السبت ٢١ آب (أغسطس) ٢٠١٠

خليل المياح يغذ السير باتجاه الثقافة النقدية 

وجدان عبدالعزيز

نحن نبقى نعيش مع (الـ لماذا ؟) قلقا مستمرا، أي بمعنى تحمل استمرارية القلق هذه آفاق من الفلسفة، ونظل نبحث عن حل للغز الكون، بل نبحث عبثا عن حقيقة المادة أو عدم حقيقتها وعما إذا كانت المعاير الأخلاقية موضوعية أو ذاتية أو عن العلاقة بين العقل والبدن، حتى نقف عند مصطلحات فلسفية ونتوه بين أبعادها الفكرية كمثال تحليلي، مقولة، كلي، جدل، معطى حسي، وقد أخذت هذه المصطلحات أبعاد المذاهب كالواقعية، والمثالية، الواحدية، والبنائية، والتصورية، والعقلية، والتجريبية، ثم اننا نجد هذه المذاهب ماهي إلا هياكل لمواقف فلسفية، فبين هذا الخضم الواسع من المماحكات الفكرية والجدلية، عاش الكاتب خليل الميّاح هذا الصراع بانفتاح على كل الرؤى الفلسفية، حتى استوت لديه قدرة الرفض أو القبول والتي تركها تعشعش بين سطور مقالاته، رغم أن جرأة الطرح موجودة إلا أنه كان متعبا ومجهدا بين هذه التيارات، ولا نشك أن هذا التعب قد أخفى معانيه وجعلها في منأى عن الإمساك السهل.. وبعد التمعن كانت صرخته المدوية التي أطلقها كما أطلقها الحلاج قبله داحضا مظاهر الأقوال كما قلت داخلا إلى خوافيها برفض (أن الدين هو الطاعة والانقياد والتسليم) منحازا بقدرات العقل إلى قول النظاّم:

(أن ليس في وسع الله التدخل في كل شيء)، وقد تكون هذه المقولة حلا لإشكالية وجود العقل عند الباحث المياح مباركا الحقبة الاعتزالية في الإسلام والاحتكام إلى (أن الانحراف في الموقف الحضاري يؤدي إلى تفسيرات وأبنية فكرية تخضع للأهواء والأمزجة ولا تخضع للعلم وتحليل الواقع) وهي محاولة أخرى من الكاتب لوضع أسس لانطلاق تأسيس جديد للهوية، لأننا بصدد عصر (الرأسمالية المتوحشة والعولمة التي تريد المساواة بين الذئاب وبين فرائسها) ويصف قبل هذا الثورات الدينية في مراحلها الأولى، بيد أنه ينحاز إلى الناقد التاريخي محمد أركون، بحيث ثبت بأن (الوحي نفسه كان الواقع هو جذره الفلسفي وجدله الصاعد) وأعتمد الباحث على صيحة نيتشة (مات الله)، فهذه الدعوة ليست موت الله في المطلق، أنما تبيان موت صيغة الأيمان المسيحي التقليدي الذي كان مسيطرا طيلة العصور الوسطى.

وكل هذا هو تعميق لأحياء العقل الذي يناقض إصرار الوهابيين والتكفيريين التشبث بمقولاتهم اللاهوتية، فيكون التصدي لهم بلاهوت التحرير الذي يتطرق إلى تحرير الإنسان وتحرير الأرض كما دعا لها (علي عبد الرزاق، وخالد محمد خالد) ومفردات التصدي هذه لابد لها من أخلاقية الانفتاح ونبذ (النظرة الاستعلائية وتبخيس العامة عبر التاريخ)، رغم أنها تكرست عبر مسارات بناء العلاقات الإنسانية، وقد ننحاز مع الكاتب لقول بيكون (أن الإنسان يرفض التجربة بسبب الغطرسة ويرفض المخالفة خوفا من الرأي العام) والرأي العام مصادر من قبل السلطة دليل الكاتب في هذا مبايعة يزيد (حيث بسط يديه فبايعوه وانصرفوا عنه يمسحون أيديهم بالحيطان ويقولون: أيظن أبن مرجانة أننا ننقاد له بالجماعة والفرقة) والكاتب في مقالاته يحاول استفزاز الوعي والعقل وهو يثبت الفرضية التاريخية التي تقول أن العشوائية والفوضى لن تؤدي إلى نشوء الدولة وأعتمد الدعوة الجريئة من قبل ماركس حيث قال: (لقد أقتصر الفلاسفة حتى الآن على تفسير العالم والآن ينبغي تغييره ) وأضاف الكاتب (وحتى نمسك بالحقيقة ينبغي عدم نسيان المرحلة التاريخية الأساسية، أي كيف نشأت الدولة تاريخيا كظاهرة معيّنة ) والحالة الإيجابية التي سار عليها الباحث، هي طرح جميع الآراء ومقارنتها للوصول إلى خلاصة رأي خاص به، حتى ولو لم يطرحه بصورة مباشرة حيث يقول: (وبتاريخ 11 / 4 / 2009 وفي الملتقى التربوي ألقى الأستاذ عبد الرحيم ألحصيني مستشار دولة رئيس الوزراء المالكي محاضرة بعنوان (المقاصد في فقه الدولة عند السيد محمد باقر الصدر) قال فيها (أن الدولة شيء ما الهـي، شيء ما خارق، وأنها قوة ما عاشت بها البشرية وأنها تعطي الناس أو ستعطيهم شيئا إلهيا ليس من الإنسان) وكان رأي الكاتب المياح كرد هو: لقد تحولنا من أحرار في المدينة الرسولية إلى رعايا عبيد في المدن الأموية السلطانية والبوادي العباسية وهي إشارة واضحة لانحراف تلك السلطات عن روح الإسلام وفلسفته الحقيقية وأخذ مثال أبا ذر كونه ممن كان على خط الإمام علي رجل الإسلام الفذ: وطرح رؤية الفارابي في الدولة وكان الهدف من هذه الرؤية هو ( تحرير الإنسان من عشوائية الطبيعة وعشوائية النفس).

وظل الباحث كما نوهنا في حالة افتراضية الرضى أو عدم الرضى وانقسام المثقفين في الاستغناء عن الدولة أو البقاء على تنميتها وكان الفريق الأول يدعوا لعدم الحاجة إلى الدولة في حالة استقرار السلام والخير على صواب نسبي، والفريق الثاني يقول بوجوب تأسيس الدولة في كل الأحوال، وطرح بهذا الخصوص تفنيد ماركس لآراء أستاذه هيجل بخصوص خلود الدولة، ثم قال المياح: (نحن كيساريين وحتى الليبراليين منا مطالبون باكتشاف أقاليم جديدة للمعنى وزحزحة المعاني العتيقة عن مركزيتها) (ولنا في تجربة المعتزلة الجريئة في ابتداع المنزلة بين المنزلتين وهي خير مرشد وهاد...) وانحاز بهذا الخصوص إلى أراء ابن مسكويه في ان (الفرائض الدينية بمثابة وسائل لضم شمل الأمة وتوحيد لحمة المجتمع أكثر مما هي وسائل لعبادة الخالق)، واستقر الكاتب على رؤية إحلال الفكر العقلاني بديلا ايديلوجيا لأطروحة الدفاع الجهادية والخروج من النظرة المذهبية الاشعرية التي ترفض فكرة التقدم، وحصر الكاتب المياح التعرف على الظاهرة الدينية بالتاريخ المقارن للأديان والدليل (أن التوراة والإنجيل والقرآن جاءت لتعبر عن أعماق الإنسان وحنينه إلى الخلود والكينونة وهذا مما يفسر صمودها بوجه الزمن المتقلب الأهواء حتى الان ).... وكان الكاتب في منجزه الإبداعي هذا ينحاز إلى العقل والفكر الحر من اجل انجاز حضاري يخلد فيه الإنسان في البناء وتكوين الكينونة القريبة من المثالية في بناء الدولة والمجتمع بعيدا عن التهميش والاستعلاء كما نوهنا في البداية.. 
 
كتاب (استقلالية العقل ام استقالته؟) الكاتب خليل المياح / دار الينابيع / دمشق ـ سوريا ط1 لسنة 2010 م

وجدان عبدالعزيز

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى