الاثنين ٢٦ تموز (يوليو) ٢٠١٠

16 ساعة مع هيكل

عبدالله السناوي

قبل خمسة أيام من رحلته المثيرة والمفاجئة إلى العاصمة الليبية طرابلس، سألني الأستاذ محمد حسنين هيكل إن كنت مستعداً أن أصحبه فيها. لقد تحدد كل شيء. العقيد الليبي معمر القذافي سوف يرسل صباح السبت (17 يوليو) طائرة خاصة إلى مطار العلمين على الساحل الشمالي، بالقرب من “قرية الرواد” حيث منزل هيكل الصيفي، لتحمله إلى طرابلس وتعود به في اليوم نفسه. غير أنه أضاف: “أعرف أن ظروف عملك قد لا تمكنك من السفر في هذا التوقيت، فالطائرة سوف تقلع في اللحظة ذاتها التي اعتدت أن تخلد فيها إلى النوم بعد يوم عمل طويل وشاق في إعداد الجريدة للطبع.. فكر في الأمر، فالرحلة سوف تكون منهكة”.

مهلة التفكير لم تمتد لأكثر من دقيقتين، وعاودت الاتصال قائلاً: “هل هناك صحافي عاقل يعرض عليه الأستاذ أن يكون رفيقاً في رحلة سفر وشاهداً مؤتمناً عليها.. ثم يقول إنه في حاجة إلى التفكير، أنا ذاهب معك، وهذا قراري النهائي، إلا إذا تراجعت أنت عن الدعوة”.. وقد كانت الرحلة كما توقع هيكل منهكة للغاية، فقد استغرقت سفراً لمدة (11) ساعة في يوم واحد (5) ساعات على طائرة خاصة بين الساحل وطرابلس، و(6) ساعات أخرى في رحلة الذهاب والعودة بين القاهرة والساحل بالسيارة.. وعلى رغم ذلك فقد كانت بحواراتها المطولة مع الأستاذ ثرية ومدهشة.

(1)

كعادته يستيقظ هيكل مبكراً مع لحظات الصباح الأولى، وليس بوسعه أن يغير عاداته، ساعته البيولوجية منضبطة مواقيتها، وكانت مشكلته في هذه الرحلة أنه سوف يعود متأخراً ومرهقاً إلى بيته الصيفي في “قرية الرواد”، ولكنه سوف يستيقظ في مواعيده المنضبطة، فالأمر كما يقول دائماً: “ليس في يدي.. مهما كان الإرهاق بالغاً والإنهاك فادحاً”.. كان يدرك ذلك ويتحسب له، ولكنه يقبل تكاليفه. ففي الرحلة إلى طرابلس شيء من ذكريات التاريخ، وقد كان الشاهد الأول على أحداثها، وأول من التقى قائد الثورة الليبية معمر القذافي بتكليف من الرئيس جمال عبدالناصر، وتابع أحوالها وتحولاتها، وله رؤى وانتقادات عليها مذاعة ومنشورة. وفي الرحلة إلى طرابلس شيء من الاقتراب من الأحوال العربية المعاصرة، وهي محزنة وبائسة، والقادة العرب أنفسهم يعترفون بأنها محزنة وبائسة، فالزعيم الليبي هو رئيس الدورة الحالية للقمة العربية، وهناك قمتان في الخريف سوف يترأسهما، ولديه تصورات واقتراحات لتطوير الجامعة العربية، قال لهيكل هاتفياً إنه يريد أن يحاوره فيها ويستمع منه حولها، غير أن هيكل ظل يتساءل عن أسباب الدعوة الرئاسية الليبية لزيارتها في هذا التوقيت، ولم تكن لديه إجابة يقينية، ولكنه كان يدرك أن طبيعية شخصية القذافي تسمح بأن تظل كل السيناريوهات والاحتمالات مفتوحة.

(2)

عندما وصلت إلى “قرية الرواد” كان الأستاذ متأهباً تماماً لرحلة السفر. وقد ارتدى “جاكيت” أزرق وتحته قميص أبيض بلا ربطة عنق، وبدا ذلك بذاته داعياً للتأمل، فهو رجل اعتاد أن يكون رسمياً في مثل هذه الزيارات الرسمية، لكنه قدر أنه بصدد يوم طويل وحافل، وقد استغرقت وقائعه نحو (16) ساعة، وخطط إلى عدم الاضطرار إلى الراحة خلالها، أو المبيت في طرابلس، وأن الأفضل أن يكون على راحته. دخلنا مباشرة إلى الرحلة وأجوائها، ولكنه أراد قبل أن يغادر أن يتصفح جرائد الصباح، وبدا لافتاً أنه انتهى منها في نحو (30) ثانية، طالع سريعاً العناوين الرئيسة، وألقى نظرة على محتويات الصفحات الداخلية، ثم قال: “لا شيء يثير الاهتمام”. وكان الأستاذ قد قال في حوار صحافي شاركت فيه الراحل الكبير محمود المراغي قبل 17 عاماً إنه يقرأ الجرائد المصرية في خمس دقائق، وهي الفترة التي تستغرقها السيارة التي كانت تحمله يومياً من منزله على نيل الجيزة إلى نادي الجزيرة الذي كان يمارس فيه رياضة الجولف في ذلك الوقت، ويشعر أن “بلدوزر” قد داسها.. قلت له في الرواد: لابد أن أحوال الصحافة قد تدهورت بذات النسبة، فلم تعد تستغرق قراءتها سوى (30) ثانية، أجاب بلا تردد: وبأكثر وأفدح مما تتوقع، وكانت أحوال الصحافة المصرية جانباً رئيساً في حوارات الطائرة التي حملتنا إلى طرابلس وعادت بنا في اليوم نفسه، وفي تقديره أن أحوال الصحافة من أحوال المجتمع الذي تصدر فيه والسياسة التي تحكمه، وأن مصر لم يعد بلداً منتجاً للأخبار، وهي ما تعنيه قبل أي شيء آخر في صناعة الصحافة.. وبدا مثيراً ومدهشاً أنه قد أتقن، وهو يقترب من السابعة والثمانين، التعامل مع الوسائط الحديثة للمعلومات، ويحمل معه جهاز (I pad) أينما ذهب يتابع عليه الأخبار والتقارير الصحافية الدولية.. وعلى الطائرة استأذن قائدها في استخدام هذا الجهاز، وفيما قرأ بدا أن هناك خبراً عاجلاً يتعلق بليبيا حيث نتجه إليها الآن، فقد أعلنت وزارتا الخارجية في واشنطن ولندن أن شركة “بي بي” قد استخدمت نفوذها لدى اسكتلندا للإفراج عن المتهم الليبي في قضية لوكيربي “عبدالباسط المقراحي” في صفقة وقّعت بمقتضاها ليبيا عقود تنقيب عن البترول مع الشركة البريطانية العملاقة.. قال الأستاذ: لديك الآن أسئلة جديدة في ملفات ملغمة.. سألته على الفور: “هل الصحافي هو الذي يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هي التي تبحث عنه؟”.. أجاب بحكمة وخبرة السنين، وهو الذي وصفته “الواشنطن بوست” بأهم صحافي في العالم بالقرن العشرين: الاثنان.

(3)

لم تكن فكرة رفقة السفر جديدة أو طارئة، فقد أطلعني الأستاذ بكرم بالغ على تفاصيل دعوات أخرى من مراجع ورئاسات في المنطقة تطلب زيارتها في التوقيت الذي يناسبه وبالترتيبات التي يطلبها.. وهي زيارة إلى قلب اللهب وصناعة الأخبار في المنطقة، غير أن اتجاه الرحلة تحول من شاطئ إلى آخر، ومن أحوال إلى أحوال أخرى

(4)

كانت هناك مفاجأة تنتظرنا في مطار العلمين الدولي، وهو مطار خاص يملكه رجل الأعمال “محمد إبراهيم كامل”، وتتولى فيه الشرطة مهام الحماية والجوازات.. ففي الوقت الذي كانت الطائرة التي حملت هيكل إلى طرابلس تستعد للإقلاع، صدرت تعليمات تمنع أي طائرة من التحليق، فقد كانت طائرة رئاسية توشك أن تهبط في المطار.

في الساعة الحادية عشرة والربع من هذا الصباح هبطت الطائرة الرئاسية، ونزل الرئيس “مبارك” وئيداً، ولكن بثبات، على سلالمها تتبعه السيدة حرمه، ولم يكن معهما أحد آخر، باستثناء معاون أو اثنين من رئاسة الجمهورية يحملان الحقائب.. كانت هناك تشريفة أحاطت بمدرج المطار، وتسع سيارات مرسيدس صاحبت الرئيس على الأغلب إلى استراحته في رأس الحكمة، ويبدو أن الرئيس قد أمضى فيها ليلته، قبل أن يعود صباح اليوم التالي الأحد إلى القاهرة حيث شارك في بعض الاحتفالات العسكرية واستقبل رئيس السلطة الفلسطينية “أبومازن” ورئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو”.. وقد علمت فيما بعد أن الرئيس قد أُبلغ أن الأستاذ هيكل كان في مطار العلمين في اللحظة نفسها.

كان الرئيس الذي لم يكن يتوقع أن أحداً يرقبه وهو يهبط في مطار شبه خال، في حالة صحية تسمح له أن يسافر لقضاء يوم في الساحل الشمالي والعودة في اليوم التالي.. والمشهد يوحي بحقائقه، فصحته ليست في خطر داهم على ما أشاعت التقارير الغربية، وربما يقال إن ظهوره السياسي والإعلامي المتكرر يعطي المعنى نفسه، لكنه في هذه المرة لم يكن يتوقع أن هناك من يتابعه من خلف نافذة في طائرة خاصة توشك على الإقلاع.

كانت الأخبار مرة أخرى.. وفي يوم واحد تدهم الصحافي من حيث لا يحتسب أو يتوقع.

(5)

كانت الرحلة إلى طرابلس في جوانبها الرئيسة أقرب إلى زيارة في التاريخ وإليه، فقد تطرق هيكل في “سيرة حياة” على محطة الجزيرة، إلى وقائع الثورة الليبية في سياق الصراع الاستراتيجي والعسكري الضاري على المنطقة أثناء حرب الاستنزاف.. بدا هيكل معتقداً أن الثورة الليبية في توقيتها (سبتمبر 1969).. وفي سياق صراعات المنطقة وعليها.. وبانحياز قيادتها الشابة وقتها إلى جمال عبدالناصر وثورته ومشروعه.. تحوّل استراتيجي له أهميته في الصراع، وله حساباته الجديدة في الأجندات المختلفة، وله تداعياته على موازين القوى في البحر المتوسط، وأخذ يروي بوثائق جديدة دلالات ما جرى بعد الثورة الليبية في الصراع على المنطقة وفي الحسابات الدولية، غير أنه في الوقت ذاته أبدى انتقادات جوهرية لسياسات وتصرفات وتصريحات الزعيم الليبي.. والمثير أن القذافي أخذته ذكريات الأيام الأولى إلى مناطق دافئة ومشتركة مع هيكل، وكان مستعداً لأبعد حد أن يغض الطرف عن انتقادات الأخير اللاذعة، وبعضها بث على محطة الجزيرة قبل الزيارة بساعات.

شيء في الذاكرة دعا القذافي إلى التركيز على الأيام الأولى، والبراءة الأولى، وأفكار الوحدة التي أُجهضت، وأن ينحي جانباً أوجه الخلاف مع السياسات الحالية التي ينتهجها والتصريحات المثيرة التي يطلقها.. وفكرة الدعوة ذاتها بدأت من هنا، فعندما تطرق هيكل إلى الثورة الليبية في سياق حرب الاستنزاف والصراع على المنطقة بدا أن ذلك مثير لقيادات ليبية، والقذافي في أولهم، فقد أرسل نجله “أحمد سيف الإسلام” لزيارة هيكل في مزرعته بـ “برقاش”، حاوره طويلاً في بعض الأمور التي تشغله، وبعض ما طرح كان مثيراً، غير أن تلك قصة أخرى.. ودعاه باسم والده لزيارة ليبيا.. ومرة بعد أخرى توالت الرسائل: “نحن في انتظارك”.

(6)

كانت لدى القذافي شواغله في هذا الصباح، فقد كانت “قمة تشاد” الإفريقية توشك أن تلتئم بعد أيام قليلة، وقضية ملاحقة الرئيس السوداني عمر البشير تأخذ منحىً جديداً وخطيراً بإسناد تهمة الإبادة الجماعية في دارفور إليه، وتشاد دولة موقعة على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية، وبدا في اجتماعات طرابلس التمهيدية أن ثمة تباينات واختلافات ظاهرة بين قادة أفارقة في معالجة هذا الملف، وفيما يبدو من سياق الأحداث أن القيادة الليبية عملت في هذا الصباح على ضمان نوع من الدعم السياسي والقانوني للرئيس السوداني.. وبرغم هذه الشواغل، فإن العقيد القذافي حرص على اختصار الاجتماع الصاخب، حتى يتسنى له وقت أطول لاجتماع آخر من نوع مختلف مع هيكل.

(7)

في طرابلس بدت الزيارة “شخصية”، لقاء بين رجلين تقادمت على أول لقاء بينهما العقود.

ذكريات التاريخ غلبت على أجوائها العامة، ولكن كان عند القذافي أسئلة في الحاضر تشغله، ويريد أن يستمع إلى إجابات عنها من هيكل.. فهو رئيس القمة العربية الحالية، ولديه أفكار وتصورات، ولكنه لم يسهب فيها، كان شبه يائس من أي إصلاح في بنية الجامعة العربية، وكانت أحوال العالم العربي أمامه داعية إلى مزيد من هذا اليأس، وكانت لديه أسئلة من نوع مختلف حول مستقبل النظم العربية في المنطقة، وليبيا نفسها لديها مشاكلها مع هذا المستقبل.

والحوار كله لم يكن للنشر، فهو ملك الرجلين، وقد كنت شاهداً مؤتمناً عليه، ولكن الأجواء تبدت فيها رغم التناقض مع الحاضر، أو ربما بسبب هذا التناقض صورة “جمال عبدالناصر” حاضرة وقوية، فهو “الريس”، كما قال القذافي أكثر من مرة في معرض الحوار الشخصي.

(8)

في حديث الذكريات تحدث القذافي متدفقاً عن حوارات مع “الريس”.. مستعيداً أدوار شخصيات ذكرها هيكل في حلقات “سيرة حياة”، فقد ذكر أن المقدم آدم حواس هو الذي استقبله في المطار عندما قدم إلى ليبيا بعد الثورة بساعات، ووصفه بأنه كان عضواً في مجلس قيادة الثورة، غير أن القذافي حاول أن يدقق المعلومات، نافياً أن يكون “حواس” عضواً في القيادة أو عضواً في التنظيم، فقال هيكل: “لقد قدم نفسه يومها بهذه الصفة” . . أردف القذافي: المعلومات عنه قبل الثورة أنه رجل له سمعة طيبة، ولذا كلفناه استقبال الضيوف الذين توافدوا على ليبيا في تلك الأيام، وكانت رتبته أعلى، وأن هذا قد يوحي بأن قادة الثورة رتبهم تفوق رتبة المقدم، وقد كنت ملازماً أول في الثامنة والعشرين من عمري، وكان ذلك مفيداً، غير أنه حاول أن ينقلب على الثورة بعد ذلك.. وأذكر والكلام للقذافي أن الريس عبدالناصر قال لي إن المجتمع المصري لم يكن يقبل في عام (1952) أن يحكمه شاب في الخامسة والثلاثين برتبة مقدم، الشيء نفسه كان عندنا في الساعات الأولى.. وفيما يبدو أن القذافي، الذي يتابع ما يقوله هيكل على الجزيرة، أراد أن يودع لديه شهادته الخاصة على الأحداث ذاتها فأهداه كتاباً سجل فيه ذكرياته الشخصية، وكتب بخط يده عليه: “مع تحياتي وتقديري للأخ محمد حسنين هيكل”.

(9)

وقائع الحوار جرت في “باب العزيزية” مقر القيادة الليبية في طرابلس، وهو أقرب إلى أن يكون قلعة.. كانت “خيمة القذافي” قريبة، ولكنه فضل أن يستقبل ضيفه في حديقة تطل على بيته القديم الذي قصفته بقسوة الطائرات الأمريكية على عهد الرئيس رونالد ريغان، والذي حول أطلاله إلى متحف ومزار . كان القذافي يرتدي بدلة خضراء نقشت خرائط لإفريقيا بصورة متكررة عليها، وفوقها عباءة بنية، وبدا مستريحاً وهادئاً، على عكس الصورة الذهنية التي شاعت عنه.. وعندما قلت له إن أجيالاً من القوميين ألهمتهم الثورة الليبية في بداياتها، وأوجعتهم في العمق محاولة استهداف حياته في الغارة الأمريكية، وجدوا أنفسهم يعارضونه بعنف عندما صدرت عن ليبيا أقوال وتصرفات أقل ما توصف بها إنها محبطة في العلاقة بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد أدت تلك الانتقادات إلى رفع نحو (34) قضية باسمك على صحافيين مصريين، كنت واحداً منهم . . سأل بهدوء بالغ لم أتوقعه: متى ذلك..؟ قلت: “في عام 2003” مشيراً إلى بعض التصرفات الليبية التي أعقبت احتلال العراق. قال على الفور: “وهل يعجبك الوضع العربي كله، عندكم من يقول إن القومية العربية موضة قديمة، وعلى كل حال أدعوك أن تذهب الآن لترى بنفسك الثمن الذي دفعناه في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية”، مشيراً إلى بيته المهدم، وقد زرته بالفعل بصحبة أحمد قذاف الدم منسق العلاقات المصرية الليبية الذي صاحبنا طوال الرحلة، وقف ينتظر الأستاذ هيكل على باب الطائرة عندما حطت في طرابلس، وودعه من ذات المطار في المساء.. وكان بصحبته في المرتين الاستقبال والوداع قائد المطار، وهو عميد طيار حارب مع القوات المصرية في حرب أكتوبر (1973).

(10)

سألت العقيد القذافي عما نشر في هذا الصباح عن صفقة الإفراج عن المقراحي.. فبدا أنه يستمع إلى هذه الأنباء للمرة الأولى، وأخذ الأستاذ هيكل يشرح باستفاضة تفاصيل الأخبار التي طالعها، وفيما يبدو أن معاوني العقيد الليبي لم ينقلوا إليه ما بثته وكالات الأنباء، فقد كانت عنده اجتماعات إفريقية بدت أمامهم أكثر أهمية وإلحاحاً.. وبإجابة مقتضبة قال القذافي: “نحن جاهزون”، قاصداً مواجهة أي احتمالات لموجة تحرش جديدة بليبيا.

(11)

عند بعض المحطات الملتهبة بدت إجابات القذافي مقتضبة للغاية، فهو لا يريد أن يتورط في تصريحات ملتهبة أمام صحافي. تحدث على طريقته الخاصة اللاذعة عن القمة الثقافية العربية، وأطلق بعض العبارات عن مستوى ثقافة الحكام العرب، ولكنه طلب عدم النشر.

(12)

لم يعلن في طرابلس عن زيارة هيكل أثناء وجوده فيها، ولكن المواطنين الليبيين الذين تصادف أن التقوه رحبوا به بحرارة واستأذنوه في التقاط صور تذكارية، وأرسل اثنان من أبرز القيادات التاريخية للثورة الليبية، هما الفريق أبو بكر يونس واللواء مصطفى الخروبي باقتي ورد إلى الفندق الذي نزل فيه، قبل أن يتوجه إلى باب العزيزية، ترحب بـ “العلم العربي الكبير في الجماهيرية”.

(13)

في طرابلس سألت أحمد قذاف الدم الذي كان يترأس محطة الساعة التي أغلقت: “هل تعود؟”.. أجاب بكلمة واحدة: لا. وبدا لافتاً أنه، وهو منسق العلاقات المصرية الليبية، قد وصفها بـ “علاقات حُسن الجوار”، وهذا تعبير دقيق يستمد أهميته من أنه أعقب سلسلة من التوترات الحادة على عهد الرئيس السابق أنور السادات، ولكنه لا يرتقي على أي نحو للمستوى المفترض في العلاقات بين بلدين عربيين يمثل كل منهما للآخر عمقاً استراتيجياً.

(14)

في الحوار الطويل والممتد على الطائرة تحدث هيكل مطولاً عن أحداث شارك فيها، وملابسات لم تكشف كامل وقائعها، وعلاقته مع السادات وتعقيداتها، وأسهب في الكلام عن مايو ،1971 وبدا أن لديه جديداً يريد أن يقوله، وهو موضوع الجزء المقبل في سيرة حياة.

في بعض مناطق الحوار عندما تباينت، الرؤى قال الأستاذ إنه سوف يشرح وجهة نظره موثقة ومدققة في الأحداث العاصفة، وحقيقة دوره فيها، فهو لم يأت بالسادات رئيساً، ولكن كان له دوره في أحداث مايو، والقصة كلها تحتاج إلى توثيق وإعادة فحص ونظر.

(15)

هناك ما يشبه الإجماع على أن الإسهام الفكري والسياسي والصحافي الرئيسي لهيكل هو مجموعة كتبه عن حرب الثلاثين عاماً، فقد وثقت للصراع على المنطقة، ووضعت الوثائق في سياق استراتيجي يستند إلى رؤية واضحة لحقائق الجغرافيا والتاريخ في الإقليم، ولكن للأستاذ هيكل رأياً آخر، فهو يعتقد أن كتابه الأهم، والذي يفخر به في سجله الصحافي والإنساني أكثر من أي كتاب آخر هو: “لمصر لا لعبدالناصر”.. مجموعة من المقالات كتبت في ذروة الحملة على عبدالناصر، تطرقت إلى أوجه الحملة وردت عليها، نشرت خارج مصر في البداية، ثم جمعت بعد ذلك في كتاب. في ذلك الوقت كان الرئيس السادات قد بدأ مرحلة جديدة من حكمه تنصلت من مواريث ثورة يوليو وجمال عبدالناصر الفكرية والاجتماعية والاستراتيجية.

كانت مرحلة مختلفة تناقضت فيها السياسات، وأخذ بعض من أعضاء مجلس قيادة الثورة يشاركون في الحملة على عبدالناصر، وربما تصور السادات أن معيار الولاء له هو الهجوم على عبدالناصر وعصره.

قال هيكل: “أنا وأنت الآن في السماء، مصائرنا معلقة على عناية الله، أقول لك إن أكثر ما يجعلني أشعر بالفخر في سجلي هو هذا الكتاب.. كنت أمام تحد حقيقي له تكاليفه، وأولها الصدام المباشر مع رئيس الجمهورية، ولكني اخترت وعبرت عن انحيازي وكتبت اعتقاداتي في وقت عصيب، بدا فيه أن رجاله يخونونه، أردت أن أقول إن القضية ليست كذلك، وللحقيقة وثائقها، وأن عبدالناصر زعامة تاريخية استثنائية يصعب أن تتكرر، كان صديقي، ولكنني أحمل الأفكار والتوجهات ذاتها، وخيانة هذه الأفكار هي خيانة لنفسي”.

(16)

من عاداته رغم إنهاك السفر أن يظل متيقظاً، قال إنه لم يحاول أبداً أن يغفو قليلاً في سيارة أو طائرة، ولا يعتقد أنه يستطيع ذلك.

في رحلات السفر تتبدى طبائع البشر لا اصطناع فيها ولا كلفة.. وفي هذه الرحلة بدا الأستاذ رجلاً يعرف قدر نفسه، ويعرف ما يريد، ويعرف كيف يتصرف، حنوناً بصورة مدهشة وطبيعية. وذات مرة سألته عن رأيه في الصورة الذهنية التي شاعت عنه من أنه “ماكينة أفكار”.. قال ساخراً: “ماكينة إيه.. أنا نصف الذي أكتبه أدب”، في الرحلة أخذ يستعيد بحسب الأحوال أبياتاً للشعر، ويروي أحياناً على طريقته نكتاً لاذعة، ويغمرني بفيض أبوته.. وكانت رفقته في رحلة ال (16 ساعة) تجربة إنسانية فريدة.. ولكن تلك قصة أخرى.

عبدالله السناوي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى