30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى
ليس من الدقة أن نضع يوم الأرض في خانة “الذكريات”. الذكرى تفترض أن الحدث انتهى، وأن ما تبقى منه هو أثرٌ يُستعاد. لكن 30 آذار يقاوم هذا المصير؛ إنه لا يُستعاد لأنه لم يغادر الحاضر أصلاً. ما حدث في 1976 لم يُغلق كصفحة، بل ظل مفتوحاً كجرحٍ يتغيّر شكله، لا عمقه.
في ذلك اليوم، لم يكن الفلسطيني يحتج فقط على مصادرة أرض، بل كان يواجه فكرة كاملة: أن المكان يمكن أن يُعاد تعريفه من دون أهله، وأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى قرار إداري. لذلك، فإن ما انفجر في الجليل لم يكن غضباً عابراً، بل لحظة انكشاف—انكشاف أن الصراع لم يكن يوماً على قطعة أرض، بل على معنى الأرض نفسه.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الأرض قابلة لأن تُفهم بوصفها ملكية. الملكية تُنقل، تُباع، تُشترى. أما الأرض، في التجربة الفلسطينية، فهي ما لا يُنقل: هي الذاكرة حين تتجسد، واللغة حين تتخذ شكل تضاريس، والزمن حين يصبح قابلاً للمسّ. ولهذا، فإن مصادرتها ليست خسارة عقارية، بل عملية اقتلاع متعددة الطبقات: اقتلاع للبيت، وللاسم، وللعلاقة التي تربط الإنسان بزمنه الخاص.
في صباحٍ عادي في قرية فلسطينية—ليس بالضرورة في 1976، بل في أي يوم—يخرج فلاح إلى أرضه. يعرف حدودها لا من الخرائط، بل من خطوات قدميه. يعرف الشجرة التي زرعها أبوه، وتلك التي مات قبل أن يراها تكبر. يعرف أين تتكسر التربة، وأين تختزن الماء، وأين تمر الريح في آخر النهار. هذه المعرفة ليست تقنية؛ إنها شكل من أشكال الانتماء. حين تُصادر هذه الأرض، لا يُنتزع الحقل فقط، بل يُنتزع هذا النوع من المعرفة—المعرفة التي لا تُكتب، بل تُعاش.
هنا تحديداً، يصبح يوم الأرض أكثر من حدث تاريخي. إنه لحظة وعي: اللحظة التي أدرك فيها الفلسطيني أن الدفاع عن الأرض ليس دفاعاً عن مورد، بل عن نفسه بوصفه كائناً مرتبطاً بمكان. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد ممكناً الفصل بين “السياسي” و“اليومي”. كل بيت يُبنى أو يُهدم، كل طريق تُفتح أو تُغلق، كل شجرة تُزرع أو تُقتلع—كلها أفعال سياسية، حتى حين تبدو تفاصيل حياة عادية.
لكن ما يجعل هذا اليوم عصيّاً على التحول إلى طقس، هو أنه يكشف أكثر مما يرمز. إنه يكشف أن السيطرة على الأرض لم تعد دائماً فعلاً مباشراً. لم تعد المصادرة دائماً قراراً فجّاً؛ صارت نظاماً كاملاً من القوانين، والتخطيط، والتقييد، يجعل الوجود نفسه هشّاً. هكذا يتحول الاقتلاع من حدث صاخب إلى عملية بطيئة، من صدمة إلى استنزاف، من مواجهة إلى انتظار طويل.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليوم الأرض هو أن يتحول إلى مناسبة مطمئنة. إلى خطاب محفوظ، أو إلى طقس سنوي تُعاد فيه الكلمات نفسها، وتُزرع الأشجار بوصفها رموزاً لا أفعالاً. حين يحدث ذلك، لا تُفقد الأرض فقط، بل يُفقد معناها أيضاً. لأن الأرض، في جوهرها، ليست ما نرثه، بل ما نُبقيه حيّاً.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا يعني أن نتحدث عن الأرض، فيما تتآكل علاقتنا اليومية بها؟ ماذا يعني أن نرفعها إلى مستوى الرمز، فيما تُفقد على مستوى الحياة؟ هل يمكن للأرض أن تبقى قضية، إذا لم تبقَ مكاناً يُعاش فعلاً؟
ربما لهذا السبب، لا تكفي الذاكرة. الذاكرة، مهما كانت قوية، يمكن أن تتحول إلى ملاذ. أما الأرض، فلا تحتمل أن تكون ملاذاً فقط؛ إنها تتطلب أن تكون فعلاً. أن تُزرع، أن تُسكن، أن تُروى، أن تُعاد صياغة العلاقة معها خارج اللغة الجاهزة.
وفي هذا المعنى، فإن يوم الأرض ليس يوماً للوفاء للماضي، بل اختباراً للحاضر. اختبار لما إذا كانت الأرض ما زالت علاقة حيّة، أم أنها بدأت تتحول إلى فكرة جميلة. لأن أخطر أشكال الفقد ليس أن تُؤخذ الأرض، بل أن تبقى كاسم، بينما تُفقد كحياة.
30 آذار، إذن، ليس تاريخاً. إنه مرآة. وفي هذه المرآة، لا يرى الفلسطيني فقط ما خسره، بل ما يخاطر بأن يخسره إن اكتفى بالتذكر.
ليس السؤال من يملك الأرض،
بل: من بقي حيّاً فيها؟
إذا أردت الخطوة الأخيرة:
أستطيع تحويله إلى نسخة قابلة للنشر في صحيفة (مع مقدمة تحريرية + اقتباس بارز + صياغة احترافية).
