الخميس ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧
بقلم حسين أبو سعود

شوق لأحاديث العراق

قيل ان ام علي وصلت للتو من العراق، لا اعرفها، لم أشاهدها من قبل، وغاية الأمر أن ابنها علي صديقي جمعتنا التشرد والغربة، وأواصر صداقتنا تقوت وتوثقت بداعي الجيرة والحيرة والهموم الكثيرة والكبيرة، طرقت الباب، دخلت إلى الصالة، رايتها جالسة على الأريكة، امرأة عراقية صرفة، وقورة، حنونة في نهاية العقد السادس من عمرها، ملامحها جنوبية، لهجتها بغدادية، نظراتها شمالية، معجونة بمياه دجلة والفرات، وترحيبها يقطر دبسا شهيا، جلست قبالها قبل أن تأذن لي بالجلوس، رأيت في جرغدها أمي وفي جلستها عماتي وفي حركاتها وسكناتها جميع خالاتي، رأيت فيها كركوك وكربلاء ودهوك والرمادي، رأيت فيها السنة والشيعة والعرب والكرد والتركمان والأشوريين، والصابئة والايزيديين والشبك.

فقلت لها سيدتي: حدثيني عن العراق، فانا اشتاق لكل حديث عن العراق.
حدثيني عن لفح الشمس في البصرة وعن هبوب النسيم في أربيل، حدثيني عن شارع الرشيد والمكتبات والفنادق والمطاعم والأكشاك، عن شارع النهر وأبو نواس، حدثيني عن كل شيء، عن أنواع السمك وأنواع البط وأنواع الثمر، حدثيني عن النهار إذا اقبل وعن الليل إذا أدبر، عن الجيران والصبايا ولعب الأطفال، عن الزيارات والأعياد والأعراس والمناسبات، عن الطلاب والطالبات والمدارس، عن آثار الحروب ومخلفات الحصار ونتائج الاحتلال ومعاناة الأرامل وأحلام اليتامى وتأوهات العذارى وحسرات المعوقين.

حدثيني عن الحقول وتوالي الفصول وعن مزارع الكروم والقصب والبردي والأهوار والمشاحيف وخبز التنور.

حدثيني عن الأنهار والسواقي والأعشاب، والطحالب والسلابيح والبعوض والجراد والفراشات.

حدثيني عن البهجة في عيون الاطفال والخوف في عيون الكبار، حدثيني عما يجري في الازقة والحواري وعلى السطوح وعن الحدائق والأزهار والميادين وملتقيات العشاق، وعن التباريح وخفقات القلب عند التلاقي ونشوة اللقاء ومرارات الفراق، وعن الأغاني والتواشيح والأناشيد والزغاريد، عن الأطفال الذين كبروا والكبار الذين ماتوا، حدثيني عن الشموع والدموع وتمنيات الرجوع، وعن المصابيح والمراجيح وزحمة الأسواق وأصوات الباعة.

حدثيني عن الورود والخدود والياسمين والجلنار والرازقي وعن الحامض حلو والشربات والمناديل والقناديل والشناشيل.

حدثيني عن الوجوه الوجلة، عن الأقارب والجيران.

حدثيني عن البرتقال الذي يزهو بلونه وعن التفاح حلو المذاق، عن الخوخ والمشمش والنارنج والرمان والرقي.

وقولي لي سيدتي: ما للعراق يحترق كل يوم، فهل أعجبه ألم الاحتراق؟
ومتى ينتهي ليل الوطن؟ ويزهو على رباه سنا الإشراق، متى ينهض العراق؟

وفي هذه الاثناء دخل صديقي علي وبيده صينية مدورة وعليها استكان جاي(سنكين) وقطع من كليجة التمر.

ونظرت ام علي نحوي وعيناها اغرورقت بالدموع وقالت: ولدي كفى أسئلة ودعني أحدثك عن العراق.

فقلت: تفضلي...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى