زيارة إلى وجوه السنين
ذات يوم، قادتني خطواتي إلى دارٍ للمسنين.
لم أكن أعرف أنني ذاهبة إلى مكانٍ يسكنه العمر، وأنني سأعود منه وأنا أحمل في قلبي طرقًا لم أمشِ فيها من قبل.
وقفت أمام الباب لحظة.
كان بابًا عاديًا، وجدارًا هادئًا، ونوافذ تطل على الخارج، لكن شيئًا في داخلي أخبرني أن خلفه حكاياتٍ أكبر من المكان.
دخلت…
وكان أول ما استقبلني الشعر الأبيض.
لم يكن شعرًا فحسب، بل كان طريقًا طويلًا عبر السنين؛ محطاتٍ من الفرح، ومطباتٍ من الحزن، وأيامًا عبرت ولم تعد، وأخرى بقيت معلقة في الذاكرة، كأنها حدثت بالأمس.
مشيت بين الغرف، فشعرت أنني أعبر ممرات العمر.
هنا وجهٌ أكلت السنوات بعض ملامحه، وهناك عينان بقي فيهما بريقٌ صغير يقاوم أفول المساء.
تأملت العيون طويلًا.
كان في بعضها قصورٌ من الانتظار؛ قصورٌ كاملة، أبوابها مفتوحة، ولا يأتيها أحد.
وفي بعضها حكاياتٌ كثيرة، غير أن الذاكرة أغلقت بعض نوافذها، وتركت نوافذ أخرى مشرعة على زمن بعيد.
جلست إلى جوار امرأة مسنّة.
ابتسمت لي.
كانت ابتسامتها صغيرة، لكنها بدت لي مثل زهرة خرجت من بين شقوق التعب.
تحدثت معي عن أبنائها.
قالت أسماءهم واحدًا واحدًا، وكأنها تعدّ نجومًا تخشى أن يسقط أحدها من السماء.
ثم صمتت.
لم أسألها لماذا لا يأتون.
فبعض الأسئلة قاسية، حتى لو قيلت بصوتٍ هادئ.
وفي الجهة الأخرى، كان رجلٌ يجلس وحده، وأمامه صورة قديمة.
ناولني إياها، وراح يحدثني عن أيام بعيدة.
كانت الصورة باهتة، لكنه كان يراها بوضوح.
عرفت حينها أن بعض الأشياء لا تحفظها الذاكرة وحدها؛ بل تحفظها الروح.
كان وجهه يحمل تعب السنين، لكن صوته ظل يحتفظ بشيء من الشاب الذي كانه ذات يوم.
كم هو غريب هذا العمر!
نحن نظن أن السنين تمضي فوقنا، ثم نكتشف أنها تمضي داخلنا.
تترك في الشعر ثلجًا، وفي الظهر انحناءة، وفي الخطوات بطئًا، لكنها تترك أيضًا حكمة لا تُشترى، وقلوبًا عرفت معنى الفقد، وفرحًا صار أكثر هدوءًا وأقل ضجيجًا.
وفي أحد المقاعد، رأيت سيدة تنظر إلى يديها طويلًا.
ربما كانت تتذكر كم يدًا أمسكت بها في طفولتها، وكم يدًا أمسكتها هي حين كبر الآخرون.
فكرت:
كم من أمٍّ كانت بيتًا لأبنائها، ثم انتهى بها العمر إلى غرفة تنتظر فيها زيارة؟
وكم من أبٍ حمل أبناءه على كتفيه، ثم أصبح يحتاج إلى كتفٍ يسنده في ممرٍّ قصير؟
ليست المأساة في أن يكبر الإنسان.
المأساة أن يكبر وهو يشعر أنه أصبح فائضًا عن الحاجة.
أن يتحول البيت الذي بناه عمرًا إلى عنوانٍ بعيد، وأن يصبح صوت الهاتف أقرب إليه من أصوات أحبته.
خرجت من الدار وأنا أشعر أنني لم أزر مكانًا.
لقد عبرت طريقًا من الشعر الأبيض.
رأيت على جانبيه وجوهًا كانت يومًا شابة، وأحلامًا كانت تركض، وقلوبًا حملت أسرًا كاملة، ثم هدأ بها الطريق عند هذا الجدار.
وعرفت أن في صدور هؤلاء المسنين جبالًا من الحكايات؛ جبالًا لا تهدمها الشيخوخة، ولا تسقطها التجاعيد.
فكل تجعيدة كانت دربًا.
وكل انحناءة في الظهر كانت شاهدة على حملٍ قديم.
وكل صمت كان وراءه كلام كثير لم يجد من يصغي إليه.
وحين وصلت إلى الباب، التفتُّ خلفي.
كانت الوجوه ما تزال هناك:
الشعر الأبيض…
والعيون التي تسكنها قصور الانتظار…
والقلوب التي تحمل جبالًا من الصبر…
والابتسامات الصغيرة، تلك الزهور التي تصرّ على أن تتفتح رغم قسوة الفصول.
عندها فهمت أن الجدار ليس بين الدار والعالم.
الجدار الحقيقي قد يكون بين قلبٍ ينتظر، وقلبٍ نسي أن يعود.
فيا من تركتم آباءكم وأمهاتكم خلف أبواب الانتظار، ارحموا من أفنوا أعمارهم في رعايتكم.
وتذكّروا أيديَ كانت تمسح عن وجوهكم خوف الطفولة، وأكتافًا حملتكم حين كانت أقدامكم لا تعرف الطريق، وأعينًا سهرت حين كان النوم يزوركم آمنًا، وقلوبًا جعلت منكم أول الحكاية وآخر الدعاء.
تذكّروا من كان لكم ظلًّا حين اشتدت شمس الحياة، ومن فتح لكم الباب قبل أن تعرفوا كيف تطرقونه، ومن كان لكم عكازًا قبل أن تعرفوا معنى الاتكاء.
وتلطّفوا بمن ساندكم.
فالسنون لا تسير في اتجاهٍ واحد.
واليد التي كانت تمسك أيديكم كي تعبروا أول الطريق، قد تحتاج يومًا إلى يدٍ تمسك بها آخر الطريق.
والأم التي كانت تحملكم حين تثقل أقدامكم، قد يصبح حملها اليوم كلمةً حانية، أو زيارةً قصيرة، أو حضنًا يعيد إليها شيئًا من دفء البيت.
لا تجعلوا السنين تمحو الجميل.
فالأب الذي صار اليوم يمشي ببطء، كان بالأمس يمشي مسرعًا كي يلحق بكم.
والأم التي ترتجف يدها وهي تمسك الكوب، كانت يدها يومًا ثابتة وهي تمسك يدكم كي تعبروا أول الطريق.
تلطفوا بمن ساندكم.
فالعمر دائرة، وما نزرعه في قلوب من سبقونا قد يعود إلينا حين نصبح نحن في حاجة إلى من يربّت على أكتافنا.
لا تتركوا آباءكم وأمهاتكم للغروب وحدهم.
فالشيخوخة ليست غروب الإنسان، بل غروبٌ يحتاج إلى نافذة.
كونوا لهم تلك النافذة.
ازرعوا في مساء أعمارهم بعض الضوء، واتركوا على وجوههم زهورًا بدل الدموع، وعلى قلوبهم دفء البيت، وفي عيونهم يقينًا بأنهم لم يصبحوا منسيين.
فما أقسى أن يعيش الإنسان عمره كله وهو يبني بيتًا لأبنائه، ثم ينتهي به الطريق إلى مكانٍ لا يسمع فيه سوى صدى خطوات الغرباء.
وما أجمل أن يعود الابن قبل أن يطول الانتظار، فيجد أباه ما زال يفتح له قلبه كما فتح له الباب أول مرة.
فلا تجعلوا الجدار آخر الحكاية.
اقتربوا…
فالذين خلفه لم تنتهِ أعمارهم بعد.
إنهم فقط ينتظرون من يقول لهم:
لم ننساكم… وما زالت لكم في القلب دار.
