ما لا يراه العابرون
ليس كلُّ ما يلمع في الحياة ذهبًا، ولا كلُّ ما يطفئه الليل غيابًا.
ثمّة أشياء تُطفئ أنوارها كي تحمي آخر شمعةٍ في داخلها، وثمّة قلوبٌ تُحسن ارتداء العافية بينما تخبئ تحت معاطفها شتاءً طويلًا.
نمضي في الحياة كأننا نعرف الطريق، بينما نحن في الحقيقة نتعلّم المشي من آثار أقدامنا.
نحمل في جيوب أرواحنا مفاتيح لأبوابٍ أُغلقت منذ زمن، ورسائل لم نرسلها، وأسماءً لم تعد تناديها الأيام، وشيئًا من الحنين لا نعرف أين نضعه، فنتركه يجلس معنا كل مساء.
كم يبدو الإنسان بسيطًا من الخارج!
وجهٌ يبتسم، يدٌ تصافح، صوتٌ يجيب عن السؤال المعتاد: «كيف حالك؟»
ثم يمضي.
ولا أحد يعرف أن وراء تلك الإجابة القصيرة حكايةً كاملة، وأن كلمة «بخير» قد تكون أحيانًا ستارةً تُسدل على مسرحٍ مزدحم بالأسئلة.
لهذا لا ينبغي أن نُكثر من محاكمة الوجوه.
فالوجوه لا تقول كل شيء، والعيون قد تتقن الصمت أكثر مما تتقن الكلام.
هناك من يحمل جبالًا على كتفيه ويمشي مستقيمًا، وهناك من تعثره حصاةٌ صغيرة لأن الطريق داخله كان ممتلئًا بما يكفي من التعب.
وليس كل انحناءٍ ضعفًا.
قد ينحني الغصن أمام الريح لأنه يعرف أن صلابة الحجر ليست دائمًا طريق النجاة.
وقد يتراجع المرء خطوةً لا خوفًا، وإنما ليحمي ما تبقى منه.
نحن أبناء الأيام التي لم نستطع اختيارها، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعبرها.
وما أكثر ما أخذت منا الحياة وهي تعلّمنا!
أخذت أشخاصًا، وأماكن، وأحلامًا، وأبوابًا كنا نظن أنها ستظل مفتوحة إلى الأبد.
لكنها، في المقابل، تركت لنا شيئًا لا يُرى بسهولة:
بصيرةً لا تولد إلا من الرماد.
فبعض الخسارات لا تأتي لتطفئنا، وإنما لتعيد ترتيب النوافذ في أرواحنا.
نخرج من التجربة بوجهٍ يشبه وجهنا القديم، لكننا لا نكون الشخص نفسه.
تتغير مقاييس الأشياء.
نكتشف أن ما كان يملأ أعيننا بالأمس قد لا يستحق اليوم سوى التفاتة عابرة، وأن بعض الأبواب التي بكينا طويلًا لأننا لم ندخلها، كنا سنبكي أكثر لو دخلناها.
لذلك لا تستعجلوا فهم الحكاية.
بعض الفصول لا تُقرأ من الصفحة الأولى.
وبعض الأقدار تحتاج إلى مسافة حتى تظهر حكمتها.
نحن نريد من الحياة أن تشرح نفسها فورًا، بينما الحياة لا تجيد الشرح؛ إنها تترك لنا آثارها، ثم تمضي.
علينا نحن أن نقرأ.
نقرأ الندبة، لا الجرح فقط.
نقرأ الطريق، لا العثرة فقط.
نقرأ ما بقي، لا ما رحل فقط.
وفي آخر الليل، حين تهدأ المدن وتغلق النوافذ أجفانها، يبقى في مكان ما ضوءٌ صغير لا يعرفه أحد.
قد يكون في قلب أم.
أو في دعاء أب.
أو في حلم طفل.
أو في إنسانٍ قرر، رغم كل ما انكسر حوله، ألا يكسر نفسه.
ذلك الضوء الصغير هو ما ينقذ الحكايات من نهاياتها المبكرة.
فليس المطلوب أن نكون أقوياء طوال الوقت.
يكفي أحيانًا ألا نستسلم.
أن نمنح أرواحنا فرصةً أخرى.
أن نؤجل اليأس ليلةً واحدة.
فربما كان الفجر، الذي نظنه بعيدًا، يقف خلف الباب مباشرةً.
وربما كان كل ما نحتاجه أن نمد يدنا إلى المقبض.
نفتح.
ثم نمضي.
فبعض الطرق لا تبدأ حين نعرف إلى أين سنصل، وإنما حين نؤمن أن الوقوف في المكان نفسه لم يعد قدرًا.
والضوء، مهما طال عليه الطريق، يعرف في النهاية كيف يعود.
