حكاية الوجع والحزن الفلسطيني
تعتبر الأغاني الشعبية الفلسطينية القديمة جزءاً هاماً من تراث الشعب الفلسطيني الذي ما زال يتمسك به حتى يومنا هذا. واللافت، أن لكل أغنية حكاية مرتبطة بالواقع الفلسطيني بحسب الزمان والمكان.
وحكاية أغنية عالأوف مشعل تعود إلى أيام الحرب العالمية الأولى حين أعلنت الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت مع ألمانيا الحرب على الحلفاء والتي تعرف في بلاد الشام بأيام السفر برلك أو حرب السفربرلك , حيث فرضت الإمبراطورية العثمانية قانون التجنيد الإجباري، إبان هذه الحرب . وكان يُعفى من التجنيد من يدفع ثمناً باهظاً لقاء ذلك، وهوما لم يكن متوفراً عند الفقراء الذين كانوا وقوداً للحرب التي لا تعنيهم، بل كانت تسبب لهم الأزمات وأوجاع و حزن عن فراق الأهل والأحبة.
ومشعل هو أحد الفتية الذين ثاروا على قانون التجنيد الإجباري في فلسطين فقام عدد كبير من الشباب بالفرار وعدم الرضوخ الى قانون التجنيد العثماني والتخفي في المزارع والكهوف والجبال، وكانت السلطات العثمانية تطاردهم مطلقة عليهم اسم "فراري"، أي الفارين من الخدمة العسكرية.
كان مشعل الذي بقي مطارداً حتى ألقى القبض عليه وسيق إلى الجندية، ومن ثم نقله في القطار إلى جبهة القتال البعيدة، فغنت له حبيبته الملوعة هذه الأغنية الوداعية والتي ما هي إلا حكاية الألوف من الشباب الذين ساقتهم الدولة العثمانية من القرى والمدن الفلسطينية.
وقد انتشرت هذه الأغنية عن مأساة الفارين في جميع أرجاء بلاد الشام.
والأغنية تصور اللوعة والحزن على فراق الأحبة، وتحكي كيف اختبأ مشعل قرب بركة ماء وحاول الهرب فلم يستطع فألقى رجل القانون التركي القبض عليه، وعندما طلب رجل الدولة الوثيقة التي تثبت بأنه معفي من الخدمة، قدّم له مشعل مجيدية ذهب ليتركه وينصرف إلا أن رجل القانون أخذ المجيدية وقال له: أنت فراري، وساقه معه وسط بكاء الأطفال وعويل النساء ومن هنا نشأت أغنية مشعل حيث أخذت أمه وأخته وحبيبته يغنين:
عَ الأوف مشعل أوف مشعلاني
ماني ابتليته هوي إللي اِتبلاني
أنا شفت واحد واقف جنب البركة
حكيته عربي جاوبني بالتركي
النسوان تنوح و الأطفال تبكي
مع مين نحكي تركي أو ألماني
عَ الأوف مشعل أوف مشعلاني
ماني ابتليته هوي إللي اِتبلاني
شفت القانون جاي من بعيدي
جيت أهرب ما طلع بإيدي
قال لي الوثيقة ناولته مجيدي
لطش المجيدي وقال لي اِنتا فراري.
عَ الأوف مشعل أوف مشعلاني
مع السلامة يا ربعي وخلاني.
وقد تغيّرت كلمات الأغنية في ما بعد بحسب كل من غنّاها والمناسبة التي تم الغناء من أجلها، كما أنها تحولت أحياناً إلى أغنية وطنية فلسطينية تتغنى بالوطن أو تصف اللجوء الفلسطيني، وخاصة عند أبناء المخيمات في الشتات، لتبقى أغنية تراثية فلسطينية، وقد غنّاها صباح فخري بكلمات مغايرة للحكاية.
