الأحد ٣١ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

لم يعد

في مساء يتدلى من اخر الخريف، حين كانت المدينة تجر ظلها فوق الارصفة ككائن متعب يبحث عن موضع لقلبه، جلست في غرفة يختلط فيها ضوء المصباح برائحة الغبار القديم. كانت الساعة تشير الى زمن يقاس بعدد الذكريات التي تعود دون استئذان، وكان الصمت كثيفا حد ان اي كلمة قد تجرح الهواء اذا قيلت.

انا رجل في الاربعين، احمل من العمر ما يكفي لادرك ان الحكايات تبدأ حين تنكسر، وما يكفي ايضا لافهم ان بعض القصص يملكها من عاشها. ومع ذلك وجدت نفسي في قلب هذه القصة، ظل يتنقل بين وجوه اثقلها الغياب.

البيت الذي تبدأ منه الحكاية لم يكن مميزا في شكله، لكنه كان يحمل في جدرانه ما يكفي من الالم ليصير عالما قائما بذاته. باب خشبي يئن كلما فتح كأنه يعترض على العابرين، نافذة نصف مكسورة تطل على شارع هجرت فيه الخطى وبقيت الذكريات، وسقف منخفض يضغط على الانفاس كي تبقى في حدودها.

في ذلك البيت كانت تعيش العائلة، ام تبدو اصغر من حزنها واكبر من عمرها في ان واحد، وثلاثة ابناء تتباعد اعمارهم ويجمعهم فراغ واحد، وابنتان تتعلمان الصمت كأنه لغة للبقاء.

الاب كان حاضرا في كل شيء، وغائبا عن كل شيء. اسمه يقال بحذر، صورته تستحضر، وذكراه تروى ناقصة لان اكتمالها وجع لا يحتمل.

خرج ذات صباح، بدا عاديا، لكنه كان يحمل في طياته ما يشبه وعدا مؤجلا. خرج بحثا عن العمل، عن حياة اوسع من ضيق المكان، عن فرصة تعيد ترتيب الايام، وترك خلفه بابا لم يغلق جيدا، كأن جزءا منه كان يظن انه سيعود سريعا ليكمله.

لكنه لم يعد.

منذ ذلك اليوم تغير كل شيء دون ان يتبدل الظاهر. بقيت الاثاثات في اماكنها، وبقيت الوجوه كما هي، لكن الزمن صار اثقل، والهواء اكثر ضيقا، والضحكات تنكسر قبل ان تكتمل.

كنت ازورهم احيانا، لا اعرف لماذا. ربما بحثا عن معنى للفقد، او خوفا من ان اكون يوما في مكانهم. اجلس بينهم واراقب كيف تتحرك الكلمات بحذر، كأنها تمشي فوق ارض قابلة للانهيار.

الابن الاول كان يتكلم بهدوء يشبه استسلاما خفيا، يعيد بناء ابيه من بقايا ذاكرة. يقول ان الاب لم يختف، تأخر فقط، وان الغياب مسافة اطول مما ينبغي.

الابن الثاني كان على النقيض، يحمل في صوته خشونة احتجاج دائم، يرى في الرحيل تركا، وفي الغياب خذلانا، وكلما ذكر الاب اشتعل داخله شيء لا يهدأ.

اما الثالث فكان مختلفا. يجلس في الزاوية، يكتب ويصمت، كأنه يصنع من الكلمات جسرا نحو رجل لم يبق منه سوى الاحتمالات.

سألته يوما عما يكتب، فرفع رأسه ببطء وقال انه لا يكتب القصة كما حدثت، بل كما كان يمكن ان تحدث، كأنه يحاول انقاذ ابيه من نهاية لم يخطط لها، او انقاذ نفسه من سؤال لا يريد سماعه.

ثم قال انه اختار عنوانا: "الرجل الذي ذهب ولم يعرف طريق العودة".

حينها شعرت ان ما امامي ليس مجرد عائلة، بل حكاية تبحث عن صوت يحتملها، وانني صرت جزءا من هذا الصوت دون ان ادري.

تبدلت الجلسات. لم يعد الحديث عن الاب مجرد ذكرى، بل صار ساحة تتصادم فيها الروايات، وكل رواية تريد ان تكون الحقيقة، بينما الحقيقة تتراجع كشيء خائف من ان يمسك به.

كان الابن الاول يبدأ غالبا:

"كان ابي يضحك كثيرا، وكان يجعل الاشياء البسيطة كافية."

فيقاطعه الثاني:

"وكان يعرف كيف يتركنا في منتصف الطريق."

تتوقف الكلمات هنا، لان ما بعدها اشد قسوة مما يحتمل.

يحاول الاول:

"كان مضطرا."

فيرد الثاني:

"كلنا نضطر، لكن ليس كلنا نغيب."

الام تراقب بصمت، عيناها تتحركان بينهما، تحاول جمع ما يتكسر دون وسيلة، وتنظر الى الباب في كل مرة، نظرة من يتمسك باحتمال العودة رغم كل شيء.

في احدى الليالي سألتهم عن يوم الرحيل.

ساد صمت ممتلئ بما يخفى.

قال الاول ان اليوم كان عاديا، وان الاب خرج كما يفعل كل مرة.

وقال الثاني ان الاب كان يعرف ثقل الرحيل، وان كل ابتسامة كانت محاولة لاخفاء خوفه من المجهول.

تدخل الثالث وقرأ:

"في صباح يشبه غيره، كان الرجل يربط حذاءه ببطء كأنه يفاوض الوقت. ينظر الى اطفاله دون اطالة، لان الاطالة اعتراف بثقل اللحظة. كان يحمل خوفين: ان يرحل فلا يجد ما يبحث عنه، او يبقى فيرى ضيق الحياة يبتلعه ببطء."

ثم تابع:

"لم يكن يبحث عن بطولة، بل عن عمل، عن باب مفتوح لا يشبه الجدران التي خلفه."

انتهى، وساد صمت جديد.

ثم عاد الصوت:

"جميل على الورق، لكننا بقينا وحدنا."

ارتفعت الاصوات، حتى سقطت الام فجأة.

توقف كل شيء.

بعد ان افاقت، طلبت الدفتر، وقرأته ببطء، ثم قالت:

"اكمل… هذه المرة اكتب ما تفهم."

بدأ:

"الرجل الذي ذهب بحثا عن العمل لم يملك رفاهية الاختيار الكامل. كان امام حياة تضيق كل يوم، وخيارات تزداد قسوة كل صباح."

ثم قال:

"لم يفكر ان يكون بطلا او متهما، بل في ان ينجو بما تبقى له من كرامة."

واضاف:

"لم يعد لانه لم ينجح، لا لانه لم يرد، وبين الفشل والاختيار تتسع المسافة كلها."

نظر الى اخيه:

"غضبك مفهوم، لكنه لا يعيد شيئا."

ثم الى الاخر:

"انتظارك جميل، لكنه لا يصنع حياة."

وختم:

"الحقيقة بينكما، ليست في طرف واحد."

اغلق الدفتر.

هذه المرة كان الصمت ادراكا.

اما انا، فقد ادركت ان دوري انتهى. لم اعد الراوي، كنت مجرد نقطة عبرت هذه الحكاية.

خرجت، وكان الباب اقل صريرا، كأنه تقبل ان بعض الغيابات لا تغلق، لكنها تتحول الى جزء من الداخل… جزء يعاش.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى