الأحد ٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم محمد علوش

عمّان مدينة لا تغادر القلب «2»

في عمّان، لا تحتاج إلى موعد مع الجمال؛ فهو ينتظرك عند أول درج، وأول مقهى، وأول ابتسامة عابرة من وجهٍ لا تعرفه، يومٌ واحد في وسط هذه المدينة يكفي لتشعر أنك تعيش أكثر من حياة، وأنك تمشي داخل كتابٍ مفتوح على حكايات البشر.

بدأت نهاري من شوارعها التي لا تنام، حيث تختلط خطوات العابرين بلغات ولهجات قادمة من كل الجهات، كأن العالم قرر أن يمرّ من هنا، من قلب هذه المدينة الجبلية التي تعلّمت كيف تصنع الدفء رغم صخبها، ففي وسط عمّان تمشي فلا تشعر بالغربة، كأن الأرصفة تحفظ أسماء الذين مرّوا، وكأن الجدران تعرف كيف تصادق الزائرين بسرعة.

تجولت بين أسواقها القديمة، حيث تختلط رائحة القهوة بالزعتر، وأصوات الباعة بنداءات تشبه الأغاني الشعبية، بينما تتدلى من المحلات حكايات الزمن الجميل، وهناك، بالقرب من المسجد الحسيني الكبير، حيث يتقاطع التاريخ مع الحاضر، جلست أراقب وجوه الناس؛ وجوهٌ تشبه خرائط العالم، فيها الشرق والغرب، وفيها قصص سفرٍ طويلة.

لم يكن ممكناً أن أمرّ دون أن أحيّي طقوسي الصغيرة في المكان، فدخلت إلى حلويات حبيبة، ذلك الاسم الذي صار جزءاً من ذاكرة المدينة، وتناولت قطعة من الكنافة النابلسية الساخنة، حيث يذوب السكر كما تذوب المسافات بين المدن، وعلى مقربة من الجامع الحسيني، تذوقت للمرة الأولى الكنافة الرملاوية من محل عتيق، كأن طعمها يحمل شيئاً من حنين المدن الفلسطينية، ويعيد ترتيب الذكريات على مهل.

في وسط عمّان، لا تمشي فقط، بل تتأمل، وتصعد الدرجات الطويلة التي تربط الأحياء ببعضها، كأنك تصعد طبقات الزمن نفسه؛ من جبل القلعة، حيث تقف الآثار شاهدة على تعاقب الحضارات، إلى المدرج الروماني الذي ما زال يحتفظ بأصداء الأصوات القديمة.

عمّان مدينة صاخبة، نعم، لكنه صخبٌ جميل يشبه نبض الحياةن وهي مدينة تستطيع أن تسير فيها واثق الخطوة بين شوارعها القريبة والبعيدة، دون أن تشعر إلا بالألفة، ربما لأن هذه المدينة تعلّمت أن تكون بيتاً لكل العابرين، وأن تمنح زوارها شعور المقيمين.

وكعادتي، أعود دائماً إلى وسط عمّان، فهناك شيءٌ يشدّني إليها، شيءٌ يشبه وعداً غير مكتوب، وكلما مررت بالأردن الشقيق، اخترت أن أسكن هنا، في قلب العاصمة، حيث المقاهي الصغيرة، وباعة الكتب، والوجوه التي تشبه قصائد غير مكتملة.

في المساء، عندما تبدأ الأضواء بالاشتعال على التلال، تبدو عمّان كنجمة كبيرة تستريح فوق سبعة جبال؛ مدينة حالمة، رغم كل شيء، تعرف كيف تخبئ تعبها خلف ضحكة، وكيف تواصل الحلم.

لم أشعر أنني أغادر عمّان، بل كأنني أترك شيئاً من روحي بين شوارعها ودرجها القديم ووجوه ناسها الطيبة، فأدركت أنها حكاية تسكن القلب، وذكرى تشبه قصيدة لا تنتهي، فعمّان ليست مكاناً على الخريطة فقط، بل شعورٌ اسمه الحنين؛ كلما ابتعدت عنها، ازددت يقيناً بأنك ستعود إليها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى