الاثنين ١ نيسان (أبريل) ٢٠٢٤
بقلم رشا لطفي زكي محمود

نَفَقٌ إلى سماءِ الحُرِّيَّة

مقدمة:

ثَمَّةَ شُبَّانٌ سِتَّة حفروا طريقَهم إلى الحُرِّيَّةِ نَفَقًا، نبشوه بأظافرِهم وملاعقِ طعامِهم؛ لتُعانِقَ أعينُهم أشعةَ شمسِ أوطانِهم الدفيئةَ ولو لسويعاتٍ قليلة، ويستنشقوا ملءَ صدورِهم هواءَ بلادِهم العَطِرَ؛ فيتزودوا منه أنفاسًا تكفيهم لسنواتٍ قادمةٍ في ذاتِ الجُبِّ الكئيب، ذلك الجبِّ الذي ما لَبِثَ أن ابتلعَهم مرةً أخرى وغيَّبَهم في غياباتِ المجهول*...

من الأنفاقِ أعينُهم تُطِلُّ
فتحنو الشَّمسُ ترجو لو تُظِلُّ
تُهدهِدُ كسرَ أرواحٍ سقاها
أسى الخيباتِ.. عمرٌ مُستَحَلُّ
وتُشرقُ في حنايا النَّفسِ حتَّى
تُبَدِّدَ وحشةً كُبرى وتَجْلو
يَدُقُّ الأرضَ خطوُهُمُ فيهفو
لمرآهمْ ندًى ورُبًى وطَلُّ
وتلمحُهم طيورُ الأُفْقِ تصبو
لجودٍ مِن أَكُفِّهِمُ يُطِلُّ
تحفُّ بجانبِ الطُّرُقاتِ حتىٰ
لَتَحْسَبُ أنَّ كلَّ الكونِ حَفْلُ
وهُم يتنسَّمون عبيرَ مجدٍ
يطوفُ بخاطرِ الذِّكرى ويحلو
لكلٍّ في مدىٰ الأوطانِ بيتٌ
ووالدةٌ وصاحبةٌ وخِلُّ
وأرضٌ من جِنانِ الخُلدِ قُدَّتْ
وفاكهةٌ وزيتونٌ ونخلُ
وقِصَّةُ خافقَيْنِ نَمَتْ و -لولا
قيودُ الأسرِ- حلمٌ مُستهَلُّ
فكيفَ وهذه الآفاقُ ملكٌ
لهم.. ضاقت فليس بها محلُّ؟!
وأنجاسٌ مدىٰ التّاريخِ حلُّوا
فلعْناتٌ عليهم حيث حلُّوا
ولا قَرَّ المقامُ لهم.. وحاقت
بهم عُقبى الضَّلالِ ومَن أضلُّوا
أضاعوا زهرةَ الأيَّامِ هَدْرًا
ودِيسَ بغمرةِ العُدوانِ فُلُّ
فإن ضجَّ الأسيرٌ فلا ملامٌ
وإمَّا فاضَ بالآلامِ كَيْلُ
تَبَدَّوْا كالشِّهابِ بعَتْمِ ليلٍ
وكم غاب الشِّهابُ، وطال ليلُ!
أمامَهمُ اعتباراتُ التَّحدِّي
وخلفَ ظهورِهم عهدٌ مُذِلُّ
وإخوانٌ قَضَوْا في الأسرِ عُمْرًا
همُ السَّلوى، وبعدَ الأهلِ أهلُ
شبابٌ في رَياعينِ الأماني
فليسَ كمثلِهم في الطُّهْرِ مِثْلُ
هوى أوطانِهم دِينٌ وشَرْعٌ
وحقُّ بلادِهم فرضٌ ونَفْلُ
على صُرُطٍ مِن الأشواكِ مَرُّوا
بعزمٍ لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ
سُوَيْعاتٌ مَضَتْ كالطَّيْفِ لكنْ
لها في مُحكَمِ التَّأويلِ فَضْلُ
هُنالِكَ حيثُما احتشدَتْ خُطوبٌ
وسُعِّرَ في صدورِ الحقدِ غِلُّ
وقد غُصَّتْ بأدمعِها ربوعٌ
وخَيَّمَ فوقَ صدرِ الأرضِ هولُ
فكيف يَحُولُ بينَ الأهلِ بينٌ؟!
ورغمَ القُربِ كيف يَعِزُّ وَصْلُ؟!
فإن رُجِعُوا لذاتِ الجُبِّ قَسْرًا
فَهَامُ فَخارِهمْ بالعِزِّ يَعلو
بأغلالٍ كأطواقِ المَنايا..
همُ الأحرارُ، والسَّجَّانُ نَذْلُ
سيُكسَرُ نيرُ هذا الظُّلمِ يومًا
ويُخرَجُ مِن مدائنِنا الأَذَلُّ
ويَرجِعُ بعد لَأْيِ الدّربِ حقٌّ
ويصحو مِن سُباتِ اليأسِ عَدلُ
قريبًا سوفَ نرجعُ يا بلادي
وتاجُ رؤوسِنا العَلَمُ الأَجَلّ

تتناول القصيدة حادث هروب ستة من الأسرى الفلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي من خلال نفق حفروه باستخدام ملاعق الطعام، وذلك في شهر سبتمبر من عام 2021،قبل أن يتم اعتقالهم في غضون أيام قلائل من استنشاقهم أنفاس الحرية، فيما عرف إعلاميا بعملية "نفق الحرية".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى