احتفاء بالواقع والنقد والسرد
أتى بوشعيب الساوري إلى عالم الرواية من حقل قريب منها هو مجال النقد الروائي، وحينما يتعلق الأمر بناقد يعي أدواته الفنية، ويجتهد لأن تكون حاضرة بشكل من الأشكال في متنه الإبداعي، يتخذ الأمر بعدا ميتاروائيا. وتصبح التجربة الإبداعية ذاتها مادة للتأمل. حيث يسعى الروائي، وهو يكتب، لاستحضار خبراته النقدية مجتمعة. ومع أنها تكون مشوشة في كثير من الأحيان، فقد استطاع بوشعيب الساوري أن يتحكم في أدواته الفنية، مقحما تأملاته في المكان المناسب دون أن نستشعر خللا ما على مستوى البنية الحكائية التي ظلت متناغمة المفاصل إلى آخر جملة سردية. وقد جاهد الروائي كثيرا كي يتحقق له ذلك، خلافا للكثير من النقاد المبدعين الذي كان وعيهم النقدي وبالا على إنتاجهم الإبداعي شعرا كان أم سردا. حيث يعمدون بوعي أو من دونه إلى إيقاع السرد الروائي، ثم إقحام فصول طويلة أحيانا في المتن الروائي دون أن يكون هناك انسجام بين المحكي والخطاب النقدي المستضمر عبر التجربة. فتتخلل الرواية بذلك ثقوب سوداء وأجسام غريبة ليست من طينتها، مما يدفع بالمتلقي إلى الملل والنفور.
لقد خالف الساوري هذا الطرح الذي يجهز على الروائي لفائدة النقدي داخل المتن الروائي تحت ذريعة واهية تدعى التجريب، لكي يرسم لنفسه عتبة وسطى بين هذا وذاك. أي أنه احتفى بالسرد وترك الحكاية تتحدث عبر أحداثها وشخوصها وفضاءاتها ذات البعد المرجعي المغربي الذي يتوزع بين البيضاء ودكالة. وهي مرجعيات لها موقع في البروفايل السيري للكاتب، ولها حضور في وجدانه الخاص. وهذا لا يعني أنه كتب سيرة ذاتية. بل بالعكس، لقد انطلق من معرفة بالفضاء وما يروج فيه من قضايا، ليحولها إلى أسئلة مقلقة تقض مضجع الشخوص ومن يحوم حولهم من الفواعل الجامدة والمتحركة. إنه كان يكتب برؤيته النقدية الثاقبة التي شاء لها ألا تظهر إلا على سبيل الإضمار دون أن تكون مشوشا على القارئ العادي الذي لن يراها إطلاقا. فهي رؤى تحضر بشكل غيبي في النص وتحرك أحداثه وتعرف كيف تفعل فعلها في الخفاء.
يستشعر القارئ الفطن أن الساوري كتب روايتين: الأولى تمشي ببطء على الورق، وتتطور عبر انحباك الأحداث، وتحول الحالات، وتعقد الوضعيات. وأخرى تتحرك بشكل مقلق على مستوى الهامش خارج السياق النصي. لكنها تؤثر بشكل كبير على مستوى تطور المحكي الروائي. إذ يدرج الكاتب بعض ما يروج في خلفية النص، وما يدور من حوارات ومواقف على هامش الحكاية التي ترويها الرواية بشكل مباشر. وهذا في حد ذاته نوع من المراس النقدي الذي يريد خلخلة يقينيات المتلقي. فالرواة يراهنون على قارئ حائر، مشوش الذهن، دائم التساؤل، غير مهادن للحكاية، ولا هو واثق في ما تحكيه. إن المروي له عبر النص بقدر ما تضع له الرواية أرضية دسمة للتحرك بهدوء بين عوالمها التخييلية، فهو أحيانا يشتت خطيته، داعيا إياه للتأمل والتفكير، والمشاركة في بناء نص روائي مواز يخلخل انتظاراته الكسولة، ويكسر توقعاته للمعنى الجاهز. صحيح أن الرواية تمنح أفقا لهذا النوع من التلقيات، لكنها تعزز ذلك باقتراح أسلوب جديد في بناء الأحداث وتشعيبها، وذلك عبر إدراج نص روائي آخر مختصر يسير بشكل مخالف للأول، وإن كان يتقاطع معه ويسائله، بل يدحضه.
ويتضح الاشتغال النقدي للكاتب على مستوى المتن خصوصا في نهاية الرواية، حيث تركها مفتوحة على التأويل؛ وإن كان أثث لها مجموعة من الاحتمالات التي حتما لن تكون نهائية، يقول: "لم تستسغ الجارات ما انتهت إليه فاطمة. وأطلقن العنان للتأويل. فقدمن تخريجات عديدة تفسر النهاية التي آلت إليها فاطمة" ص 160. ثم يضع هامشا، ويورد عددا من النهايات المحتملة التي تحيكها الجارات الناقمات والحسودات. ولم يكتف بذلك، بل ينهي الحكي باعتراف يشي فيه بعدم ضلوعه في ورطة الحكاية: "قد نتابع أخبارا جديدة عند ما تفك عقدة لسان فاطمة... في انتظار ذلك يعفى السارد من مهمته. ليختمها بهذا الاعتراف: "رغم كوني سارد أحداث الرواية، فإنني إلى الآن لا أعرف مصدر ما سردته من أخبار. ولا أدري أهي تطورات طبيعية حتمها وضع السارد؟ أم أنها كانت تختلق تلك الأخبار حتى تخفف من محنتها؟ أم أن الأم هي من كانت تمدد في الحكاية وتختلق المستجدات حفاظا على سمعة ابنتها؟ أم أن الأمر مجرد تخيلات وتوهمات حملني الكاتب مشقة روايتها؟" ص 161.
ويبرز هذان المقطعان وعي المؤلف بحدود اشتغال الترهينات السردية داخل المتن الروائي. تلك الحدود التي تميز شخصيتي الكاتب بوصفه صانع عالم السرد بخصيصاته الفنية والمضمونية من جهة، وباعتباره ناقدا متأملا للخطاب الروائي من جهة أخرى، محترما المسافة بين الوظيفيتين حتى يضمن للنص انسجامه. واستغل الروائي المتن لتضمينه مؤشرات تنتقد مجموعة من الظواهر المجتمعية التي تتفشى بشكل واسع في البلاد مثل الرشوة والانتظار ووضعية المتقاعدين والتسول والاحتيال والتشرد وضعف المناهج التربوية والبطالة، والفراغ، وانتشار المقاهي، والثرثرة، والنميمة، والحقد، والفساد، والهروب من الواقع، وتهريب اللحم الأبيض ووو... مما يجعل الرواية حبلى بالمعطيات والأسئلة الراهنة التي تنبثق عن المعيش. وهو انشغال مؤرق للروائي بوصفه إنسانا ينتمي إلى مجموعة بشرية لها خصوصياتها المشتركة. هذا الانشغال ينفرز في شكل انفلاتات عبر السرد بشكل مقصود له وظيفته في صنع الرؤية الفكرية لرسالة النص.
وتبدو المرجعية المغربية للرواية من خلال الحديث عن أفضية معروفة لدى المتلقي سواء في البيضاء، أو في الجديدة أو غيرهما. حيث يذكر الساردون أسماء مقاه ومؤسسات موجودة بالفعل على مستوى أرضية الواقع، وأحيانا توصف بالتدقيق ويحدد موقعها الجغرافي وحدودها في المكان البيوغرافي، ولهذا وظيفته الأدبية في حفظ الذاكرة، فكثير من المواقع اندثرت وماتت، لكنها باتت حية خالدة في النصوص الإبداعية بشكلها النوستالجي، فضلا عن ذلك نجد أسامي الشخوص ذات الصبغة المغربية "عباس، قدور، رحال، المذكوري، العبدي، حميد، سعاد، إبراهيم، فاطمة"... كما أن اللغة الدارجة المغربية تستحوذ على مساحات نصية مهمة، حيث يتاح للشخوص أن تتحاور بتلقائية وعفوية موظفة كل الإمكانات التي توفرها الدارجة. ويعكس هذا التعدد اللغوي تعددا على مستوى الخطاب كذلك، إذ تستضمر الرواية خطابات متنوعة ومتعددة، فيتسع النص لاحتواء الرسالة، والمقالة الصحافية، والمشهد الوصفي، والمثل الشعبي، والبياض "الفراغ ونقط الحذف"، والسخرية، والتهميش "وضع هوامش نصية وإحالات" فضلا عن الإشارات التأملية ذات الطبيعة النقدية للشكل الخطابي للنص الروائي. وكل هذا يزيد النص غنى وثراء على مستويي المادة والصوغ الفني والأسلوبي في انسجام تام بين الشكل والمضمون. كما أن الرواية منذ عتبتها الأولى تضعنا حيال إحالة مرجعية كبرى تعود بنا إلى القصيدة العربية القديمة بكل ما تحبل به من قيم الأصالة والجمال. وبالضبط قصيدة بانت سعاد للشاعر كعب بن زهير، ومع أن الكاتب حور الفعل بما يرادفه فقد بات له وقع نوستالجي عميق في ذات المتلقي. فكل ما هو قديم يتخذ هذا البعد حتى لو كان بسيطا، فكيف والحال مع قصيدة أرخت لانعطافة كبرى على مستوى القصيدة العربية:
بانَتْ سُعادُ فَقَلبي اليومَ مَتْبولُمُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُوما سعادُ غَداةَ البيْنِ إذ رَحَلواإلاّ أَغَنُّ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ
لكن هنا الأمر يختلف على مستوى الرواية بين السعادين: فسعاد كعب الحبيبة التي غيبها عنه الظرف الاجتماعي القاهر. وربما كانت متخيلة في ذهن الشاعر ليؤسس نمطا للقصيدة يسير على هدي الأولين في نظم القوافي. فهي سعاد العفيفة التي تعاكس سعاد الرواية التي هاجرت بحثا عن جاه مذلول يستأصل من شرف الجسد.
ويظهر الجانب الأكثر قوة في الرواية على مستوى الرؤية الفكرية للكاتب الذي ينتقد عبر محكيه العديد من الأمراض المجتمعية التي تنخر كيان الإنسان، وتجعله يبضع ذاته وجسده مقابل بريق خادع سرعان ما يزول لمعانه ليترك صاحبه في مطلق العري والظلمة. وتستضمر الرواية سخرية مقنعة خاصة على مستوى الحكاية الأساس التي تفضح حياة الفتيات اللواتي يذهبن إلى الخليج بحثا عن خلاص مغموس بالدم والفضيحة والجنس والدعارة. وهي ظاهرة انتشرت بشكل كبير في العقد الأخير، حيث أسهم هامش الحرية التي ظفرت به المرأة في البحث عن آفاق أخرى للإغراء وممارسة أقدم مهنة في التاريخ عبر صفات مقنعة ومراوغة "فنانة، مطربة، مغنية، مدلكة، ممرضة، حلاقة، مستقبلة".. في بلدان البترودولار التي لا تزال تحتفظ فيها المرأة بخصوصيات الحريم الذين لا يغادرون البيت إلا إلى القبر أو ما شابهه. والرواية، بهذا المعنى صراخ في وجه العوامل البشرية التي أدت إلى هذا الذل، وفجرت مثل هذه الفوضى الخلقية والأخلاقية التي أساءت كثيرا لصورة المغربية والمغربي في بلدان المعمور.
– «غابت سعاد»: رواية الأديب المغربي، وشعيب الساوري، منشورات دار أسامة الجزائر، 2008.
– إبراهيم الحجري، كاتب النص: قاص وناقد من المغرب.
