الخميس ١٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
بقلم إبراهيم النمر

دقات منتظمة فوق جدار الزمن ..

استراحة :

عندما كنت صغيرا كنا نجلس إلى جدي – في مغارب الشتاء المرتعشة – حول ركية النار التي تلفح وجوهنا فتبدد الرعشة من أبداننا وتلهب كنكة الشاي الأحمر بلهيبها .

دقات منتظمة فوق جدار الزمن ..

ركية النار جاثية على وجه الأرض , وخيال الدخان يفر لأعلى – مطاردا من قبل الدخان – هاربا إلى السقف , يختبأ في ما بين العروق , الدخان لا يدعه وحيدا فيذهب في إثره إلى مخبأه ويلتصق به – في ما بين العروق - .

جدي كان منشغلا عن تلك المطاردة يصب الشاي في الأكواب المزينة بالبطة والوردة , فرغ جدي من صب الشاي وتقليب السكر , وأعطى كل منا كوبه , ثم رشف رشفة من كوبه .. وقال (قال لي جدي عندما كنت صغيرا ) كل يوم قبل الصباح يتثاءب الجبل الكبير ويضع يده الغليظة على فمه الواسع , وكل عام قبل الربيع يتثائب الجبل الكبير ولا يضع يده الغليظة على فمه الواسع , فيهب الهواء باردا .. وقويا يهب الهواء طاردا كل ما أمامه , وغزيرة تهطل الأمطار مغرقة كل ما تحتها .

* * *

هذا ما يحدث كل عام , ما لم تهدي القرية خير شبابها للجبل يوم أن تزهر زهرة الصبر الكبيرة على ظهر الجبل الشيخ , هكذا قال جدي ثم نظر إلي وقال : الجبل الشيخ يقبل الهدية ما دامت قد بلغت العشرين وولدت يوم تفتح زهرة الصبر الكبيرة , فرغ جدي من كوبه ووضعه على الأرض ومسح فمه بكم جلبابه الواسع وأردف قائلا في عامي العشرين اختارني مجلس الكبراء .....

ذهبت إلى المجلس فقالوا لي أن الموعد المنتظر هو فجر اكتمال القمر , وفي تلك الليلة – ليلة اكتمال القمر - تغتسل من بئر الكبراء , وتأخذ معك القليل من الماء وتذهب وحيدا , دون أن ترى أحدا , أو أحدا يراك , وفي الفجر ومع أول شعاع للشمس سيأتيك الرخ يرف , يأخذك بالمخالب ويرفعك للجبل , فيقبلك الجبل عنا هدية , فتحمي بيوتنا .. وحقولنا .. ونفوسنا ..

* * *

جاء أول شعاع للشمس , فحمل إلي برد الخوف , وأقبل الرخ يرف فغامت عيني , وحملني من كتفي – غير أني لم أغب عن الوعي – ورفعني وألقى بي للجبل , فلم أستطع أن أحرك ذراعي من ألم كتفي , فاختل توازني ووقعت على وجهي .
نهضت أتحسس كتفي بيدي , وأقلب فيما حولي عيناي حتى وجدت فم الجبل الواسع , فسرت إليه وضممت يدي إلى صدري , وجلست في خضوع منتظرا أن يمد الجبل يده الغليظة و يقذف بي إلى فمه الواسع .

هب الهواء ـ من فم الجبل ـ قويا باردا حتى أوقعني على ظهري , فاعتدلت وجلست ـ مرة أخرى ـ في خضوع , من فوقي هطلت الأمطار غزيرة فأحسست أن عينا الجبل ترثى لي .

من داخلي .. من بعيد .. سمعت دقات أقدام تتعثر في الطين , بصرت خلفي فوجدتني ألقي بنفسي من فوق الجبل .
حذرا ذهبت إلى حافة الجبل , واتجهت ببصري ناحية القرية , فلم أجد سوى نخلا يقاوم الهواء والماء , وعندما أطرقت .. وجدت جسدي طافيا فوق وجه الماء .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى