعمان والإسكندرية وغزة....هي مدينة يلتقي فيها السهل بالجبل بالبحر ...مدينة لبحرها نكهة مختلفة عن المدن الساحلية الأخرى..لها سحرها الخاص بها..زرتها للمرة الأولى في رحلة مدرسية في أواخر سبعينيات القرن الماضي...تجولنا في شوارعها وأمضينا ساعات أمام مينائها..وتعرفنا على بعض السكان العرب..فحيفا مدينة مختلطة يقطنها العرب واليهود...تحدثنا معهم طويلا، وسمعنا عن معاناتهم واحترمنا صمودهم في مدينتهم...من يومها وحيفا عالقة بذاكرتي واظن أنني في تلك المرحلة كنت قد قرأت (عائد الى حيفا) لغسان كنفاني وربما هذا جعل التأثر بالمدينة مضاعفا إلى حد كبير....

بعد ربع قرن من تلك الزيارة عدت إلى حيفا ...هذه المرة كانت الزيارة مختلفة...كان لدي كل الوقت لأتعرف على المدينة والقرى التى تطوقها...وأن ألتقي بأناس من سكانها وأخوض في شوارعها وأزقتها وأتأمل الأبنية القديمة و الميادين و أهبط إلى الشاطىء وتتناول القهوة مع الصيادين و...هذه الزيارة زادت من تعلقي بالمدينة وتمنيت أن أقضي بقية عمري فيها...كان ذلك حلما جميلا...مازال مستقرا في قاع الذاكرة...

تقول النّاقدة الفلسطينيّة(ريتَّا عودة)، عن روايتك (بورتريه قديم):

لكي تكتب عن قضيّة عظيمة كالقضيّة الفلسطينيّة عليكَ أن تكونَ أديبا عظيما ك "بسام أبو شاويش".
ما الّذي قدَّمتَهُ في روايتك، وكانَ مختلفًا عمَّا قدَّمهُ غيرُك؟

في بورتريه قديم...حاولت التركيز على الجانب الإنساني للشخصيات وابتعدت عن النمطية السائدة التي طالما قدمت المناضل وكأنه نبي أو كائن لا يخطىء... اهتممت بالعلاقات الإنسانية وابتعدت عن المبالغات الفجة وأيضا ركزت على التاريخ...سعيت لتقديم التاريخ من خلال رواية وليس تاريخا مدرسيا...أردت إبراز المحطات المفصلية في مسيرة النضال الفلسطيني...

عن الرّوايةِ ذاتها، أيضًا تقول النَّاقدة ريتَّا:

" كان موضوعيّا جدًّا وهو يتحدّث عن السلبيات التي واكبت مسيرة النّضال الفلسطينيّ منذ انطلاقة الثورة الفلسطينيّة المعاصرة وحتّى اتّفاق أوسلو".

ما هي -بإيجاز- هذه السّلبيّات؟

ما يجعل الرواية مختلفة أنني كما أظهرت الجانب المشرق والإيجابية الشخصيات فقد أبرزت الجانب الٱخر...تحدثت عن السلبيات والسقطات التي مرت بها الثورة خلال مسيرتها خصوصا فيما يتعلق بالانتهازيين والطفيليين الذي اعتبروا الثورة بقرة حلوب حاولوا استغلالها لمصالحهم الشخصية كما أشرت بوضوح إلى ظاهرة الفساد التي ظهرت بوضوح بعد أوسلو والتي كانت خجولة في مراحل سابقة...

في الحقيقة (بورتريه قديم )رواية كتبتها بحبر القلب ومداد الروح وكنت في ذروة الشغف ولم أتورط فيها إلا بعد أن شعرت بالأمتلاء الفني وأنني قادر بالفعل على الإتيان بشيء جميل ومختلف ومدهش...

ختاما أعتقد أنني قدمت رواية صادقة بدرجة ما... فيها الكثير من لهيب الأبداع....

في نصٍّ نثريٍّ لك بعنوان(حلم)، تقول:

"أحلم أن نمارس رياضة المشي معا
على كورنيش حيفا
أن نذهب للتسوق...
أن وأن وأن....أحلم بأشياء كثيرة
وأثق أن... الرب العادل سيمنحنا فرصة أخيرة.."

_ هل أخذت الحربُ أحلامَ حبّك، أم أنّك استطعت تحقيق جزء منها رغم قسوة الحياة عندكم؟

الأحلام لا تموت...تبقي حية رغم قسوة الظروف..هي تقاوم الفناء وتمنحنا القوة لنواصل العيش...مهما بدا الحلم مستحيلا إلا أنه يبقي حياً...ربما جعلته الحرب من قبيل المستحيلات، لكن يبقى ثمة بصيص أمل بأن شيئا ما قد يحدث ويجعل الحلم قابلا للتحقق...مثلا..قبل الحرب على غزة تلقيت دعوة من وزارة الثقافة لحضور معرض الكتاب في رام الله..الدعوة شملت معظم أعضاء اتحاد الكتاب في غزة...كان لابد من الحصول على تصريح من الجانب الإسرائيلي...للأسف تم رفضي وبرروا الرفض بأنني ممنوع أمنيا...ولم أذهب وحينها شعرت أنني قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم ، لكن الرفض الإسرائيلي نسف الحلم، وإن لم يقتله، فجذوته مازالت مشتعلة في الذاكرة....


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى