الأحد ٣٠ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم عبدو بليبل

القوّة والضعف

البعض يتباهى بالقوّة على أنّها قانون الحياة، فيجري في الحقول غارزًا نعاله في قلب الزهور ذات الأعواد اللينة، فيرديها جثثًا تفترش الأرض، لا حياة فيها. ثم يُولج أظافره المسنّنة في جسد الطيور المغرّدة، لتهوي من علوّ شامخ إلى حضيض خافت. والبعض الآخر كالنسر الجارح، يحلّق عاليًا، لكنه يستطيب قتل أرنبٍ ضعيفٍ يلهو بين الحشائش الغضّة.

ولكن الشوك، مهما كان جارحًا وفتّاكًا، والحقد، بارعًا ولَمّاعًا، لا يُنعتان أبدًا بالقوّة. والصخور، مهما كانت صلبة وصلدة، لا تُنبت في أحشائها بذور الحياة.

فليست القوّة قوّةً إلا إذا امتزجت بالحكمة والعدل، ولانت كالعود الأخضر أمام سلطة الحق، وليس الضعف بضعفٍ إلا إذا صار جثّةً تنبعث منه رائحة الاستسلام والموت والخنوع. ولكن في كثير من الأحيان يكون الموت أقوى من الحياة ذاتها، فيغلبها بضعفه وسكونه، لتنهزم القوّة الكامنة فيها وتغدو ذليلة خانعة؛ لأن الموت في سبيل الحق قوّة، ومن يقول إنّ الموت ضعيف، فهو قد أسهب في الخطأ وانحدر سريعًا إليه.

فالموت في كثير من المواضع هو موتٌ يضجّ بالحياة والدفء، والحياة الفاقدة للحق موتٌ يضجّ بالوهن والضعف. ففي الموت من أجل الحق حياة، وفي الحياة المتشّحة بالظلم موت وظلام. فمن لا يرى نور الحق والحقيقة في عتمة الدياجير، هو أعمى لا يرى أبدًا، لا في النور ولا حتى في الظلام.

فالبحر شاسع وعظيم، لكنه مالح المذاق، فهو يبتلع الأنهار العذبة، ولكنه لا يتحوّل، مع ذلك، من ملوحته إلى عذوبتها.

هو قوي جدًا ومرعب جدًا، وأيضًا عميق جدًا، فإن كنت في خضمّه وأنت عطشٌ ظمآن، لن تستطيع أن تروي ظمأك، حتى لو داهمك الموت، أبدًا لن تستطيع. أمّا إذا كنت قرب ساقية عذبة نقيّة، تقتدر أن تشرب منها ما تشاء. فالحق أنك لا يمكن أن تقيس الأشياء بقوّتها، بل بنفعها، ولا بجبروتها وعظمتها، بل بمحبّتها وهدوئها.

فللجدول طيبة ونقاوة لا يملكهما البحر، وللبحر قوّة وجبروت لا يملكهما الجدول، فلا يمكن أن تعطي الحياة للأقوياء وتضعهم في الصف الأول، والضعفاء تجعلهم من العبيد والمستسلمين.

عليك أن تزن الشيء بميزان الحق والعدالة، وأن تُنصف من في جدوله ماء عذبًا نقيًا، لا من في بحره الملح والرعونة.

فلا تقل: هذا جيش كثير العدد، قوي البنيان، قل: هذه الثلّة الصغيرة على حق، وستغلب القوّة الكبيرة المتكبّرة ذات يوم. فلا تقف إلى جانب المنتفخ الجشع، كن مع الحق إلى جانبه مهما كان بنيانه ضعيفًا وهزيلًا؛ لأن في الحق عدالة، وفي العدالة حق. فالحق والعدالة غاية الحياة وعمادها.

فإن أغراك قويّ بجبروته وعنفه، واحتقرت ضعيفًا محقًا خاسرًا، هذا لأنك كمن يجلس في النور مستمتعًا وفرحًا بالنور، ولكن يعشعش بداخله ظلم وظلام، وعندما تعود لتجلس مع ذاتك، تفتّش عن النور الذي أمتعك، لن تجده؛ لأن النور يخرج من الداخل، فينير الخارج، وليس العكس. فلا تفرح بما يُبهر الأشكال، إنما بما يُبهر الأعماق، فلا تبحث عن النور في النور، بل عن النور في الظلمة. ولا تشرب من البحر، بل من النهر. فالحقيقة العظيمة لن تكون في القشور، إنما في النواة.

فيا أيها الحق، أنر لنا الدرب، وقف حيث يجب أن تكون، واكشف وجه الخطّائين، فإن جاء الغد وبلغت الظلمة المدى، فلن يكون هناك شيء اسمه الحياة، وكل القواعد ستنهار، ولن يبقى للوجود وجود. حتى أنت ذاتك، أيها الحق، إن لم تنهض، ستذوب في بحر من الظلمات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى