الثلاثاء ١٤ حزيران (يونيو) ٢٠١١
بقلم أنطوان القزي

يحيى السماوي في «بعيداً عني... قريباً منكِ»

غجريّ لا وطن له غير الفضاء

ترقص سفنُ ناظريَهِ في غفلةِ المراسي وينثرُ مدادُه الأبيضُ ريقاً لموجٍ عاشق، وترصف أبياته ادراجَ الغمام نسمةً نسمة لتهطلَ أمطارُ حبّهِ حنيناً يرفل أعناق الأقاح عقداً لأميرةٍ جديدة..
يحيى السماوي شاعرُ الغرباتِ الفاتنة، يزيّنُ سرابَ الهجير بأيقونة العشّاق، يسبر عطرَ الخمائل بباقاتِ نهداته ويرسمُها خريطة أجنحةٍ في عيني محبوبته.

«بعيداً عني.. قريباً منك» يختصر الأسماءَ في مآذنِ الضوءِ ترنيمة وباقة عبور، يسدلُ ضفائر النخلةِ ظلالاً لأريحيةٍ تسيّجُ يبابَ القلب برموشِ النراجس.

ليس شعراً يذريهِ السماوي في صحراء عمره، ليس محراباً يفتح للجنّةِ بابَ غلوائه، إنه ثغرُ القصيدة مذبوحاً على شفار القلب، وتفاحة السفح على وجنةِ الأسحار، إنه طبقُ الياقوت على صدر الحبيبة يغزل وشاحَ اللهفة على دروب العذارى .

في ديوانه الجديد يسرج يحيى السماوي خيولَ الكلام، وعلى الأسنّة تمخر ملامحُه أسفارَ الأفق، وخلف سطوره يستريحُ الخَلق في لعبةِ الأكوان، مزهواً في حدائق العشّاق، يغرسُ تيجانَ الصبح أسواراً لأنثى تشقّ رداءَ الغسَق ولا تستأذنُ الدخول.

يعلن السماوي ولاءَه للروح، للمواجد الدافئة، لأغنية السومري الذي أطلقَ سهامَ الجدائل ظلالاً للعصافير، ويطلق الشاعر ابتسامته الرمضاء لفاتنةٍ بتول ترُود النيابيعَ عطراً من شالها القرمزي.
تلك هي قصورُهُ الاسطورية، يرتادها السماوي اميراً يبلسمُ الهزيعَ برجفةِ القناديل، ويفترش المساءاتِ مساحة للنوارسِ الولهى.. هناك تغفو الشفاه مختومة بالجرح الأحمر.. وهناك ترصف الضلوعُ جسورَ لهبٍ الى الجفون الحالمة.

أرجوحتهُ القمر تسدل ضفائرَ النجومِ وشائجَ شوق، وأرغنه المنذور على الصباحاتِ يفتح نوافذ العتابِ على أمسٍ هارب «لا يغويه صدرٌ نافرُ النهدين ولا سلاسة الساقين ولا غنجُ العينين».
يحيى السماوي يكحلُ الضياءَ بريشةٍ حُبلى تلبس ثوبَ الدلال، ترمق الشفَقَ بغمزةِ حوريةٍ عاشقة وترودُ الموجَ كما العاشقُ يرتادُ ليلَ الندامى.

شاعرٌ يخفقُ النجيعَ خمارة عذاب، ورغيفُ حبّه هائمٌ على بيادرِ العذابات، يغربلُ حبّاتَ قمحهِ خبزَ المواسم، وزؤانُ الوجعِ يُمسي نهاية نادل أطفأ المصابيحَ معلناً رحيلَ السكارى وقد غسلوا قلوبهم بنمير الفراتين.

يحيى السماوي، نورسٌ عراقي، هجعة الأطيار تفيءُ الى أجفان قريحته، هناك يرمي الجسد المبلول ذاته فراشة ترفعُ رذاذَ دجلة الى سماءِ السماوة، وتغرف من ريقِ بغداد نيازكَ تشقُّ الأديم ليولدَ عراقهُ الجديد من عينيّ حبيبةٍ عاشت على جمرِ الانتظار ومن همسِ فاتنةٍ تستمطرُ الكواكبَ درباً الى قلب الشاعر.

«بعيداً عني... قريباً منكِ» وليس اقربُ الى الشاعر من خيمة تُطوى على أرض الرافدين وليس أبعدُ من غجريّ لا وطن له غير الفضاء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى