الأربعاء ١٧ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم مكرم رشيد الطالباني

وَميضُ فيافي البَسمات

شعر كوردي، وترجمة: مكرم رشيد الطالباني

لقد حلّ العيدُ..
ومذ زمنٍ طويلٍ لم أكتحلْ بلقاءِ تُرابٍ تطأُهُ أقدامُ حنانِكَ.
كنتُ خجِلاً أمامَ نظراتِ كدْحِكَ وسَعْيِكَ الأخضرِ.
بُعْدُكَ بحرٌ مالحٌ من عدمِ الالتقاء والتَّشَرُّدِ.
الآن.. أجدُ الأنفاسَ الباردةَ لأيامي،
تائهةً في إعصارِ هذا العصرِ العَبَثِيّ.
أما حزنُ سفينةِ تَعَبِكَ المُحَطَّمَة،
فهو حِمْلُ الماضي الثقيل،
يجثمُ على الكاهِلِ المُنْهَكِ لهذا الفصلِ الرقيقِ من قلبي.

أتَذَكّرُ..
كيف كنتَ تقودُني عبرَ نَفَقِ الجهلِ المُظْلِمِ الدامسِ،
والتخلفِ والأساطيرِ،
وتأخذُ بيدي نحو طريقِ النورِ، والإبداعِ، والعِلم.

أتَذَكّرُ..
حين كنتَ تحصدُ سنابلَ أرز صيفِ العقباتِ والعوانقِ،
وتمشطُ الخُصَلَ المَحْنِيَّةَ للأحلامِ العَقيمةِ.
كنتَ تعتلي صهوةَ جَوادِ الكلالِ،
وتغذُّ السيرَ بشوقٍ جارفٍ، عبرَ جبالِ الغيبِ والمجهولِ في مواسمِ قَحْطِ الفِكْر،
نحو قِمَمِ الآفاقِ ذاتِ الآمالِ الشاخصةِ النَّضِرَة،
كي تقطفَ شريطَ الأمنياتِ القديمةِ الزاهية،
من جدائلِ خُضيراء نجومِ سماءِ الشمسِ.

أتَذَكّرُ..
كيف أنَّ ملحمةً من التاريخِ المَشْحُونِ بالمآسي،
قد سدَّتْ طريقَ خيولِ أحلامِك؛
لكنَّكَ كنتَ تَهزُّ عِنانَ القوةِ والقدرةِ في ساعدِك،
وتندفعُ نحو ضَفَّةِ الخلاصِ الأخرى.
كنتَ تحرقُ شَحُومَ نهرِ الحظِّ،
بنارِ السَّعْيِ وجَذْوَةِ الإعياء.
وكانت الفكرُ والتأملُ والتدبر..
تلهثُ خلفَ حصانِكَ المُتْعَب،
وتُثيرُ الغُبَار!

أتَذَكّرُ..
حين كانت جراحُ أناملِ وعْيِكَ،
تنزفُ عِبرَ شُقُوقِ المآسي،
دمَ المنسيينَ المُغتَرِبين؟

أتَذَكّرُ..
حين كانت بَسْمَةُ الحنانِ والعشق،
تَحْرَدُ وتَغِيبُ عن شِفَاهِ حَظِّ تاريخِك؛
فكنتَ أنتَ، في غَبَشِ الأحلامِ العَقِيمةِ والأَرَق،
تُعَلِّقُ زهرةَ الأملِ على صَدْرِ الرغبات،
كي يثمُرَ بستانُ العوزِ،
ويبدأَ طفلُ الحلمِ حَبْوَهُ الأول.

أتَذَكّرُ..
حين كنتَ تحصدُ زرعَ حقولِكَ وبَيَادِرِ أيَامِك،
وتجمعُ غِلالَ قمحِ وشعيرِ أمنياتِك،
وتَدْرُسُ بَيْدَرَ تَعَبِكَ العظيم،
وتُذَرِّي حُبُوبَ قوّةَ عزيِمَتِكَ وقُدْرَتِك،
كي يتبدَّدَ ظلامُ نَفَقِ الجهل..
وتَهْتَزَّ قَرْيَةٌ من الرغبة،
ونهرٌ من الأمنيات،
وسَهْلٌ من الأمل،
وتَبْتَسِمَ فيافي وَطَنٍ بأسْرِها وتَزْهَر!

أتَذَكّرُ..
حين كان حبلُ الموانعِ يلتفُّ حولَ عُنُقِ كَدْحِكَ فَيَخْنُقُه،
وكان ظلامُ الليالي الحَالِكَة،
يُطَارِدُو يُشَرِّدُ طَيْرَ قُدْرَتِكَ؛
لكنَّكَ، في حِضْنِ تَرَانِيمِكَ وأغنياتِكَ
كنتَ تَصْدَحُ بألحانِ الملاحِمِ والمواقفِ الأَبِيَّة،
وتجتازُ وعورةَ الدربِ والمنحدرات.
وفي قلبِ دَوَّامَةِ الذهولِ والعَجْز،
كنتَ تمسحُ عَرَقَ الوصولٍ إلى قِمَّةَ الحُلْم!

لقد حلّ العيدُ..
وقد استبدَّتْ بي كُلُّ أفكارِ الاغترابِ والرحيل،
وأسَرَنِي الخَجَلُ أمامَ ساعدِ كفاحِكَ وإعْيَائِك،
فأقعدَنِي عِنْدَ مُفْتَرَقِ طُرُقِ الحَيَاءِ مَكْبُولاً.
مَتى سأقفُ عِنْدَ تُرَابِ حَضْرَتِكَ الخَاشِعَة،
خَجَلاً،
فَأَقْطَعُ حَبَاتِ قِلادَةِ الحَيَاءِ حَبَّةً حَبَّة،
وأغرسُ قُبْلَةً عَمِيقَة..
في جَبِينِ أُبُوَّتِكَ المَهيب؟!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى