حيُّ الذاكرة
يا ساروجةَ الشامِ،
يا خفقةً تمشي على عكّازِ وقتٍ قديم،
يا بابَ ياسمينٍ تكسَّرَ نصفُهُ
وبقيَ النصفُ الآخرُ يحرسُ الحلمَ الوحيدْ...
في زواريبِكِ
كانت دمشقُ تُرتِّبُ شالَها الدمشقيَّ
قبلَ أن يوقظَ الفجرُ
باعةَ النعناعِ
وصوتَ النحاسِ
ورائحةَ القهوةِ الصاعدةِ
من شبابيكَ لا تنامْ.
يا ساروجةْ،
كم مرَّ عاشقٌ من هنا
وخبَّأ اسمَ حبيبتهِ
بين حجرٍ وحجرْ؟
كم مرَّ شاعرٌ
وظنَّ أن القصيدةَ بيتٌ صغيرٌ
في آخرِ الحارةْ؟
هنا
كان الوقتُ أبطأَ من دمعِ أمٍّ
وأدفأَ من يدِ جدٍّ
يُصلحُ بابَ الخشبِ العتيقْ.
هنا
كانت الحيطانُ تعرفُ أسماءَنا،
وتنحني قليلاً
كي نمرَّ بأحلامِنا الضيّقةْ.
يا شامُ،
يا وردةً تنامُ على تعبِ التاريخْ،
ما زالتْ ساروجةُ
تحملُ قنديلَها المكسورَ
وتقولُ للغزاةِ:
“كلُّ ما يمرُّ يموتُ...
إلّا المحبّةْ.”
أمشي بها الآنَ
كأنّي أفتّشُ عنّي،
عن صبيٍّ كان يركضُ
خلفَ حمامةٍ بيضاءْ،
ثم يعودُ
وفي جيبِهِ حفنةُ ضوءْ.
يا ساروجةْ،
أنتِ لستِ حيّاً قديماً فقط،
أنتِ ذاكرةُ العابرينَ
حينَ مرّوا من هنا،
وتركوا الياسمينَ
ليدلَّ المارّةَ
على الطريقْ.
