الأحد ١٩ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
بقلم مها أبو عين

نطبل للحب بيد واحدة !

قبل أن يحين اليوم "الموعود " بالهالات الحمراء المتناثرة هنا وهناك فوق وتحت الارصفة في سماء الكرة الارضية وارض الوجود الانساني حيث تتعانق البالونات والقلوب الحمراء يهرول بنو البشر الى الطواف والتقديس دون ادنى تردد وكأن الامر واجب عليهم او هو ركن من اركان حقيقتهم وطبيعتهم من ينكره او يحاول التمرد عليه ليس بانسان .

كل عام تطل علينا مناسبة تزخر بها أجندتنا التي لم تعد تتسع للملاحظات اليومية بقدر ما تحويه من تواريخ ومناسبات وأعياد اخذت مكانتها في زمن تضج به الافكار وتضيق به النفس على الرغم من الحداثة والتكنولوجيا الرقمية . عيد الحب أو " الهوى " واحد من سجلات احتفالات كادت ان تكون قومية لكثرة الاهتمام بها وما تشغله الان من حيّز في تفكير بني اّدم . اناس كثيرون يتسابقون على شراء الشموع والقلوب مستعدون لدفع النفيس لمجرد الحصول على قلب ظاهره محشو بلون الدم مهما اختلفت صناعته او مصدر نشأته .

أبهذه الطريقة أصبحنا نشتري القلوب ! تعلونا القسوة والتصنّع وتعليب المشاعر ! ألهذا الحد وصل بنا المطاف حتى في الشراء وفي زمن يتقدم فيه العلم والانسان . هل المشكلة فينا أم في هذه الايام ؟ هل هي ضريبة الخمس نجوم لخدمة ورفاهية الانسان السائدة والتي تحجرت معها المشاعر والاحاسيس !؟ أم هو عصر السباق مع كل ثانية تمر من عمرنا لنحياه بكل سعادة بعيدا عن تعقيدات الحياة ووجع ذهني ونفسي ؟ ولماذا الان تحديدا وفي هذا اليوم " الأحمر " أصبحوا كلهم متشابهون يتنفسون بذات الالام والامال ! اين كانوا طوال 364 يوما من العام الماضي او هذا العام أو الاعوام الجاهلية التي مضت ! أكانوا يعدون العدة لهذا اليوم العظيم ام كانوا مشغولين في الطقوس اللازمة للذبح والتقلد بمراسيم الزي الرسمي لجريمة الاحتفال !

نعم ما يسمى بعيد الحب ليس بكرنفال حقيقي من الود والتلاحم يدا بيد نحو الحب الصادق وليس بمزاد علني يبيع غرامات أو غالونات من الحب النقي او غير النقي . الحب هو الحب لا يباع ولا يشترى لا نفصّله وانما نحفظ حرفيه عن ظهر قلب ( ح, ب ) منذ ان تطأ قدمانا الدنيا والى الممات من المهد الى اللحد . أين الحب في عيده ونحن نتنكر لذاتنا وأخطائنا أبهذه الطريقة نغسل الخطيئة والذنب ! أين الحب في زمن عماده المصلحة والأنانية وانكار المعروف وحسن الجميل ؟ أين ذهب ذاك الحب الرومانسي الذي نتعطش لرؤيته في أفلام سينما الاربعينات والخمسينات .

حقا انه الحب على أصوله بعفويته الجميلة وروحه البعيدة عن كل تلوين . ليس بعيد العشاق فحسب انما عيد الامهات والاجداد حتى أرباب العمل . عيد يهدى به الورد لأنفسنا قبل أي شخص اخر مقابل طهارتنا من الغش والوقوع في الخطأ ليسود معه عالم نظيف لعلاقات اجتماعية وانسانية صحيحة . أتساءل عن سبب صعوبة نطق هذين الحرفين ( ح, ب ) على الرغم من سهولتهما على كل لسان , ما دواعي خسارتنا في شراء بضاعة خرساء ونحن نملك كنوزا في أرضنا وشعوبنا ولغتنا وأسرنا حتى في عروقنا !؟

نعم دم الحب المخثر لا نحتاجه ولا يحتاجنا له طريقه ولنا طريقنا في الحفاظ على أصلنا وأصولنا الثلجية دون تزييف أو بهتان بالوضوح والصدق مع النفس والاخر الانسان قبل أن يكون العشيق . الانسان الطفل , الانسان المرأة لا الأنثى , الانسان ذو الاحتاجات الخاصة لا المعاق , الانسان الفنان . لان كلا منهم يستحق مليون ورده في مثل هذا اليوم وليس بالضرورة حمراء لأن ضريبتها باهظة الثمن والتنافس عليها شديد وكأن لونها يتنافر ولون دم البشر !

أتمنى أن يعود علينا عيد الأمان والسلام والوئام ونحن في أحسن حال على المستوى الفردي قبل الجماعي وعلى المستوى الاجتماعي قبل علاقاتنا العاطفية والجنسية . أتمنى ان تتطهر قلوبنا من كل باطل يستوطنها وان تتسم أرواحنا برهافة الحس دون أن نسبب أي ذرة أذى للاخر في عيد الحب أو غيره . على الاقل لنحيا حياة صحية سليمة قوامها زواج بعيد عن الوساطة ليس له علاقة بورق أو انترنت دخلاء علينا واسطتنا هي ذاتنا وذاتنا لا يشفع لنا الا ان نعزف على كل أوتار السعادة في ذات اللحظة دون أي طفيليات خارجية أو داخلية . سيئ جدا أن نلحظ اعلانا باحدى الصحف العربية ينص على الاتي : " لضيق علاقاتنا الاجتماعية نخصص زاوية للتعارف والزواج !

قبل أن نتجاوب مع الاعلان علينا بوقفة تأملية مع وردة الحياة التي ان أصبحت وساطتنا فقدنا نعمة الورد وحواسنا الست لا الخمس لتكون النهاية " حب على السكين " ! أعتقد ان الحب وعيده قمة من جمالية المشاعر ولكن ديمومتهما الأروع مثلا هل سيزورنا عام الحب ؟ . الايام بيننا حتما سنكون سعداء بعيدا عن فقاعات اللحظات المبتورة .


مشاركة منتدى

  • شكرا مها على المقالة
    الحب موجود فينا منذ االولادة وحتى الممات وليس بحاجة الى تعليم او اعياد واحتافالات ولكن لا ضرر ان احتفلنا بتلك المناسبة مثلما هي بقية المناسبات التي تِأتنيا معلبة من الخارج

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى