الجمعة ٢٨ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم جمال سلسع

قراءة نقدية في قصيدة «عيون لا ترى سوى الصمت»

تُمثّل هذه القصيدة لغة الصراع ما بين (الرؤى) و(الصمت)،مما أتاح لها ان تتجاوز المسار التقليدي لشعر المقاومة، الذي يجلد، أو الندب المباشر، إذ تدخل القصيدة في لغة صراع ما بين السلبي والايجابي.فقدمت الفكرة عبر رحلة وعي داخلية، تبدأ من عتبة العجز(ترى...ﻻترى)، لتنتهي بالصدمة الوجودية والتنوير الذاتي. ونرى هذه المضادات تخلق التوتر الداخلي داخل النص الشعري
السلبي الايجابي
الصمت الصهيل
العمى الرؤية
الليل الفجر
النوم اليقظة
الموت الوﻻدة
الغياب الحضور
العجز العمل

وفي طريقة نقدي سأعتمد على ما يقوله النص، وما يمكن استنتاجه منه.

الجديد في هذه القصيدة يتواجد في تحويل (الصمت) نفسه،إلى موضوع شعري وفاعل درامي.

يضع الشاعر منذ البداية مفارقة مركزية، من خلال عنوان القصيدة (عيون ﻻ ترى سوى الصمت): العين وظيفتها الرؤية، لكن هذه العيون لا ترى سوى الصمت، وبالتالي فالمشكلة ليست غياب الواقع، بل العجز عن الاستجابة لما تراه العين.
وهذا يتطور داخل النص من:-

(لا شيء غير عيون ترى
لا ترى سوى الصمت)

إلى السؤال اﻷكثر عمقا:-

(كيف تولد شمس
وقلبي ضرير)
فالقصيدة لا تسأَل فقط( أين التحرر؟)
بل تسأَلُ( كيف يمكن ان يولد التحرر من ذات فقدت الرؤية والفعل؟).
الجديد من خلال الصور الشعرية

أَبرز ما يميز الصور هو التشخيص والتداخل بين الحواس والمفاهيم:-

(الصمت يتحول الى كائن حي)
القصيدة لا تتعامل مع الصمت باعتباره مجرد غياب الكلام، بل تمنحه القدرة على الحركة والفعل:-
(كيف يهبُّ بصمتي الصهيل؟)
وهنا توجد مفارقة شديدة الكثافة:-
(الصمت- الصهيل)
الصهيل رمز للصوت والقوة والحركة والخيول،
بينما الصمت يمثل الخمود والعجز.

الجمع بينهما ينتج سؤالا شعريا هاما:-

(هل يمكن للصمت ان يتحول الى قوة؟)
وهذه هي أَهم صورة في القصيدة.
كما ان الخيول تظهر بوصفها رمزا للحركة والفروسية والانطلاق:-

(متى الصمت يوقظ
صحو الخيول؟)

لكن الخيول لا تستيقظ بسهولة، ﻷن هناك سبت داخلي، مما يجعل الخيول( طاقة كامنة في الذات الفلسطينية)
كما يستخدم الصباح والفجر والشمس

فتولد شبكة ضوئية كاملة:-

(الصباح-الفجر-الشمس-النور-العطر-اليقظة)

في مواجهة:- ( الصمت-العمى- السواد-النوم- الوجع- الغياب).

وهذا يمنح القصيدة بنية رمزية واضحة وهي:-

الظلام- الصمت —< الانتظار---> اليقظة---> الفجر
المفارقة البصرية:- (ترى...لا ترى)
تواجدت داخل القصيدة بكثافة لتعبر عن عمى البصيرة، والاستغراق في السراب.
ذئاب الظلام:- تمثيل رمزي للاحتلال وقوى البطش التي تحرق الصباح.
(لقمة الفجر) مقابل (لقمة الجوع) مفارقة بين التوق للحرية،وبين الإكتفاء بالعجز.

(قمحي وصراخ الثرى):-

رموز الإلتصاق بالأرض والإنتماء الذي يتطلب الفداء.

معايشة الواقع الفلسطيني

٠الإرتباط بالواقع:-تعكس القصيدة حالة المكابدة التي يعيشها المواطن الفلسطيني، بين مأساة اللجوء والنزيف اليومي:-

(دمع أم)—(بحر العويل)

وبين حالة الشلل الشعبي أو السياسي الذي أوجده (صمت الضمير).

رؤى جديدة للنهوض من الإحتلال والصمت

٠الإعتراف بالخلل أَولا:-لا يبدأ النهوض إلَّا بإدراك حالة العمى والصمت الذاتي.

٠الإنتفاضة:- الخروج من دائرة السراب، لا ينتظر معجزة خارجية، بل (تمزيق الصمت) .

تقديم الفعل (أُمزق) كشرط لرؤية حال الوطن، خاصة وأننا في هذا الصمت نعيش احتلالا داخليا، اضافة للإحتلال الخارجي.
والقصيدة تسأل بصورة غير مباشرة، ماذا يحدث لقضية عادلة عندما يتحول اصحابها من شهود الى صامتين؟

هذه نقطة هامة في القصيدة ﻷنها تجعلها( قصيدة مساءلة للذات)، وليست مجرد قصيدة إدانة للأخر، فنقرأُ الصمت بوصفه (شريكا في استمرار الواقع)، وليس مجرد نتيجة له، وهذا يكسب القصيدة تميزاً ونضجاً وعمقاً، ﻷنها تنتقل من (المشاهدة) إلى (احتمال المسؤولية) ﻷن القصيدة لا تريد ان يبقى الفلسطيني حاملا للألم،
بل تطرح السؤال:- (ماذا ستفعل بهذا الألم ؟)

الترابط بين الشكل والمضمون

توجد علاقة قوية جدا فالشكل الشعري قائم على:-

الاستفهام المتكرر-التعجب-الحذف -التقطيع- التردد بين(ارى- و لا أرى).

وهذه ليست مجرد زخرفة شكلية، لأنها تجسد مضمون القصيدة، بالشخصية الشعرية نفسها مترددة، عاجزة، تبحث عن جواب، لذلك تأتي اللغة متقطعة و مترددة.

مثلا :-(ارى)

(لا أرى)

هذا التناوب الشكلي يجسد الصراع النفسي، بين (الرؤية والعجز)، (اليقظة والنوم)، (الصوت والصمت)، (اﻷمل واليأس).
فنرى ان الشكل كان متوافقاً مع المضمون وليس منفصلا عنه.

وقد جاء البناء الفني والموسيقى مساعدا بشكل مباشر، للحالة النفسية والفكرية. كما أن التكرار الايقاعي مثل(ترى...لا ترى) و (كيف...؟) خلق ايقاعا متوتراً يشبه التوتر والإضطراب الداخلي قبل لحظة الحسم.كذلك انتقل الشاعر من التشتت إلى البؤرة:-

بدأت القصيدة بتساؤلات تتسم بالتشتت والذهول:-

(وكم...؟ كم تمادى الخراب) وانتهت بتكثيف وضوح الرؤية والقرار الحاسم (صمتي أُمزِّقُ)- ألمسُ ما لا يرى- فأرى وطني)
كما ان استخدام الشاعر لشعر التفعيلة، منحه مساحة لتدفق المشاعر وتكسير التفاعيل، مع تغير النبرة من الاستهجان الى الثورة. ومن الملاحظ ان الشاعر يسأل السؤال نفسه بأشكال مختلفة، ﻷنه لم يجد الجواب. لكن التكرار نفسه يبدأ تدريجيا في التحول، من مجرد تكرار ‘لى ضغط نفسي على القارئ.

الخاتمة:-

تنتهي القصيدة بلحظة تنوير صوفية وطنية، فالوطن ليس مجرد خارطة ترى بالعين،بل قيمة تكتشف عندما يتحرر الانسان من خوفه وصمته، ويجرؤ على لمس الممنوع والجرح.

وقد قدم الشاعر نصا لا يكتفي بالشعارات، بل يتغلغل في عمق اﻷزمة النفسية والوجودية،للإنسان العاجز، معيداً صياغة مفهوم (الرؤية) كفعل مقاومة. ومن الهام جدا أن نرى أن نهاية القصيدة تحمل دلالة بلاغية، ﻷنها لا تقول بأن المشكلة قد انتهت، بل تقول:-(لقد بدأتُ أرى ما كنت عاجزا عن رؤيته).

والفرق بين (لا أرى) و (أرى) هو التحول الداخلي الذي تبحث عنه القصيدة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى