الحبّ الخالص
كانت تحبّه كثيرا ولا ترى في الدنيا جمالا إلّا إذا كان هو معها.
وكان هو أيضا مخلصا لمحبّتها يرى فيها نعم الزوجة ولا يفوّت فرصة دون أن يؤكّد لها شدّة تعلّقه بها.
لم يتّخذ عليها زوجة أو خليلة ولم ير في الدنيا غيرها ،ولا يتخيّل الحياة بدون وجودها.
ومع ذلك فهي كانت تتجرّع غصص ألم كبير يخترق أعماق روحها وينغّص عليها عيشها.
تداهمها وساوس وأفكار مقلقة تسبّب لها الألم. وتغرق في التفكير أحيانا إلى حدّ يجعلها في شبه غياب عن الدنيا، فلا تسمع من يكلّمها حتّى ينبّهها مرارا إلى ما يقوله.
كانت أسيرة مخاوف لا تنقطع عن السيطرة على عقلها ،ولكنّها لم تكن تبوح بها إلى أحد، لأنّها متأكّدة أنّه يصعب أن يفهم الآخرون وجهة نظرها ، وقد يسخرون منها.
زوجها فقط كان يعرف حقيقة ما بها. فكان ـ إذا ما كرّرت على مسمعه مخاوفها ـ يقول ضاحكا في دعابة: "إنّني سعيد الحظّ فعلا إذ حظيت بزوجة تحبّني إلى هذه
الدرجة .لكن لا تقلقي يا عزيزتي مازال الوقت
باكرا .سأكون كما تريدين، لكن فيما بعد. دعيني أعيش الآن على راحتي.
لم يكن حتّى يقول "إن شاء الله "وهذا ما يضاعف هلعها .ولم تكن تقدر أن تشير له بأنّ القدر قد لا يعطيه فرصة تنفيذ هذا العمل المؤجّل وأنّه غير ضامن لعمره. ففرط تعلّقها به يجعها لا تستطيع أن تتحمّل أن تطوف بذهنها فكرة رحيله عنها فكيف بتهديده بذلك.
وكان يواصل القول في مرحه المعهود:
ـ على كلّ حال أنا لم أرتكب أوزارا عظيمة، بل أعيش كأغلب البشر حياة عاديّة. فلم أنت متشدّدة بهذه الدرجة؟
تكاد تبكي وهي تلاحظ عدم مبالاته واعتباره المسألة على هذا القدر من البساطة. وتشعر بالإحباط وهو يقابل جهودها بالمزاح والتندّر.
كان الأمر الذي يؤرّقها وينغّص عليها عيشها هو فكرة مخيفة قد سيطرت على عقلها ،وهي أنّهما قد لا يكونان معا في العالم الأخرويّ إذا استمرّ هو في حياته المستهترة الفارغة التي يعيشها الآن.
و كانت ترى أنّ هذا النهج الذي ينتهجه في حياته سيجعله في الآخرة بعيدا عنها. فهي كانت مهتمّة بآداء فرائضها
الدينيّة، حريصة على عبادة الخالق على أتمّ وجه.
لا يعني هذا أنّها بينها وبين نفسها متأكّدة من ضمان مكان في الجنّة، لكن ظنّت أنّ هذا الاختلاف بينهما في الدنيا قد يفرّقهما بعد الموت.
وعندما تطوف هذه الفكرة بذهنها تشعر أنّ العالم قد أظلم في عينيها. وكانت تعترف بينها وبين نفسها أنّ أكثر ما يعجزها هو هذا التعلّق الشديد به. إنّها لا تتحمّل يوما لا تراه
فيه، ولا تجد سرورا في شيء قدر سرورها برؤيته.
كانت أحيانا تسأل نفسها "هل يمكن أن يكون ولهي به فتنة من فتن هذه الدنيا؟وهل سيختبر الله إيماني بحرماني منه؟"
لذلك. كان يحزنها أن تراه يعيش بعيدا عن خالقه، مهملا لصلاته، منشغلا بالجري وراء متاع الدنيا الزائل. فلا ينشغل عقله إلاّ بعقد
الصفقات، وحساب الأرباح المتأتّية منها. يقضي أغلب وقته في مكتبه يراجع الملفّات ويستقبل العملاء. أمّا أوقات فراغه فمع مجموعة من أصحابه الذين ماثلوه في الولع بلعب الورق والتدخين ومتابعة المقابلات الرياضيّة.
كانت تخشى عليه من عواقب إهماله كما تخشى أمّ على ابنها المتكاسل في دراسته عواقب الفشل. ولأنّها لم تكن تطيق فيه أن تشوكه شوكة،فقد كانت تتألّم إذ تراه يضيّع على نفسه خيرا كثيرا ويسير في طريق قد تكون عاقبته وخيمة.
هي تعرف أنّ أبواب التوبة مفتوحة ،وأنّه قد يعود إليه رشده ويتنبّه إلى ضلاله، فيعود إلى ربّه ويلتزم طريق الحقّ. ولكن من يضمن لها ذلك؟
إنّها تخاف أن تمرّ الأيّام وهو لاهٍ ساهٍ ويغادر الدنيا صفر اليدين.
ثمّ تأخذ في دعاء الله متضرّعة أن يهديه ليكون رفيقها في الدنيا والآخرة..
طرحت عليه هذا الموضوع أوّل مرّة بعد سنوات قليلة من زواجهما.وكانا قد فرغا من تناول طعام الغداء، وانهمكت هي في ترتيب المائدة وجلس يدخّن سيجارة. فقالت له فجأة:
ـ ألا تخشى أن يفرّق الله بيننا في وقت من الأوقات؟
استغرب من سؤالها، إذ لم يجد أيّ داع لطرحه. إنّها تعرف أنّه متعلّق بها إلى أبعد درجة. ولا يفكّر لحظة في غيابها من حياته.
لكنّه تضاحك وقال في ابتسام:
ـ تطرحين أسئلة غريبة. ما الحكاية؟هل هو الملل؟
كانت قد أتمّت تنظيف المائدة،فجذبت كرسيّا وجلست إلى جانبه ثمّ قالت بجدّية:
ـ ليس للملل أيّ علاقة بهذا السؤال.فقط أردت أن أنبّهك إلى أمر، هو أنّه يمكن أن لا نكون معا عندما ننتقل إلى عالم الآخرة.
كاد يغرق في الضحك، لكنّ نظرة إلى علامات الجدّية على وجهها جعلته يعدل عن ذلك. وفضّل أن يسألها بنفس جدّيتها:
ـ ماذا تقصدين يا عزيزتي؟ لماذا تظنّيين أنّنا سنفترق بعد أن نموت؟
ـ السبب هو هذا الاستهتار الذي أنت عليه. أنت لا تأخذ الأمور بجدّية، وتظنّ هذه المسألة هيّنة وهي في الحقيقة في منتهى الخطورة.
لم يجد ما يجيبها به فالتزم الصمت .وصمتت بدورها لحظات ثمّ واصلت تقول:
ـ إنّ ما أعرفه أنّ الجنّة للمتّقين والكادحين من أجل نيل رضا الله. وأنت لا تبذل من أجل ذلك أيّ جهد. فكيف تريد أن يجمعنا الله في الجنّة عندما يحين وقت الجزاء؟
ـ لكنّ الله غفور رحيم، وأنا سأتوب إن شاء الله.
نظرت إليه في ضيق. إنّه يثير حنقها بهذا التهاون واستسهال الأمور. وتشعر بالإحباط وهو يقابل كلامها الجدّي باللاّمبالاة وعدم الاكتراث. وكانت تقول في نفسها متعجّبة: غريب كم يضلّ الإنسان عن إدراك ما ينفعه. أكاد احترق من أجله وهو غير مهتمّ بالمسألة أصلا .يظنّ الأمر بسيطا ،وهو الجدّ ولا جدّ غيره. ربّما لن يدرك حجم الخسارة إلاّ إذا عاينها بعينيه. رحماك إلاهي.
ثمّ قالت بصوت جدّيّ:
ـ سأبرز لك الأمر بكلّ وضوح، أسلوبك في الحياة هذا سيجعلنا نفترق في الآخرة. إذا أردت أن نكون معا هناك فعليك بتعجيل التوبة.
كان قد أتمّ تدخين سيجارته، فأطفأ عقبها في المطفأة، ثمّ قال والابتسامة لا تفارق شفتيه:
ـ كم تعقّدين الأمور.
ولاحظ تجهّم وجهها ،فأضاف بسرعة:
ـ قلت لك أنّي سأتوب، فلا داعي لكلّ هذا الغضب .ولا تكوني متعجّلة هكذا.
وقالت له وقد قام من مقعده وفتح الباب ليغادر المطبخ:
ـ ليت الخطوة الأولى من توبتك تكون بالإقلاع عن التدخين. فهو إثم
كبير .ولا تقل لي أنّك تجهل ذلك.
لكنّه لم يعقّب بكلمة، وأغلق الباب بلطف.
وواصلت بعد ذلك دعوته دون كلل أو ملل، فلا يكاد يمرّ يوم دون أن تكرّر عليه ما يجوس بخاطرها.
ومرّت سنوات وهو على مسيرته المعتادة وهي في نصحها له ومخاوفها ودعائها سرّا وجهرا.
وكان قدرها أن تفارق الدنيا في أوسط شبابها، فقد داهمها تعب وألم دفعاها إلى زيارة الطبيب.
وتدهورت حالتها بسرعة عجيبة، فقد كان المرض الذي أصابها قاتلا. وسرعان ما رقدت على فراش الموت بوجه شاحب وعينين غائرتين.
في تلك الأثناء كان زوجها تقريبا لا يفارقها. ومنذ علم بالمرض الذي أصابها أصبح في حال مريعة من الحزن. ومن ينظر إلى وجهه يظنّ أنّه بدوره يعاني من داء لا شفاء له.
وقالت له وهي تستنشق الدفقات الأخيرة من هواء الدنيا:
ـ لن أطلب منّي أن تظلّ وفيّا لذكراي ولا أن لا تتزوّج امرأة بعدي. لكن فقط أتمنّى عليك وأستحلفك أن تكون كما أردتك دائما أن تكون إذا رغبت أن نلتقي مرّة أخرى.
رسخت كلماتها الأخيرة في ذهنه بشكل عجيب. وتولّدت لديه عزيمة قويّة لتنفيذ وصيّة الراحلة الغالية. فاندفع بكلّ قوّة إلى تحقيق ما أرادته منه.
في البداية أخذ يطبّق المطلوب بكلّ دقّة وانضباط ولكن بشكل أجوف وروح غائبة. كان يحرص على إقامة الصلاة في أوقاتها لكن دون استغراق روحيّ تامّ، فكأنّه في ذلك يتمّ إنجاز صفقة من صفقاته بإيفاء جميع البنود المطلوبة، لكنّ الحماس والتوق غائبان.
وأحيانا كان يشعر بالذنب، إذ يحسّ أنّ جهوده دافعها إرضاء تلك المحبوبة ولو كانت غائبة. ويتساءل: أيقبل الله منّي إذا كانت هذه فعلا نيّتي؟ أم ترى يكون هذا ذنبا جديدا أستحقّ العقوبة عليه؟
لكنّ هذا الأمر ما لبث أن تغيّر.
فقد بدأ يستشعر راحة عند حلول وقت العبادة. وأصبح يجد في تلك الأوقات صفاء في روحه وانشراحا في قلبه.
ثمّ أصبح يشتاق إلى تلك الهنيهات ويستغرق فيها استغراق المتعبّد
الخاشع. فيذهل عن الدنيا بما فيها، ويغرق في عالم أسطوريّ الحسن ليس لبهائه نظير.
وما لبثت تلك الأوقات أن أصبحت كنه وجوده كلّه. وصارت تفاصيل الحياة اليوميّة المعتادة لعبا والجدُّ عبادته وتقرّبه إلى الخالق .وانفتحت أمامه أبواب لم يكن يعي لها وجودا من الشوق والانصهار في عشق هذا الوجود البديع.
أصبحت منغّصات الحياة وكروبها ومتاعبها وهما لا محلّ له في قلبه، فلا حزن إلاّ إذا فاته فرض أو قصّر في طاعة. والسرور الحقيقيّ مأتاه أوقات الاستغراق في التفكّر في كنه الوجود وتأمّل بديع ما خلق الله.
الآن إذا تذكّر ما كانت زوجته تردّده دائما على مسمعيه من مخاوفها بأن لا يكونا معا في الآخرة يأخذ بالدعاء لها بالرحمة والمغفرة، ويشعر بالأسف أنّها كانت مسكونة بتلك الهواجس السطحيّة. و كان يرجو ألاّ يكون ذلك الاجتهاد منها في العبادة هدفه الأوّل تحقيق حلمها الذي كثيرا ما ذكرته وهو أن يكونا معا في الجنّة. فذلك المطمح وان كان لا يزال عزيزا على نفسه إلّا انه لم يعد يمثل إلا جزءًا بسيطا من شغل قلبه الذي قد أخذ بمجامعه توق جارف مشبوب لا يرقى إلى درجته عشقٌ لأيّ غرض من أغراض الدنيا الفانية.
