حين يتذكّرني الهواء
أستيقظُ من داخلِ الفكرة، كأنَّ هواءً جديدًا يتذكّرني. المدى يُديرُ وجهَهُ للّيل، يستريحُ على جدارٍ من أرق، والأبوابُ تستذكرُ أسماءَ مَن لم يعودوا. قلبي — مصباحٌ صدئ، يضيءُ بالحنين أكثرَ ممّا (…)
أستيقظُ من داخلِ الفكرة، كأنَّ هواءً جديدًا يتذكّرني. المدى يُديرُ وجهَهُ للّيل، يستريحُ على جدارٍ من أرق، والأبوابُ تستذكرُ أسماءَ مَن لم يعودوا. قلبي — مصباحٌ صدئ، يضيءُ بالحنين أكثرَ ممّا (…)
في زحمةِ الضوء، تتعثّرُ الظلالُ ببعضِها، تذوبُ كملحٍ في ذاكرةٍ مبلّلةٍ بالحنين، وتتردّدُ الأصداءُ عند غروبِ المساء. الوجوهُ هي الأخرى أمواجٌ، كلُّ وجهٍ يخبّئُ حكايةً تختنقُ في زحمةِ الأصوات، (…)
أطلُّ من نافذةٍ على ما لم يَعُدْ لي. أُصفِحُ الذاكرةَ، رائحتُها لا تزالُ تدلُّ على الأصابعِ التي قلّبتْ صفحاتِها. أتذكّرُ الطريقَ الذي كنّا نسيرُ فيه، كان الغبارُ يسبقُنا، ويعرفُ النهاية. (…)
هناك، في أعلى بنايةٍ أدار عنها الضوءُ وجهَه، من إسمنتٍ رماديٍّ هرِمٍ تتشقّق فيه الذاكرةُ كخدودٍ غابت عنها المرآة، عند طرف المدينة الذي لا يمرّ به أحدٌ إلّا بالخطأ، عاش سالم جزءًا من حياته. عاملُ (…)
الموجُ يهمسُ بأطيافٍ لم تُولَدْ بعد، والريحُ تقرأُ حروفَها على رمالٍ مُتعبةٍ. أصواتُ الأسماكِ تتراقصُ في غيابِ الضوء، كأنَّ الليلَ يرسمُ خريطةً لا يراها سوى الغيمِ. هناك، في عمقِ الزُّرقة، (…)
في الصباح الذي بدا وكأنّ البحر خرج من نومٍ عميق، وقف سلمان على المرفأ. لم يمارس الصيد بعد، بل كان يجرّ شباكًا من الذاكرة تُعيده إلى الوراء. الريحُ كذلك تعيد ترتيب وجهه، والماء يتلو عليه مراثي (…)
١- الصباح في الحي كانت الشمس تتسلّل بخجل بين نوافذ البيوت القديمة، معلنةً بداية يوم جديد في حيّ الزهور. كل خطوة على الحجر المتآكل في الزقاق كانت تجعل المرء يشعر بتاريخ حيّ كامل يتنفّس من حوله. (…)
كان القناعُ أكثر من مجرّد شيء وُضع على الطاولة في غرفته؛ بدا له منذ اللحظة الأولى كائنًا ينتظر أن يُستدعى، مثل حيوانٍ قديم لم يمت بعد، أو ذكرى منسية ترفض الدفن. كان يراقبه طويلًا ويتجنّب لمسه، كأن (…)
لم يكن يعرف متى بدأ يشعر أنّ جدران بيته تتحرّك في الليل. كأن الطوب المتهالك يئنّ مثل صدرٍ مثقل بالربو، وكأن السقف يشيخ معه في كل يوم، فيسقط منه غبار ناعم يغطي وجوه أطفاله وهم نيام. لم يكن ذلك (…)
كأنّ الأفق لم يتعلّم بعدُ لغة الطفولة، فتسقط قذائفها بدل النجوم، ويعلو صراخهم حيث كان يجب أن يعلو الضحك. أطفال غزّة، يحملون الدفاتر الممزّقة مثل أجنحةٍ صغيرة تحاول أن ترفرف وسط الغبار، ويكتبون (…)