«مرافئ الروح» لوليد الحيالي
في كتابه "مرافئ الروح"، يبحر الدكتور وليد الحيالي في فضاء داخلي عميق، حيث تتقاطع الذات مع الزمان والمكان، وتتشكل الكتابة كمرآة للحنين والوجدان، هذا العمل ليس رواية تقليدية تسرد أحداثا متسلسلة، بل هو أقرب إلى تأملات سردية، أو يوميات روحية، تنسجها الذاكرة وتغزلها العزلة.
منذ الغلاف، يضعنا الكاتب أمام صورة رمزية لرجل يسير وحيدا على شاطئ صخري تحت سماء غائمة، هذه الصورة ليست مجرد خلفية بصرية، بل مفتاح تأويلي للكتاب بأكمله، البحر هنا ليس فقط فضاء جغرافيا، بل استعارة للذاكرة، للرحيل، ولما تبقى من الإنسان بعد أن تعصف به الحياة.
الحنين في "مرافئ الروح" ليس شعورا عابرا، بل هو بنية سردية، الكاتب لا يستعيد الماضي ليؤرخه، بل ليبعثه من جديد ليمنحه حياة ثانية عبر الكتابة.. الأماكن التي عبرها والأشخاص الذين تركوا أثرا فيه يعودون كأطياف، كأسماء مشحونة بالعاطفة، وكأن الكتاب محاولة لاسترداد ما فُقد أو ما كاد أن يُنسى.
الكاتب يقف على "شاطئ التجربة"، كما يقول الدكتور مالك تامر في تقديمه، لا ليؤرخها، بل ليبعث تفاصيلها من جديد. هذه العبارة تختصر جوهر الكتاب: إنه ليس سيرة ذاتية، بل سيرة وجدانية. كل صفحة هي مرآة، وكل جملة هي محاولة لفهم الذات عبر استرجاع ما انعكس فيها من الآخرين، من الأماكن، من اللحظات.
اللغة التي يستخدمها الحيالي ليست تقريرية، بل شاعرية، متأملة، مشحونة بالصور والمجازات. هو لا يكتب ليُخبر، بل ليُشعر. الكتابة هنا فعل وجودي، محاولة لفهم ما تبقى من الإنسان، أو ما كاد أن يمر به دون أن يعيه.
في "مرافئ الروح"، لا نجد بطلا تقليديا، بل نجد الإنسان في لحظات انكساره، في مواجهته للغياب، في بحثه عن المعنى وسط الضياع. الكاتب لا يقدم حلولا، بل يطرح أسئلة: من نحن بعد أن نفقد من نحب؟ كيف نعيد تشكيل ذواتنا بعد أن تتشظى؟ هل يمكن للكتابة أن تكون ملاذا، مرفأ، أو حتى خلاصا؟
هذه الأسئلة لا تُطرح مباشرة، بل تتسرب عبر النص، عبر الصور، عبر الحنين الذي يملأ الصفحات، وكأن الكتاب دعوة للتأمل، لا للقراءة فقط؛ دعوة للغوص في الذات، لا للهرب منها.
من اللافت أن الدكتور وليد الحيالي، وهو أكاديمي في المحاسبة والتحليل المالي ورئيس الأكاديمية العربية في الدنمارك ومؤسسها، يختار أن يكتب بهذا النفس الأدبي العميق، هذا التداخل بين التخصص الصارم والكتابة الحرة يمنح الكتاب طابعا فريدا: فهو من جهة مشبع بالوعي، ومن جهة أخرى منفتح على العاطفة، وكأن الكاتب يوازن بين العقل والروح وبين القانون والحنين وبين النظام والحرية.
"مرافئ الروح" ليس كتابا يُقرأ مرة واحدة بل يُعاد تأمله في كل مرحلة من مراحل الحياة. إنه كتاب عن الإنسان، عن الذاكرة، عن الحنين، عما تبقى منا بعد أن تمر بنا الحياة، بأسلوبه الشاعري وصوره العميقة، يقدم الدكتور وليد الحيالي عملا أدبيا وجدانيا يستحق أن يُقرأ ببطء، وبقلب مفتوح، إنه ليس فقط مرافئ للروح، بل مرافئ للقارئ أيضا، حيث يجد نفسه في كل صفحة، في كل صورة، في كل حنين.
ويعدّ الدكتور وليد الحيالي أحد الأكاديميين العرب البارزين في مجال المحاسبة والتحليل المالي، وقد جمع بين خبرة مهنية راسخة ومسيرة أكاديمية امتدت عبر عدة دول عربية وأجنبية. حصل على بكالوريوس المحاسبة وإدارة الأعمال من الجامعة المستنصرية في بغداد عام 1975، ثم واصل دراساته العليا في معهد التعاون بموسكو، حيث نال الماجستير عام 1983 والدكتوراه عام 1986 في المحاسبة والتحليل المالي، وبعد حصوله على الدكتوراه، انخرط في العمل الأكاديمي في ليبيا، حيث شغل مناصب محاضر وأستاذ مساعد في كلية المحاسبة بغريان والجامعة المفتوحة.
امتدت خبرته الأكاديمية لاحقا إلى الأردن، حيث عمل في جامعة العلوم التطبيقية وجامعة الإسراء وجامعة فلادلفيا، متنقلا بين رتبة أستاذ مساعد وأستاذ مشارك، ومساهما في تطوير البرامج التعليمية في أقسام المحاسبة.

