الاثنين ٨ تموز (يوليو) ٢٠٢٤
بقلم حسن عبادي

حدود المنفى

خلال زيارة الصديقة الزعتريّة إيفا (سميرة) حمد للوطن في أواخر نوفمبر 2018 زُرنا برفقة زوجها نستور النصب التذكاريّ الذي أقيم في حينه تخليدًا لذكرى الأديب الفلسطينيّ غسّان كنفاني، ابن مدينة عكا، في مدخل مقبرة النبي صالح في مدينة عكا، حيث تربطها علاقة بآني كنفاني ولكونها متطوّعة مع الجبهة الشعبيّة في حينه. التقطنا الصور التذكاريّة وشاركنا شريطًا مصوّرًا على صفحات الفيس بوك، وبعده بشهر فوجئت بمحادثة هاتفيّة من إيفا في ساعات الليل المتأخرة، مرتبكة ومتأثّرة متسائلة إزاء إزالة النصب، تلبية لنزوة وزير الداخليّة الإسرائيلي آنذاك أرييه درعي الذي توجّه بدوره إلى لجنة أمناء الوقف الإسلاميّ لإزالة النصب التذكاريّ بحجّة أنّ غسان "مخرّب وينتمي للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين"، رغم اغتياله يوم 08.07.1972!! وهل حدث ذلك إثر نشر الشريط؟ هدأت من روعها قائلًا: "لا، بل هو صوت غسّان وقلمه، ما زال بُعبُعًا يُقلق نومهم ولا يفارق أحلامهم!"

كتبت لي الصديقة الزعتريّة إيفا (سميرة) حمد بعد حين:

"عزيزي حسن؛

كان غسان صحافيًا وكاتبًا مشهورًا، وقد حقق ظهورًا في أوائل الستينيات. في عام 1969 كان يمثل الجبهة الشعبية الماركسية لتحرير فلسطين رسمياً ويترأس تحرير صحيفة الهدف.

في 8 يوليو 1972 اغتيل غسان في بيروت. كان الموساد الإسرائيلي قد وضع عبوة ناسفة في سيارته، مما أدى إلى مقتله هو وابنة أخته لميس التي كانت بالصدفة في السيارة معه. دفن في بيروت. لكن أقاربه أعدوا أيضًا هذا المكان الذي يشبه النصب التذكاري الذي تم ترتيبه بشكل جميل في عكا، مع صورته عليه. كان من المدهش أن أقف هناك، فالكثير من الحب له يتم التعبير عنه بالحجارة والزهور. جئت إلى بيروت بعد عامين من اغتيال غسان ولاحظت حب الفلسطينيين له في المخيم. كتاباته ولوحاته. وقد عبّر عن الحياة الفلسطينية البائسة في المنفى في الروايات والقصص والمسرحيات والفن. مشاعر التمييز والعزلة والعجز. وأيضاً التمكين الذي نما في حركة المقاومة بأمل جديد بالعودة.

تُترجم بعض روايات غسان إلى اللغة السويدية وتُعرض، مثل كتاب "رجال في الشمس وقصص فلسطينية أخرى" مع مقدمة جيدة لحياته وأدبه للمؤلف إنغفار ريدبرغ.

بعد أيام قليلة من زيارتنا لنصب كنفاني، ترجمت من الصحف أن عائلة كنفاني حصلت على أوامر بإزالة النصب التذكاري. وإذا لم يفعلوا ذلك بأنفسهم فإن الدولة الإسرائيلية ستقوم بتجريفه.

وجّه وزير الداخلية أريه درعي ضغوطا في عكا للخلاص من نصب تذكاري للكاتب الفلسطيني والكاتب المسرحي غسان كنفاني بعد أسبوع من تدخل رئيس الوزراء ووزير الداخلية لإفشال تعيين رجا زعاترة نائبا لرئيس بلدية حيفا. تمت إزالة النصب التذكاري الأسبوع الماضي.

بناء على طلب مباشر من مكتب الشؤون الدينية بوزارة الداخلية، قررت لجنة أمناء الوقف إزالة النصب التذكاري بدلاً من التصادم مع الوزارة بشأنه.

كيف يمكن لنصب تذكاري لشخص قتلوه قبل 45 سنة أن يكون بهذه الخطورة؟ هل يمكن أن يكون السبب هو الاقتباس المنقوش في النصب التذكاري "إذا فشلنا في الدفاع عن القضية، فمن الأفضل أن نغير المدافعين، وليس القضية". على أي حال، فإن كلماته وصوره لا تموت أبدًا!

نحن نحب فلسطين! / إيفا ونيستور"

نعم، صدق غسان كنفاني حين قال مقولته الأبديّة: "ليس المهمّ أن يموت أحدنا، المهمّ أن تستمرّوا"!

غيابك يا غسّان يشتدّ حضورًا!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى