الثلاثاء ٥ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

الإسلام واليمين المسيحي: من الخصومة إلى الإعجاب الانتقائي

لفترة طويلة، كان الخطاب المحافظ واليميني في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة، يتعامل مع الإسلام باعتباره خصما حضاريا أو تهديدا ثقافيا وسياسيا. بعد أحداث 11 سبتمبر، مثلا، أصبحت صورة الإسلام في قطاعات واسعة من اليمين الأمريكي مرتبطة بالإرهاب، والهجرة، وصراع الحضارات، والخوف من "أسلمة" الغرب. لذلك يبدو غريبا للوهلة الأولى أن تظهر اليوم أصوات يمينية مسيحية أو محافظة تمدح الإسلام، أو تتحدث عنه بإعجاب، أو ترى فيه حليفا محتملا ضد الليبرالية الغربية الحديثة.

لكن المقالة التي نناقش فكرتها تقول إن هذا التحول ليس تناقضا كاملا بقدر ما هو نتيجة لتغير مركز الصراع عند بعض اليمين الغربي. فالصراع لم يعد، عند هؤلاء، بين "الغرب المسيحي" و"العالم الإسلامي"، بل صار بين المجتمع الديني المحافظ والليبرالية الحديثة. وبما أن الإسلام يُقدَّم في مخيلة بعض هؤلاء كدين قوي ومنظم ومحافظ ورافض للتفكك الأخلاقي، فقد أصبح عندهم نموذجا يستحق الإعجاب، حتى لو ظلوا مختلفين معه عقائديا.

كان الخطاب اليميني التقليدي في أمريكا وأوروبا يربط الإسلام غالبا بالهجرة، والتطرف، وتهديد الهوية القومية. لكن في السنوات الأخيرة، ظهرت نبرة مختلفة لدى بعض المؤثرين والشخصيات اليمينية. هؤلاء لا يمدحون الإسلام من زاوية عقائدية، ولا يقولون إن العقيدة الإسلامية صحيحة بالضرورة، بل يمدحون ما يتصورونه عن المجتمعات الإسلامية: التمسك بالدين، قوة الأسرة، السلطة الأبوية، الحياء، رفض المثلية والتحرر الجنسي، والقدرة على مقاومة القيم الليبرالية الغربية. بمعنى آخر، الإسلام بالنسبة لهؤلاء ليس دينا يدرسون نصوصه وتاريخه بتعمق، بل رمز سياسي واجتماعي. إنه يمثل، في نظرهم، ما فقده الغرب: الثقة بالدين، والجدية الأخلاقية، والانضباط الاجتماعي، والرفض العلني للعلمانية المتطرفة.

من هنا يمكن فهم لماذا قد يمدح بعض رموز اليمين شخصيات أو دولا أو مجتمعات إسلامية. فالإعجاب لا يكون بالإسلام كله، بل بصورة معينة منه: الإسلام بوصفه قوة محافظة، ذكورية، جماعية، ومناهضة لليبرالية. فالفكرة الأعمق في المقال هي أن التحالفات السياسية لا تقوم دائما على الاتفاق الكامل، بل أحيانا تقوم على وجود عدو مشترك. وفي هذه الحالة، العدو المشترك هو الليبرالية الغربية الحديثة.

بالنسبة إلى بعض اليمين المسيحي، تمثل الليبرالية الحديثة مجموعة من التحولات التي يرونها مدمرة: تفكك الأسرة التقليدية، تراجع الدين في المجال العام، صعود النسوية، قبول المثلية، الفردانية الشديدة، تراجع سلطة الآباء، وانتشار ثقافة الاستهلاك والحرية الجنسية. هؤلاء يشعرون أن المسيحية الغربية، خصوصا في أوروبا وأمريكا الشمالية، أصبحت ضعيفة أو مترددة أو متصالحة أكثر من اللازم مع قيم العصر. في المقابل، يرون أن الإسلام لا يزال أكثر صراحة في رفض هذه التحولات. فالإسلام، في الصورة التي يتبنونها، لا يخجل من فرض حدود أخلاقية، ولا يفصل الدين تماما عن السياسة والمجتمع، ولا يتعامل مع الأسرة والجندر بوصفهما قضايا قابلة لإعادة التعريف بلا حدود. لذلك يصبح الإسلام، في خيالهم السياسي، حليفا طبيعيا ضد "الانحلال الليبرالي". لكن هذا التحالف ليس مبنيا على محبة متبادلة بقدر ما هو مبني على العداء المشترك لليبرالية.

وفي السياسة الأمريكية، كان مصطلح "القيم اليهودية-المسيحية" حاضرا بقوة، خصوصا في خطاب المحافظين. هذا المصطلح كان يستخدم للتأكيد على أن أمريكا تقوم على تراث ديني وأخلاقي مشترك بين اليهودية والمسيحية، في مواجهة الشيوعية سابقا، أو العلمانية والليبرالية لاحقا. لكن المقال يقول إن بعض اليمين الجديد بدأ يتحرك بعيدا عن هذا الإطار. فبدلا من الحديث عن تحالف "يهودي-مسيحي"، تظهر ملامح تحالف رمزي جديد يمكن وصفه بأنه "إسلامي-مسيحي". وهذا لا يعني وجود وحدة دينية بين الإسلام والمسيحية، بل يعني أن بعض المسيحيين المحافظين وبعض المسلمين المحافظين قد يجدون أنفسهم في خندق واحد ضد القيم الليبرالية السائدة. هذا التحول مهم لأنه يكشف أن المسألة لم تعد مسألة هوية دينية فقط، بل مسألة موقف من الحداثة. فاليهودي الليبرالي، أو المسيحي الليبرالي، أو المسلم الليبرالي، قد يكون بالنسبة لهؤلاء أبعد من المسلم المحافظ أو المسيحي المحافظ. معيار القرب والبعد لم يعد العقيدة وحدها، بل الموقف من قضايا مثل الأسرة، والجنس، والنسوية، والعلمانية، والسلطة الاجتماعية.

مع ذلك، المقال لا يمدح هذه الظاهرة بلا تحفظ. بالعكس، هو ينتقدها لأنها غالبا تقوم على تبسيط شديد للإسلام والمسلمين. فالإسلام ليس كتلة واحدة. هناك مسلمون محافظون، ومسلمون ليبراليون، ومسلمون علمانيون، ومسلمون صوفيون، وسلفيون، وإخوان، وشيعة، وسنة، ومذاهب ومدارس وتجارب تاريخية وسياسية مختلفة. كذلك المجتمعات الإسلامية ليست كلها متشابهة: تركيا ليست مثل السعودية، وإندونيسيا ليست مثل إيران، ومصر ليست مثل باكستان، والجاليات المسلمة في أمريكا وأوروبا لها ظروف مختلفة عن المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. لكن بعض اليمينيين يتجاهلون هذا التعقيد. يأخذون من الإسلام الصورة التي تخدم خطابهم فقط: رجال أقوياء، نساء محتشمات، عائلات كبيرة، رفض للمثلية، سلطة دينية، ومجتمع منضبط. هذه الصورة قد تحتوي على بعض العناصر الواقعية، لكنها ليست الحقيقة كلها. ولهذا يمكن القول إنهم لا يعجبون بالإسلام كما هو، بل يعجبون بـنسخة متخيلة من الإسلام. نسخة صُنعت لكي تكون نقيضا للغرب الليبرالي.

المقال يشير أيضا إلى أن الواقع في العالم الإسلامي لا يطابق دائما الصورة التي يتخيلها اليمين الغربي. فالكثير من المجتمعات الإسلامية تواجه هي الأخرى مشكلات الحداثة: انخفاض معدلات المواليد، تغير أدوار الجنسين، انتشار الفردانية، صعود النزعة الاستهلاكية، ووجود أجيال شابة أكثر اتصالا بالثقافة العالمية. كما أن كثيرا من الدول الإسلامية ليست في مواجهة شاملة مع الغرب، بل ترتبط معه بتحالفات سياسية وأمنية واقتصادية. دول الخليج مثلا، رغم محافظتها الاجتماعية في جوانب كثيرة، مندمجة في النظام الاقتصادي العالمي، وتستضيف شركات غربية، وتتبنى مشاريع تحديث ضخمة، وتتحالف مع الولايات المتحدة في ملفات كثيرة. وهذا يضعف الفكرة الرومانسية التي يتبناها بعض اليمينيين عن الإسلام كقوة نقية تقف خارج النظام الليبرالي العالمي. فالإسلام السياسي والاجتماعي في الواقع ليس كتلة مقاومة واحدة، بل يتفاعل مع الحداثة بطرق متعددة: أحيانا يرفضها، وأحيانا يتكيف معها، وأحيانا يستخدم أدواتها.

من النقاط المهمة أيضا أن المسلمين في الغرب، وخصوصا في الولايات المتحدة، لا يصوتون دائما أو يفكرون ككتلة محافظة موحدة. صحيح أن كثيرا من المسلمين محافظون اجتماعيا في قضايا الأسرة والدين، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم ينتمون سياسيا إلى اليمين المسيحي. كثير من المسلمين الأمريكيين مثلا يصوتون للحزب الديمقراطي بسبب قضايا الهجرة، والحقوق المدنية، ومناهضة التمييز، والسياسة الخارجية، ورفض الإسلاموفوبيا. وقد يتفقون مع المحافظين في قضية مثل رفض بعض المناهج الجنسية في المدارس، لكنهم يختلفون معهم في قضايا أخرى مثل فلسطين، أو الهجرة، أو العنصرية، أو الحريات الدينية للأقليات. لذلك فإن افتراض أن المسلمين سيكونون حلفاء طبيعيين لليمين المسيحي افتراض مبسط. قد توجد تحالفات موضعية حول قضايا معينة، لكنها لا تعني اندماجا كاملا في مشروع سياسي واحد.

يمكن فهم هذا الاهتمام من خلال أزمة أعمق داخل اليمين الغربي نفسه. كثير من المحافظين يشعرون أن المسيحية في الغرب لم تعد قادرة على تشكيل المجتمع كما كانت في الماضي. الكنائس تفقد تأثيرها، الشباب يبتعدون عن الدين، الدولة تتبنى قيما علمانية، والمؤسسات الثقافية والإعلامية والجامعية تميل إلى الليبرالية. في هذا السياق، يصبح الإسلام جذابا لأنه يبدو، من الخارج على الأقل، أكثر ثقة بنفسه. المسلم الملتزم لا يعتذر عن إيمانه، ولا يخفي اعتراضه على بعض قيم الحداثة، ولا يقبل بسهولة أن يبقى الدين مجرد مسألة شخصية داخل البيت أو المسجد. هذه الصلابة هي ما يثير إعجاب بعض المحافظين المسيحيين. لكن المفارقة أن هذا الإعجاب يكشف ضعفا داخل اليمين المسيحي نفسه. فبدلا من أن يجد نموذج القوة داخل تقاليده المسيحية، يبحث عنه في دين آخر. وهذا يعني أن الإسلام هنا يتحول إلى مرآة يرى فيها اليمين المسيحي ما يعتقد أنه فقده.

رغم وجود نقاط التقاء بين الإسلام المحافظ واليمين المسيحي، فإن التحالف بينهما محدود وهش. فهناك خلافات عقائدية عميقة بين الإسلام والمسيحية، خصوصا حول طبيعة المسيح، والثالوث، والوحي، والنبوة. وهناك أيضا تاريخ طويل من الصراع والتنافس بين الحضارات الإسلامية والمسيحية. إضافة إلى ذلك، قد يمدح بعض اليمينيين الإسلام عندما يكون الإسلام بعيدا أو مجرد رمز، لكنهم قد يعودون إلى الخوف منه عندما يتعلق الأمر بالهجرة، أو بناء المساجد، أو مشاركة المسلمين في السياسة المحلية. أي أن الإعجاب بالإسلام قد يبقى نظريا وانتقائيا، ولا يتحول بالضرورة إلى قبول حقيقي بالمسلمين كمواطنين متساوين. وهنا تكمن إحدى مفارقات الظاهرة: بعض اليمين قد يحب "الإسلام المتخيل" كقوة ضد الليبرالية، لكنه لا يحب بالضرورة "المسلمين الحقيقيين" عندما يطالبون بحقوقهم في المجتمع الغربي.

والخلاصة، يحاول المقال تفسير تحول مهم في خطاب بعض اليمين الغربي. الإسلام لم يعد عند بعضهم مجرد عدو حضاري، بل أصبح أحيانا نموذجا يُستدعى لمهاجمة الليبرالية الغربية. هذا لا يعني أن اليمين المسيحي أصبح مسلما، ولا أن الإسلام أصبح جزءا من مشروع مسيحي، بل يعني أن العداء المشترك لليبرالية خلق نوعا من التقارب الرمزي بين بعض المحافظين المسيحيين وبعض الصور المتخيلة عن الإسلام. لكن هذا التقارب يقوم غالبا على قراءة انتقائية ومبسطة. فاليمين لا يتعامل مع الإسلام بكل تعقيده، بل ينتقي منه ما يناسب معركته الثقافية: المحافظة، السلطة، الأسرة، رفض التحرر الجنسي، ومقاومة العلمانية. وفي المقابل، يتجاهل تنوع المسلمين، وتحولات المجتمعات الإسلامية، والتناقضات السياسية داخل العالم الإسلامي نفسه. لذلك يمكن تلخيص الفكرة في أن الإسلام أصبح، عند بعض أطراف اليمين المسيحي، حليفا رمزيا لا عقائديا. إنه ليس تحالفا دينيا حقيقيا، بل تحالف تخيلي ضد عدو مشترك هو الليبرالية الحديثة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى