ميلادي الحقيقي يوم الطوفان
في ذكرى السابع من أكتوبر
في ذكرى الطوفان،
يصرخ الألم الفلسطيني،
وتنهض من تحت الركام حكايةٌ
لم تتعلّم كيف تموت.
اليوم، وللمرة الأولى،
أنتبه إلى وجود الحياة.
أيها السادة،
أيها العالم،
أيتها الحياة،
أيتها الحروب،
أتوسّل إليكم جميعًا:
دعوني حرًّا، بلا ألم، ولو للحظة،
كي أتذوّق هذا الشعور
الذي غاب عنّي منذ عام 1948؛
هذا الشعور المهيب،
الممتلئ بالحياة،
الذي يفتنني اليوم
ويجعلني سعيدًا حدّ البكاء.
قبل هذا التاريخ،
لم أستشعر الحياة كما أشعر بها الآن.
لم أعرف هذا الامتلاء من قبل.
ويكذب مَن يقول إنني عرفته؛
فكذبته تجرحني
حتى تجعلني بائسًا.
إنّ فرحي ينبع من إيماني بهذا الطوفان،
بهذا الحدث الذي هزّ العالم،
وأيقظ في داخلي معنى الحياة.
ولن يستطيع أحدٌ
أن ينتزع منّي هذا الإيمان،
كائنًا مَن كان؛
لأنّ الحياة، كما رأيتها بعينيّ،
تقف اليوم على قدمي فدائيّ.
لم يحدث، في ما مضى من عمري،
أن أحببت الحياة بهذه الشراسة،
رغم خراب غزّة،
ورغم هذا الموت الذي يتربّص
بكلّ نافذة،
وبكلّ حلم،
وبكلّ قلب.
اليوم، وللمرة الأولى،
أعترف بأنّ غزّة تستحقّ الحياة؛
لأنّها جسّدت الولادة من جديد،
وزرعت ضوءًا لا يخبو،
وأشعلت في العتمة
احتمالاتٍ للظهور.
الزمن الذي عشته في السابع من أكتوبر،
لا وحدة قياس تتّسع له؛
لقد كان زمنًا خارج الزمن،
لحظةً انفلتت من عقارب الساعات،
وتجاوزت قدرة الذاكرة
على احتواء ما حدث.
أيها السادة،
كان ذلك يوم ميلادي الحقيقي؛
يوم الطوفان.
سمعتُ هدير أحد الفدائيين
كأنّه يخرج من أعماق الأرض،
يقول:
الموت كذبة،
ونحن حقيقة الحياة
كانت كلماته،
مثل أشعّة شمس ٍذهبية،
تنساب على قبب مساجد غزّة،
وتلامس حجارتها،
كأنّها تذكّر العالم
بأنّ لهذه الأرض قلبًا
لا يزال ينبض.
دعوني!
لقد ضربني الموت مرّات،
لكنّني ما زلت حيًّا،
أرسم، في عتمة هذا الخراب،
خارطة الطريق
إلى القدس الشريف.
