السبت ٤ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم محمد علوش

ذاكرة عمّان.. حين تتحول المدينة إلى قصيدة

في كل مرة أزور فيها عمّان، أشعر أنني لا أدخل مدينة بقدر ما أدخل ذاكرة مفتوحة، كتاباً من حجارة بيضاء، وصفحات من وجوه الناس، وحكايات تنام في أدراج المقاهي العتيقة، وعمّان ليست عاصمة تعبرها على عجل، بل مدينة تعبرك ببطء، وتترك في روحك شيئاً من دفئها، حتى وأنت تتهيأ للرحيل.

هذا المساء، عدت إلى مكاني الأثير، إلى قلب عمّان النابض، إلى وسطها الذي يشبه ملتقى الأزمنة، حيث تتصافح الحكايات القديمة مع ضجيج الحاضر، وحيث تبدو الشوارع كأنها شرايين تضخ الحياة في جسد المدينة.

هنا، اعتدت التجوال بدافع المحبة وحدها، فلا هدف سوى السير، ولا غاية سوى التأمل، أتنقل بين المقاهي التي تتصاعد من فناجينها رائحة القهوة كأنها ذاكرةٌ سائلة، وبين محلات الطعام الشعبي التي لا تقدم وجباتها فقط، بل تقدم معها طعم المكان وروحه، وبين معارض الكتب التي تقف كحراس أوفياء لذاكرة الثقافة، وتحرس الكلمات من النسيان.

في وسط عمّان، تمشي فلا تشعر بالغربة، حتى لو كانت هذه زيارتك الأولى، فالوجوه مألوفة، والابتسامات عابرة لكنها صادقة، وأصوات الباعة تحمل موسيقى الحياة اليومية، تلك الموسيقى التي لا تكتب في النوتات، لكنها تحفظ في الذاكرة.
تبدو عمّان هذا المساء مدينة من ألوان، فألوان الأضواء المرتعشة على الحجارة القديمة، ألوان المارة، ألوان الحياة وهي تتجدد في كل زاوية، والناس يأتون من كل الجهات، كأن المدينة نقطة لقاء إنساني كبيرة، عائلات تمسك بأيدي أطفالها خوفاً عليهم من الزحام، وشباب يبحثون عن فسحة فرح صغيرة، وأفراد يمشون وحدهم، لكنهم لا يشعرون بالوحدة في هذا الدفء الإنساني.

ما يدهشك في عمّان أنها تعرف كيف تصالح بين تناقضاتها بهدوء، فهي مدينة تجمع بين التعب والأمل، وبين البساطة والعمق، وبين غبار الصحراء الذي تزوره أحياناً، ونقاء الروح الذي لا يغادرها، وحتى هذا المساء، حين أثقل الغبار الرملي الهواء، لم يفقد المكان سحره، بل بدا أكثر واقعية، وأكثر شبهاً بحياة الناس كما هي، بلا تزيين.

كانت السماء تميل إلى شحوب خفيف، والريح محمّلة بذرات الرمل، لكن الحياة هنا لا تستأذن الطقس لتستمر، فالمقاهي ظلّت عامرة، والضحكات بقيت أعلى من الشكوى، والبائعون واصلوا ترتيب بضائعهم بإصرار يشبه إيمان الفقراء بالحياة.
في عمّان، تتعلم أن المدن لا تقاس بعلو أبراجها، بل بسعة قلوبها، وهذه مدينة تملك قلباً يتسع للجميع، للغريب قبل القريب، وتمنحك شعوراً نادراً بأنك تنتمي، حتى لو كنت مجرد عابر يحمل حقيبة وذكريات.

وأنا أتجول في شوارعها، شعرت أنني لا أستعيد المكان فقط، بل أستعيد أجزاء مني تركتها هنا ذات زمن، كأن في هذه المدينة مرآة خفية، ترى فيها نسخك القديمة، وأحلامك المؤجلة، وأحاديثك التي لم تكتمل، وكل زاوية تهمس لك: لقد مررت من هنا يوماً، وتركت شيئاً منك، كما تركت المدينة شيئاً منها فيك.

ربما لهذا أحب وسط عمّان، لأنه لا يتكلف الحداثة، ولا يخجل من تاريخه، ولأنه يشبه الناس الحقيقيين، أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم كثيراً، لكنك تشعر بصلابتهم في تفاصيلهم الصغيرة، في صبرهم، وفي قدرتهم على البدء من جديد كل صباح.

وحين تعمّق المساء، وبدأت الأضواء تتكاثر كنجوم صغيرة على أرصفة المدينة، أدركت أن عمّان لا ترى بالعين فقط، بل ترى بالبصيرة أيضاً، مدينة قد تمشي في شوارعها ساعة، لكنها تمشي في ذاكرتك عمراً كاملاً.

غادرت المكان ببطء، كما يغادر المرء صديقاً قديماً يعرف أنه سيعود إليه، وكنت أعلم أن هذا ليس وداعاً، بل استراحة بين لقاءين، فبعض المدن لا نحبها لأنها جميلة فقط، بل لأن فيها شيئاً يشبه حنيننا، وشيئاً يشبه طمأنينتنا، وشيئاً يشبهنا نحن.

عمّان، في النهاية، ليست مدينة تزار، بل مدينة تكتب في القلب، وتقرأ كلما اشتقنا إلى أنفسنا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى