أطفال غزّة
كأنّ الأفق لم يتعلّم بعدُ لغة الطفولة، فتسقط قذائفها بدل النجوم، ويعلو صراخهم حيث كان يجب أن يعلو الضحك. أطفال غزّة، يحملون الدفاتر الممزّقة مثل أجنحةٍ صغيرة تحاول أن ترفرف وسط الغبار، ويكتبون (…)
كأنّ الأفق لم يتعلّم بعدُ لغة الطفولة، فتسقط قذائفها بدل النجوم، ويعلو صراخهم حيث كان يجب أن يعلو الضحك. أطفال غزّة، يحملون الدفاتر الممزّقة مثل أجنحةٍ صغيرة تحاول أن ترفرف وسط الغبار، ويكتبون (…)
كأنّ المسافة ليست بُعدًا، بل جرحًا يسيل في الهواء الطلق، يتصبّب بين الكلمات حين نحاول أن نقترب. الليل يمدّ أصابعه الباردة، يحصي ما ضاع منّا، ويتركنا نرتجف أمام صمتٍ يزداد ثِقلاً. الفراغ بيننا (…)
كأنني أفتح نافذةً على فراغ، لا ريح تدخل، ولا غيم يجيء، فقط ارتداد أصواتٍ بعيدة لأسماءٍ ذابت في ليلٍ قديم، ولوجوهٍ عبرتني مثل قناديل أطفأها البحرُ في منتصف العاصفة. الغربة: فراغُ كرسيٍّ لم يجلس (…)
كأنّ وجهي لا يعرف لغته إلّا حين يصطدم بملامحك، فأرتدّ إلى صمتٍ يفيض أكثر من كلّ الكلمات. الصمت هنا ليس خواءً، إنّه امتلاء غامض، مثل نهرٍ لا يُرى جريانه، لكن ضفافه تترنّح بالندى. أمامك تتكسّر (…)
لم يكن في الحسبان أن يخرج الحيُّ الصغير عن هدوئه المتآكل، وأن تتحوّل أزقته الضيّقة إلى ساحةٍ تتقاطع فيها ظلال الطيب أو ربما نقيضه. الأزقّة التي طالما كانت مجرّد ممرّات لغبار الأقدام، انكشفت فجأة (…)
ليس بوسع هذا الليل أن يطفئ العيون التي تنبت من الأرض. كلما مشيتُ تفتّحتْ تحت قدميّ كأزهارٍ من زجاجٍ أسود. ليس بوسعه أن يضبط ساعاته، فالدقائق عنده تتدلّى كحشراتٍ معلقةٍ في خيوط العنكبوت، والثواني (…)
في زاوية مكتبةٍ نسيها الزمن، جلس إبراهيم، الذي كانوا ينادونه "الحصيف"، على كرسيّ تآكل خشبه كأنما ورث عن القرون صدأها. كان يقلب كتاب محاسبةٍ عتيقاً، لا بحثاً عن أرقام، بل عن نبضاتٍ متروكة بين (…)
في العتمةِ، حينَ تتثاءبُ الساعاتُ، أَرفعُ عَيْنَيَّ إلى الفَراءِ كَمَن يَتَرَقَّبُ عَلامَةً، وأَكتشِفُ أنَّ الانتظارَ ليسَ مكانًا، بَل كائِنٌ يَسكنُني. أنتَ الذي تمشي ولا تَلْتَفِتُ، تُسقِطُ (…)
البيوت تُخفي أنفاسها حين يختبئ الخوف بين جدرانها. هناك أبواب ترتجف دون أن تُفتح، ونوافذ تحدّق في العابرين دون أن يلحظها أحد. في مثل هذه اللحظات، يصبح الضحك أشبه بجرس إنذار، ليس فرحًا، بل علامة (…)
أُهدهدُ الوقتَ، وأطوي الدقائقَ بين كفَّيَّ، كأنها منديلُ وداعٍ نُسي في جيب المعطف، تفوحُ منه رائحةُ اسمٍ لم يُنطق بعد. أضعها في زجاجةٍ صغيرة، وأدفنها تحت الوسادة، علَّها تحلمُ بي عند الفجر. (…)