الأحد ١٥ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة حلقة 16 من 18

في المساء عندما جاء سعيد لتفقد أحوال الأســرة كعادته تعمدت الأم الخروج لإعداد الشاي و هي موقنة أن حديثا هاما لابد أن تنتهي منه ريم مع سعيد ، بادرته ريم :

 كنت سمعت أن عرضا مغريا لشراء لوحة لاجئة قد جاءك فهل بعت ؟
أطرق سعيد ، داخله غضب من هذا السؤال شعر أنه يريد أن يصرخ ، أن ينهض ليهز فيها الاعماق ، ليحرك بحرها الراكد ، ليقتلع بردوها ، تجاهلها ، هدوءها قال و هو يكز على شفته السفلى :
 ستة أعوام يا ريم ، ستة أعوام و مازلت تسألين ببرود قاتل ، ألم تعرفي بعد ، هل فشلت إلى هذا الحد في إيصال مشاعري إليك ؟
فركت ريم يدها و تنهدت و هي تقول :
 لم تصدقني يا سعيد عندما أخبرتك أنني تغيرت •• أعتبرتها من قبيل الحجج الواهية ، لكنني فعلا تغيرت ••
تجربتي مع سهيل لم تكن سهلة ، كانت خليطا مريعا من الأحاسيس •• منذ طلاقي لم أتحدث مع مخلــــوق بهذا الشأن ، لكنني أجد نفسي مــدفوعة للحديث إليك •• لأنك أنت ، و أنت تحديدا من أنقذني منه ••

أجابت على سؤال عينيه بابتسامة حزينة و قالت كأنها تحدث نفسها :
 في ذلك اليوم حلمت بك ، كنت تصيح بي أهــــربي يا ريم ، هيا أهربي •• لم يكــن حلما يا سعيد كان رسالة خلاص ، كان عملية إنقاذ أنت قائدها •• رغم دموع سهيل النادمة يومها كان صوتك أقوى ، كنت أسمعه يطغى على كل واقعي ، يبـــسط نفسه على إرادتي ، و في ذلك اليوم تحديدا ، وصلت مع سهيل إلى مرحلة انكسار لن تتخيلها مهما حاولت ، قدمت له بيدي السكين ليقتلني •• كنت جادة جدا فيما أفعل ، في لحظة هانت الدنيا ، هانت الحياة ، فرغت تماما ، صارت عدم ، في لحظة رفض كل سنتيمتر في جسدي البقاء في الدنيا •• كانت كرامتي مذبوحة ، كنت ضعيفة ، كنت منكسرة ، كنت وحيدة •• شعرت أنني مت فعلا و لم يبق سوى خروج الــــروح ، فجأة شعـــرت أنني ضئيلة ، ضـئيلة جدا ، و لا أستحق الحياة ، القيت إليه بالسكين و رجوته أن يقتلني ••

لحظة إنكسار مــــريعة ، يصعب وصفـــــها ، لـــكنها وسمتني إلى الأبد •• أحرقت بيادري ، و حجمت مشاعري ، جعلت قلبي مجــــرد مضخة دم يؤدي وظيـــــفة ثانوية تمنحني حياة لا أريدها ••
منذ ذلك اليــوم و أنا أسخر حتى الـــــذوبان من أي عبارة حب ، من أية أغنية حب ، من أي قصة حب •• يقين داخلي جعل من هذه الكلمة شيئا مقرفا يشبه مضغة من لحمي يلوكها سهيل ثم يقذفها أرضا و يدوسها بقدمه ••

الحياة كلها كانت تؤكد هذا اليقين يوما بعد يوم ، كل موقف مررنا به ، كل يوم عشنا فيه المرارة و الذل ••كل التفاصيل ، و كل العذابات ، كانوا يمنحونني مباركتهم على يقيني •• أنت الشيء الوحيد الغريب في منظومة الكون حولي ، أنت الوحيد الذي مازال يؤمن بأن مضخة الدم في جوفه قادرة على ضخ الحب ، و لسوء حظك فإنني أنا بالذات المعنية بهذا الحب ••
صدقني يا سعيد أنا لا أستحقه •• لا أفهمه ، لا أشعر به •• لا أريده ••

كانت عينا سعيد قد امتلئت حتى فاضت بدموع صامتة ، قال و هو يضرب كفا مكورا في كف :

 المجرم ••

فقالت و هي تجلس بجواره :

 ستــــندهش إذا عرفت أنني رغم كــــل شيء سامحــــته ، لم أعــد أشعر بكراهية تجاهه ، لا كراهية ، و لا حب •• ربما لأن قلبي لم يعـــد يحمل مشاعر •• لم يعــــد قـــادرا على حب ، أو على كراهية ••

أمسك سعيد يدها ، كانت يده باردة ، مبتلة عرقا ، قال و هو يضغط عليها :

 أنت خائفة يا حبيبتي •• مذعورة •• قلبك صنع غلافا من قسوة ليحمي به نفسه ، لكنني متأكد أن خلف هذا الغلاف القاسي قلبا حساسا مازال قادرا على الحب و العطاء ، قادرا على مهادنة الدنيا ، على الغفران ، أنت عظيمة يا ريم •• لم يكن ما حدث معك في تلك الليلة انكسارا كما تقولين ، كان انتصار ، انتصرت بنفسك على منطق الغاب الذي فرض نفسه علىكما آنذاك •• رفض الإنسان داخلك لغة الحيوانات و قررت الأنسحاب •• أنسحابك كان انتصارا لإنسانيتك يا حبيبتي •• لابد أن تفهمي هذا •• لابد أن تؤمني بأنك كنت الأقوى ، رغم ضعفك ، و هول الموقف لكنك كنت الأقوى •• لا تجعلي من هذه الحادثة وهما تعيشين فيه •• لا تجلدي ذاتك ، فقد كنت الأقوى •• الأقوى يا حبيبتي ••

كانت دموع ريم تسقط حثيثا •• كانت تشعر بعظمة هذا القلب المحب أمامها ، كانت تتمنى لو تستطيع مجاراته ، كانت تتمني لو يستــــطيع قلبها المتعب أن يتخــــلص من رفـضه و عناده فيمنح هذا الإنسان المحب حقا عليه ، و يكتب معه معاهدة وفاق •• كاد لسانها أن يتمرد عليها فيعلن الموافقة صريحة قوية ، لكن قبلة ساخنة طبعها سعيد على جبينها أودع فيها كل تعاطفه و حبه في لحظة لم تنتبه لها ريم أفاقتها •• نزعت يدها بسرعة ، مسحت دموعها ، كان جبينها ملتهب ، شعرت أن قبلته أحرقتها ، و أدركت أنها أبدا لن تستطيع منحه ما يريد ••
هزت رأسها و قالت بسرعة و هي تغادر الغرفة :
 لا فائدة يا سعيد •• لا فائدة ••لن أستطيع •• لن أستطيع
أطرق سعيد ، لمح دمعته و هي تسقط أرضا مس شفتيه بأصابعه و قال بصوت أودع فيه كل أحاسيسه :

 أحبك يا ريم •• أحبك أيتها المعذبة الصغيرة ••

***

سافر قاسم •• ذهبت معه كل العائلة تودعه ، كان يقبض طيلة الطريق على أوراقه ، يحتضن حقيبته الصغيرة ، يلوذ ببرودتهم من مشاعر قوية كانت تراوده عن التراجع ، كان يتشبث بهما كأنه يتشبث بالحياة ، كان يجلس بجوار أمه ، كانت تحتضنه ، قلبها كان يقول كل شيء لكن شفتيها كانت صامتة ، دقات قلبها التي كانت قوية في أذنيه كانت تقرأ عليه تفاصيل الرسالة ، كان يسمعها تردد آيات القرآن لتحفظه ، و تتلو عليه أدعية كثيرة ، و تخلط حديثها الصامت برجاء لا حروف له ليبقى معها ، كانت سطور رسالتها تتلاحق فتختلط حروفها و تتشتت افكارها ، كان يشعر بيدها تمسد رأسه تارة ، و تحتوي كتفيه تارة أخرى ، كان يشعر بأنفاسها الملتهبة تهب عليه فتحرق بشرته ، لم يجرؤ على رفع نظره إليها ، كان يدرك كم هو ضعيف إزاء عيونها الدامعة ، قالت ريم لتقطع الصمت :

 أين ستقيم يا قاسم ؟
قال و هو يحاول اكساب صوته قوة ليبث الأمن في قلب أمه :
 زودتني السفارة بأسماء و عناوين بعض الفنادق الصغيرة ذات الأسعار المعتدلة ، كما أنهم زودوني بجهات مختلفة يمكن أن أطلب فيها عملا ، أعتقد أن الأمر سيكون بسيطا ••
قالت ريم بصوت حاولت بدورها إكسابه القوة اللازمة :
 أعرف أنك لا تحب كتابة الرسائل ، لكن يجب أن تراسلنا ، تعرف كم سنتلهف على أخبارك ••

قال و هو يتحدث بقلب واجف :
 سأكتب إليكم كل يوم ، لن تشعروا أبدا بغربتي عنكم ، صدقيني ••
نظر لأمه و قد أوشكت السيارة على وصول المطار ، قال بحنان و رجاء :
 صدقيني يا أمي ، صدقيني سأكتب لك كل يوم ، صدقيني سأكون بخير ••
أحكمت الأم لف ذراعها حوله ، ربتت عليه و لم تتكلم ، كانت تدرك أن أية كلمة تقولها لن يكون لها إلا معنى واحد ا، أن تنفجر في بكاء لن يحتمله قلب الحبيب المسافر ••
وصلوا المطار •• كانت الصالة باردة ، استشعروا برودتها في أعماقهم ، أجلسهم قاسم في أحد الأركان و ذهب لإنهاء إجراءاته ••احتضنت ريم أمها و قالت :
 سيعود يا أمي ، سيعود يا صابرة ••

فجأة بكت الأم ، لم تقو على تحمل المزيد ، كانت ستنفجر ، داخلها كان يهدر ، كانت تريد أن تعبر عن حزنها ، قالت و هي تدفع ريم برفق :
 أنظري هل يرانا ؟
تطلعت ريم إليه ، كان بعيدا منشغلا ، قالت :
 لا يا أم قاسم ، لا يرانا ••
قالت الأم و هي تلتقط دموعها في منديلها ، و تحاول إيقافها بلا جدوى :
 ينبغي ألا يراني أبكي ، سيعذبه هذا كثيرا •• يجب أن أسكت ، يجب أن أسكت ••
كانت تردد الكلمة الأخيرة و هي تبكي ، تكتم شهقاتها ، تجبر نفسها على السكوت فلا تطاوعها عيونها ، و عندما بدا قاسم قادما باتجاههم ، مسحت دموعها بسرعة ، ابتلعت غصتها ، و حاولت رسم ابتسامة ، كان قاسم بدوره يبتسم قال و هو يطالع عيونها الحمراء :
 انتهت الإجراءات ، علي الدخول لصالة التفتيش ، جئت لوداعكم ••

رفعت الأم رأسها نحوه ، لم تجد في نفسها القوة على القيام ، مدت يدها تجاهه فمال عليها احتضنته ، ثم تشبثت به ، فاضطر إلى الركوع أمامها ، كان يحس قوة ذراعيها حوله ، كانت تريد زرعه في قلبها ، كانت تتمنى لو أن حضنها يرغمه على الدخول مجددا إلى أحشائها التي حملته يوما ، كانت تربت ربتات قوية على ظهره ، كانت تقول :

 سأفتقدك يا حبيبي ، سأفتقدك يا قاسم ، سأفتقدك يا غالي ••
بكى قاسم ، لم يستطع مقاومة دموعه ، قال و هو يحكم ذراعيه حولها و يحاول التلطف بها حتى لا يؤذيها :

 لن أجعلك تشعرين بغربتي ، ساراسلك دوما ، سوف تنزعجين من رسائلي المتواصلة إليك ، لقد قدمت على هاتف ، لعله يأتي خلال فترة قصيرة فأكلمك كل يوم ••

أخذ يقبل يديها قبلات كثيرة و يقول :
 لا تنسيني بدعائك يا أمي ، لا تغضبي علي يا أمي ، أنا أحبك يا أمي ، أحبك ، أقسم بالله أنك أغلى عندي من نفسي ••
و أمه في كل هذا ترد مؤكدة أنها لن تنساه ، ستدعو له دوما ، راضية عنه حتى تموت ،
صوت ميعاد الرحلة قطع حديث العاطفة بينهما ، فنهض ، سلم على ريم قال لها و هو يقبلها :
 ستدركين يا ريم أنني كنت محقا عندما تصلك أخباري ، لا تحملي علي في قلبك الشفاف غضبا ، فأنا لست أنانيا ، أو عاقا ، و إنما أبحث عن غدي ، فلا تلوميني يا أختي ••
ربتت ريم على يده و قالت و هي تبتسم و تشرق بدموعها :
 لست غاضبة ، و أسأل الله أن يوفقك فيما أنت ذاهب إليه في غير معصية أو ذنب ••

قبل سمر و احتضنها ، وعدها بالكثير من الهدايا فقالت الأم :
 ضع الله نصب عينيك ياقاسم ، إياك و ترك الصلاة ، إياك و الإستجابة لشياطين الإنس حولك ، بلد غريب و طباع غريبة لا تجعل قلبي يأكلني عليك ••

عاد يقبلها و هو يطمئنها على ما أوصت ، نداء آخر جعله ينزع نفسه منهن نزعا ، تركهن و سار بظهره و هو يشير إليهن ، كن يسرن أمامه ، يلوحن له ، يمسحن دموعهن ، فجأة ظهر سعيد ، كان يركض ، اتجه بسرعة نحوه ، قبله و احتضنه قال :
- كيف تصورت أنك ستسافر دون أن أودعك يا قاسم ••؟
قال قاسم و هو يضرب كتفه :

 كنت أعلم أنك الأكبر و الأعظم يا سعيد ، دوما كنت الأكبر و الأعظم ، إنهم يحتاجونك ، لا تجعل موقف ريم يمنعك عنهم ، إنها أكثر الناس حاجة إليك رغم عنادها ••

تطلع إليهم سعيد و قال مبتسما :

 و هل تعتقد أني سأتركهم ؟

النداء الأخير ، و اختفى قاسم •• قال سعيد و هو ينضم إليهن :
 هيا بنا •• لا فائدة من الإنتظار ••

و استجاب الجميع ، دوما كان له عليهم كلمة مسموعة ، منحوها له منذ أوصاه الأب بهم عندما سافر قبل سنوات كثيرة •• تطلعت ريم إليه و استجابت باسمة للسير خلفه باتجاه سيارته خارج المطار ••
***
بدورها بعد أيام قليلة سافرت ريم ••كانت متحمسة جدا لهذه الرحلة ، جهزت أدواتها بعناية ، و قالت و هي تجهز حقيبتها الصغيرة :
 لا أعرف كم يوما سنبقى هناك ، ربما يومين أو ثلاثة ، لا أعرف ، يفضل أن آخذ معي بعض الأغراض البسيطة ••
قالت لها الأم و هي تبتسم بهدوء :

 تشتعلين حماسا يا ريم

فقالت و هي تهز رأسها :

 بالطبع يا أمي ، إنني أخيرا سألمس عن قرب معاناة شعبي الحقيقية ، هذا سيمنح رؤيتي بعدا أكبر ، و يعطي أدواتي الفنية زخما أكبر ، ليتهم ينظمون رحلة إلى فلسطين نفسها لأراها و أعرفها أكثر ••
ثم انسحبت ابتسامتها الهادئة عن وجوم قائلة :
 رغم أن لاشيء لي هناك ••
فقالت الأم و هي تبتسم :
 لماذا ؟ لك بيت هناك ، بيت أبيك في غزة
فقالت ريم و هي تبتسم بمرارة :
 أخبرني تامر أن اليهود استولوا عليه ، و بعد وفاة جدتي يرحمها الله ، غادر عمي بدر إلى القطاع حيث تعيش زوجته الأخيرة •• قال إنه عجز عن اثبات حقه في البيت رغم أنه عاش فيه عمره كله •• أية مهزلة ؟

قالت الأم و هي تدق جبينها بيدها :
 تذكرت •• لقد تذكرت يا ريم ••
فقالت ريم بدهشة :

 ماذا تذكرت يا أمي ؟
قالت الأم و هي تتجه إلى غرفتها بسرعة :
 اتبعيني ••
تبعتها ريم و راقبتها و هي تفتح خزانتها ، و تخرج حقيبة قديمة كانت قد فتحتها يوما لتخرج منها قائمة بأسماء و عناوين الأقرباء ، اشتعل فضول ريم لما يمكن أن يخرج هذه المرة من الحقيبة القديمة ، جلست الأم على السرير ، فتحت الحقيبة ، فتخيلت ريم لفرط فضولها أن نورا سيسطع بعد قليل من الأوراق القديمة أمامها •• قصاصات جرائد تحمل أخبارا و صورا عن فلسطين و المقاومة الداخلية ، و هزيمة 76 و غير ذلك من أحداث ، أمسكت ريم الحقيبة ، وضعتها على حجرها فتحت الصحف برفق و تصفحتها بحرص ، وجدت في إحداها صورة على ركن منها دائرة بالقلم الأحمر ، تحت الصورة كتبت عبــارة " قطاع غزه يلتهب " قالت الأم بحماس و هي تخرج الملف الأصفر القديم :
 انظري ، هذه حجة البيت •• هذه حجة البيت
قالت ريم و هي تلقف منها الملف :
 أي بيت ؟

قالت الأم :
 أخبرني أبوك يرحمه الله ، أنه اصطحب معه حين غادر غزة هذه الحجة سهوا بعد أن أعطاها له والده ليلة سفره و أوصاه بالمحافظة عليها ، قال إنه كان عليه تركها للباقين منهم هناك ، لكنه نسي ، هذه الدائرة فوق الصورة هي للبيت ، كان مصورا صحفيا قد التقطها لقطاع غزة عام 76 ، قال لي والدك و هو يحتفظ بالقصاصة ، إن هذا هو بيتهم ••
أخرجت ريم حجة البيت بأصابع مرتجفة و قرأت فيها عبارات قديمة لكنها واضحة عن ملكية البيت لأسرة القاسم ، الحجة تعين تماما موقع البيت و مساحته ، شعرت ريم أنها تمسك كنزا ، دق قلبها بشدة و هي تعيد الوثيقة إلى مكانها و تعاود النظر في الصورة غير الواضحة للبيت القديم ، كانت النخلة الطويلة التي تحدث عنها أبوها تبدو في الصورة كمئذنة عملاقة نبت في أعلاها سعف •• قالت ريم و هي تحتضن الأوراق :

 رحمة الله عليك يا أبي ••

التفتت إلى أمها و قالت بحماس باك :
 إن هذه الوثيقة كنز يا أمي ، كنز ••
فقالت الأم و هي تتنهد :
 أوصاني أبوكم أن أعطيها لكم حين يموت ، كان هذا قبيل سفره ، لم أتذكر إلا اليوم •• لكن ماالجدوى منها ؟
قالت ريم و هي تحتضن الأوراق :
 يكفي أنها من رائحة أبي ، يكفي أنها قطعة من روحه •• هل يمكن أن أحتفظ بها ؟
فقالت الأم و هي تنهض متثاقلة :
 خذيها إن كان فيها بعض العزاء لك ••
وضعت ريم الأوراق بحرص في الحقيبة و أغلقتها برفق ثم اتجهت بها إلى غرفتها وضعتها في خزانتها الخاصة و أغلقت عليها ثم عادت تلملم أغراضها بذهن شارد ••

***

طيلة الرحلة إلى الحدود بواسطة الحافلة كانت ريم ساهمة ، حاول بعض الزملاء الحديث معها فكانت تبتسم مجاملة ثم تعود لشرودها ، تفهموا سبب الشرود ، فلم يلحوا عليها ، كانت لحظات قاسية تلك التي تنتظرها ، تذكرت يوم وقفت على الحدود في رفح أمام الأسلاك الشائكة ، تنهدت ، لقد كان يوما عصيبا •• انتبهت على صوت نفير سيارة صغيرة تسير بمحاذاتهم ، نظرت من الشباك ، كان سعيد •• هزت رأسها و ابتسمت ، أشارت له فعاود تحيتها بالنفير ، سألوها عنه فأجابت باسمة :

 ولي أمري ••

أوقفوا الحافلة و تفاهموا معه على عدم منطقية الوصول للحدود بهذه السيارة الصغيرة ، اتفقوا معــه على أن يضــــع سيــــارته في أقـــرب استراحة و يركــب معهم إكراما لريم •• و عرضوا عليها إن أرادت مرافقته حتي يركب معهم ••
نظر إليها راجيا أن توافق ، هزت رأسها ، و غادرت الحافلة ، تركت أغراضها فيها و ركبت بجواره •• حرك سيارته راقصا بها في الطريق فقال نفرا في الحافلة :" هذا رجل محب "
تنهدت ريم و هي تستقر بجوار سعيد و قالت :
 مجنون !!

قال و هو يطلق ضحكة حبور صافية :

 أحبك ••!!

تحدثا كثيرا ، طرقا كل المواضيع ، إلا موضوع القلب ، حذرته ريم منذ البداية ألا يتحدث عنه أعطى وعده و وفى به ــ في العبارات على الأقل !! ــ و بسرعة طوت الأرض نفسها عن الاستراحة ، ركن سيارته و ركبا الحافلة معا ، انعكس مرحه على جميع من فيها ، ربطتهم بسرعة مودة الطريق ، مودة قادرة على كسر كل الحواجز حتي بين الأغراب ، كان يترك كرسيه بجوار ريم أحيانا استجابة لنداء يأتيه من آخر الحافلة فيذهب إليهم يجلس بينهم ، يترك للسانه الحرية في التعبير عن حبه لريم ، يستمتع بما يقول ، لا يضع لنفسه حدودا ، كان حديثه حلوا ، كانوا يستمعون إليه ، يطرقون هدوءا حتى يسمعون صوته المنخفض ، ريم كانت تنظر إليه أحيانا ، و تبتسم عندما ترى انسجامه مع المجموعة ، تهز رأسها و تعود لكتاب في يدها تقطع به المسافة ، يعود إليها يجلس بجوارها يهمس :
 " وحشتيني "
تبتسم و ترفع إصبعها محذرة ، فيضع يده بسرعة على شفتيه و يقول :
 آسف !!
***
عندما وصلوا إلى الحدود ، كانت خيام اللاجئين تبدو على البعد كشريط أسود كبير ، خفق قلب ريم بشدة بينما تحركت بهم الحافلة بإتجاه ذلك الشريط ، لم تنتبه ريم إلى إجراءات دخول قد يكون رفقاء الحافلة قد أنهوها ، كانت عيونها معلقة بهذا الشريط الذي بدأ يتلون و تظهر ملامحه كلما اقتربت الحافلة منه أكثر ، فجــــأة بــــرز بعض الرجـــال و كانوا يركضون بإتجاههم ، وقفوا أمام الحافلة على بعد حوالي مائة متر من المخيم ، اضطر السائق إلى كبح الحافلة بسرعة فأحدثت إطاراتها زوبعة من الرمال ، أختفت الرؤية تقريبا خلالها ، و لما انقشعت الرمال الطائرة ، كان عدد من الرجال يحاولون فتح الباب ، فيما صرخ أحدهم موجها حديثه للطالين من النوافذ :
 هل أحضرتم الدواء ، هل معكم أطباء ؟

لم تفهم ريم ما الذي يقوله الرجال فقط كانوا يتحدثون معا فتضيع عباراتهم مع صخبهم ، على أن قلبها استشعر خطرا ، نهضت بسرعة و اتجهت إلى الباب ، كان المشرف على الرحلة مضطربا ، حذرها من التقدم نحو الباب و قال بارتباك شديد :

 يبدو أننـا أغفلــنا الجانب الأمني •• هؤلاء الرجال بهم مس من الجنون و قد يعتدون علينا ••

نظرت ريم من النافذة مجددا فلاحظـــت أن أعدادهم تضاعفت ، لم يكن يبدو عليهم جنونا و لكنه كان الغضب ، لاحظت إعياءً واضحا على الملامح فرق قلبها ، قالت للمشرف أنها تريد النزول الآن فقال لها بعصبية شديدة أنه لا يستطيع ، لأنه لن يتحمل مسئولية هلاكها على أيدي هؤلاء المجانين ••
نظرت من النافذة و راعها أن بعض الرجال صاروا يخمشون الباب بأظافرهم ، و سقط أحدهم أمام الباب و هو يصيح بصوت واهن :
 افتحوا •• افتحوا ••
صرخت ريم في المشرف و قالت له :
 افتح الباب الآن ••
كان المصـــورون قد بدأوا في إلتقاط الصور من نافذة الباص ، و اندفع سعيد إلى ريم قائلا :
 ريم إهدئي •• لابد من تبين الوضع أولا قبل المخاطرة بفتح الباب ••
لكن ريم التي كانت ترى في اندفاع الرجال حول الباص مأزقا و استجداء ، لم تستطع التحمل ، انقضت على السائق و صارت تدق ظهره و هي تصيح :

 افتح الباب ، افتح الباب ••
تحملها السائق و هو ينظر للمشرف في انتظار أوامره فتركته ريم و نظرت للمشرف برجاء و قالت و عيونها مغرورقة بالدموع :
 أتوسل إليك أن تفتح الباب ، سأنزل وحدي ، أنزلوني ثم أغلقوه فورا ، إن شئت كتبت لك إقرارا ، هؤلاء يشهدون علي ••
صاحت و هي تواجه الجميع :
 ألا فاشهــدوا أنني أتحمل مسئولية نفسي ، و أن المشرف براء مما قد يحدث لي إذا نزلت ••
عادت تنظر للمشرف و تتوسل برجاء :
 أرجوك ، افتح الباب ••
أسقط في يده فأعطى للسائق إشارة و طلب من ريم الوقوف أمام الباب مباشرة ، امتثلت ريم بسرعة ، فتخطى سعيد الأجساد المكومة حوله و حاذى ريم و هو يقول :
 سأنزل معك ••

كان يضع يده على كتفها ، فأمسكت بها ريم امتنانا ، و تأهبت للقفز من الباص بمجرد فتح الباب ، و كان لها ما أرادت ••
في لحظــة كانت هي و سعيد أمام الرجال الذين هجموا عليهم و تبينت ريم سؤالهم المتكرر :

 هل معكم طبيب ؟ هل أنتما طبيبين ؟ هل أحضرتم الدواء ؟
وقفت ريم واجمة و هي ترى تكالبهم عليهما ، تراجعت خطوة حتى لامس ظهرها جسم الحافلة ، ووقف سعيد أمامها يحميها ، صاح بصوت جهوري :
 اهدأوا من فضلكم ، أرجوكم اهدأوا •• نريد فقط أن نعرف ماذا هناك ؟
صاح أحد الرجال و كان مثل الجميع يحمل وجها مغبرا ، مرهقا ، لا تخطيء العين الإعياء فيه ، قائلا :
 مازلتم تريدون أن تعرفوا ؟! إذن لا فائدة ••
أسقط ذراعيه و قال للرجال معه :
 لا فائدة يا جماعة •• يبدو أنهم صحافة ••
تعالت صيحات الإستنكار ، و سمعت ريم بكل وضوح عبارات سخط و لعن و بدأ الرجال ينصرفون و هم يشيحون بأيديهم :
 هيا انصرفوا لا نريد صحافة ••
من إحدى الخيام جاءت إمرأة متشحة بالسواد تركض و هي تصيح و تلطم وجهها :

 أبو محمد •• أبو محمد •• مات الولد ، مات الولد ••
ركض أحد الرجال بقوة في اتجاهها و لحق به الباقون ، نظرت ريم إلى سعيد و نظر إليها و في ثوان كان اتفاقا مشتركا بأن يتبعوهم قد انعقد بينهما ، هرولت ريم و لم تلتفت وراءها رغم أنها سمعت صرير باب الحافلة و هو يفتح و باقي أعضاء الفريق يتبعوهم ، كانت ريم و سعيد أول الواصلين ، و في إحدى الخيام ، كان هناك شاب عشريني مسجى عاري الصدر تنتشر في جسده بقع حمراء كثيفة ، و أمامه السيدة التي جاءت بالخبر ، كانت تولول فيما جلس أبيه على حافة فراشه الأرضي ممسكا بيده يقبلها و هو يصيح بلوعة :
 لا يا محمد ، لا تمت يا ولدي •• سيأتي الدواء يا وحيدي ••
أخذت دموع ريم تسقط بلا هوادة و هي تتابع مع عشرات غيرها الموقف ، و كان أعضاء الفريق قد أصبحوا جميعهم خلفها •• التفتت إلى المشرف و قالت و دموعها تأكل الحروف :
 مات •• مات ••

أحاطها سعيد بذراعه ، فالتفت الأب إليهم و صاح :
 ماذا تريدون •• هيا صوروا ابني ، و بثوا صورته عبر شاشات التلفاز •• قولوا لهم عن الشهامة العربية ، و الرجولة العربية ، و الموقف العربي النبيل •• هيا صوروه ، أليس هذا ما جئتم من أجله ، هيا صوروا و اركضوا إلى سيارتكم و عودوا بالغنيمة ••

و لم يقو الرجل على إكمال الكلام فبدأ يضرب الأرض بيده و يقبض على التراب و يضعه فوق رأسه و يبكي ••
تقدم مشرف الفريق خطوات و هو يعبر الزحام و اتجه نحو الرجل المكلوم و قال بصوت حازم :
 هل هذا المرض منتشر هنا ؟
تعالى صخب الموجودين و كانوا يؤكـــدون أن العدوى تنتــشر بين الجميع بسرعة كبيرة ، و أن هذا الشهيد هو الخامس في غضون أسبوع ••
صرخت ريم من هول ما تسمع و قال رجل من الواقفين :
 جاءتنا بعثة صحافة قبل يومين و طلبنا منهم النجدة ، نريد أطباء و أدوية ، وعدونا خيرا و لم يعودوا ••
و قال الأب المكلوم :
 توسلت إليهم أن يسرعوا •• محمد ولدي الوحيد •• لم أنجب غيره بعد انتظار سبعة عشر عاما •• لكنه مات •• مات ••
بسرعة جمع المشرف أعضــــاء فريقه و أعــــطى توجـــيهات بالعودة السريعة إلى القاهرة و إحضار عدة أطباء بعد شرح الأعراض ليتسنى لهم إحضار كل أنواع الأدوية التي يمكن أن تفيد ، شدد عليهم ضرورة العودة السريعة و أن يكون الأطباء من معارفهم ليتجاوزوا الروتين ما أمكن ، قال لريم و هو يدفعها برفق :

 اذهبي معهم ، سأبقى هنا في انتظاركم ••
قالت ريم بحزم و عناد :
 لن أذهب ، فليذهب من يريد لكنني سأبقى ••
نظر المشرف إلى سعيد يدعوه للتدخل فقال سعيد برفق :
 ريم اذهبي و سأبقى مع المشرف ، قد تستطيعين مالا يستطيعونه ••
رفعت ريم عينا دامعة إليه و قالت بصوت مخنوق :
 لن أذهب ••


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى