أيام حيّ الزهور
١- الصباح في الحي كانت الشمس تتسلّل بخجل بين نوافذ البيوت القديمة، معلنةً بداية يوم جديد في حيّ الزهور. كل خطوة على الحجر المتآكل في الزقاق كانت تجعل المرء يشعر بتاريخ حيّ كامل يتنفّس من حوله. (…)
١- الصباح في الحي كانت الشمس تتسلّل بخجل بين نوافذ البيوت القديمة، معلنةً بداية يوم جديد في حيّ الزهور. كل خطوة على الحجر المتآكل في الزقاق كانت تجعل المرء يشعر بتاريخ حيّ كامل يتنفّس من حوله. (…)
كان القناعُ أكثر من مجرّد شيء وُضع على الطاولة في غرفته؛ بدا له منذ اللحظة الأولى كائنًا ينتظر أن يُستدعى، مثل حيوانٍ قديم لم يمت بعد، أو ذكرى منسية ترفض الدفن. كان يراقبه طويلًا ويتجنّب لمسه، كأن (…)
لم يكن يعرف متى بدأ يشعر أنّ جدران بيته تتحرّك في الليل. كأن الطوب المتهالك يئنّ مثل صدرٍ مثقل بالربو، وكأن السقف يشيخ معه في كل يوم، فيسقط منه غبار ناعم يغطي وجوه أطفاله وهم نيام. لم يكن ذلك (…)
كأنّ الأفق لم يتعلّم بعدُ لغة الطفولة، فتسقط قذائفها بدل النجوم، ويعلو صراخهم حيث كان يجب أن يعلو الضحك. أطفال غزّة، يحملون الدفاتر الممزّقة مثل أجنحةٍ صغيرة تحاول أن ترفرف وسط الغبار، ويكتبون (…)
كأنّ المسافة ليست بُعدًا، بل جرحًا يسيل في الهواء الطلق، يتصبّب بين الكلمات حين نحاول أن نقترب. الليل يمدّ أصابعه الباردة، يحصي ما ضاع منّا، ويتركنا نرتجف أمام صمتٍ يزداد ثِقلاً. الفراغ بيننا (…)
كأنني أفتح نافذةً على فراغ، لا ريح تدخل، ولا غيم يجيء، فقط ارتداد أصواتٍ بعيدة لأسماءٍ ذابت في ليلٍ قديم، ولوجوهٍ عبرتني مثل قناديل أطفأها البحرُ في منتصف العاصفة. الغربة: فراغُ كرسيٍّ لم يجلس (…)
كأنّ وجهي لا يعرف لغته إلّا حين يصطدم بملامحك، فأرتدّ إلى صمتٍ يفيض أكثر من كلّ الكلمات. الصمت هنا ليس خواءً، إنّه امتلاء غامض، مثل نهرٍ لا يُرى جريانه، لكن ضفافه تترنّح بالندى. أمامك تتكسّر (…)
لم يكن في الحسبان أن يخرج الحيُّ الصغير عن هدوئه المتآكل، وأن تتحوّل أزقته الضيّقة إلى ساحةٍ تتقاطع فيها ظلال الطيب أو ربما نقيضه. الأزقّة التي طالما كانت مجرّد ممرّات لغبار الأقدام، انكشفت فجأة (…)
ليس بوسع هذا الليل أن يطفئ العيون التي تنبت من الأرض. كلما مشيتُ تفتّحتْ تحت قدميّ كأزهارٍ من زجاجٍ أسود. ليس بوسعه أن يضبط ساعاته، فالدقائق عنده تتدلّى كحشراتٍ معلقةٍ في خيوط العنكبوت، والثواني (…)
في زاوية مكتبةٍ نسيها الزمن، جلس إبراهيم، الذي كانوا ينادونه "الحصيف"، على كرسيّ تآكل خشبه كأنما ورث عن القرون صدأها. كان يقلب كتاب محاسبةٍ عتيقاً، لا بحثاً عن أرقام، بل عن نبضاتٍ متروكة بين (…)