الاثنين ١١ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

كويتسي: حين يرفض الروائي أن يكون زينة للصمت

ليس جديدا على ج. م. كويتسي، الروائي الجنوب أفريقي الحاصل على نوبل للآداب عام 2003، أن يقف في المنطقة القلقة بين الأدب والضمير. فقد عرفت رواياته، منذ في انتظار البرابرة وحياة وأزمنة مايكل ك وصولا إلى عار، كيف تضع الإنسان العاري أمام سلطة غاشمة، وكيف تجرد العنف من لغته الرسمية ومن ذرائعه المصقولة. وقد لخصت مؤسسة نوبل عالمه الأدبي بقدرته على تصوير تورّط الغريب في صور لا تحصى، وبنثره الصارم التحليلي الذي يمتحن الصواب والخطأ في لحظات حرجة.

من هنا، لا يبدو رفض كويتسي حضور مهرجان القدس الدولي للكتاب حدثا عابرا في المشهد الثقافي، بل امتدادا طبيعيا لمسار روائي ظل وفيا لفكرة أن الأدب ليس حيادا أنيقا أمام المأساة. فالمهرجان، المقرر انعقاده بين 25 و28 مايو 2026، كان قد وجه إليه دعوة، لكنه رفضها في رسالة إلى مديرته الفنية جوليا فيرمنتو-تزايسلر، معللا رفضه بما وصفه بحملة إسرائيل في غزة.

قيمة هذا الموقف لا تأتي من شهرة صاحبه وحدها، على أهميتها؛ فكويتسي أحد أكثر كتاب العالم تتويجا، وقد نال جائزة بوكر مرتين، كما تورد مؤسسة الجائزة في قائمتها للكتاب الذين فازوا بها أكثر من مرة. قيمته الأعمق أنه موقف صادر عن كاتب قليل الظهور، شديد التحفظ، لا يبني حضوره العام على الضجيج. لذلك يبدو رفضه أكثر وقعا: صوت خافت، لكنه حاد؛ جملة قليلة، لكنها تقطع الطريق على البلاغة المراوغة.

كتب كويتسي في رسالته أن ما يجري في غزة غير موقفه السابق، وقال إنه كان يعد نفسه يوما من مؤيدي إسرائيل، لكنه رأى أن حملة الإبادة في غزة بدلت ذلك. كما أشار إلى أن إسرائيل ستحتاج إلى سنوات طويلة كي تمحو ما علق باسمها، إن أرادت ذلك أصلا. وهذه ليست لغة كاتب يبحث عن صدام إعلامي، بل لغة من يزن كلماته ببرودة أخلاقية جارحة؛ كأن الرواية، بعد عقود من مساءلة الاستعمار والفصل العنصري والعنف المؤسسي، خرجت من صفحاتها لتقول: لا يمكن للكاتب أن يجلس في قاعة مضاءة بينما الخارج يغرق في العتمة.

لقد عرف كويتسي، ابن جنوب أفريقيا التي خبرت نظام الفصل العنصري، أن الثقافة قد تُستدعى أحيانا لا لتكسر القيد، بل لتزيّنه. وقد سبق له، عندما ذهب إلى القدس عام 1987 لتسلم جائزة القدس، أن استخدم خطابه للدعوة إلى إنهاء الأبارتهايد في بلده، واصفا الأدب الجنوب أفريقي بأنه أدب في الأسر. كأن الدائرة اليوم تكتمل: الكاتب الذي تحدث من القدس يوما ضد سجن شعبه، يرفض أن يعود إليها بينما يرى شعبا آخر محاصرا تحت القصف والجوع والاقتلاع.

الاحتفاء بكويتسي اليوم ليس احتفاء بقرار مقاطعة فحسب، بل احتفاء بفكرة الكاتب بوصفه ضميرا لا ديكورا. ففي زمن تُطلب فيه من المثقف عبارات متوازنة حتى أمام اختلال هائل في القوة، يذكرنا كويتسي بأن التوازن ليس فضيلة دائما؛ أحيانا يكون اسما آخر للجبن، وأحيانا يكون الصمت مشاركة غير معلنة في الجريمة.

ليس مطلوبا من الرواية أن توقف حربا، ولا من الروائي أن يحل محل المحكمة أو المؤرخ أو المناضل. لكن المطلوب منه، حين يُدعى إلى احتفال فوق ركام المعنى، أن يسأل: أي معنى سيبقى للكلمة إن قبلت أن تُستعمل غطاء؟ كويتسي، في رفضه، أعاد إلى الأدب وظيفته الأولى: أن يحرس هشاشة الإنسان من فصاحة القتلة.

لذلك يستحق هذا الكاتب الاحتفاء. لا لأنه قال ما يرضي هذا الطرف أو ذاك، بل لأنه فعل ما يفعله الأدب الكبير حين يكون صادقا مع نفسه: رفض أن يجمّل القبح، ورفض أن يتصالح مع الظلم، وذكرنا بأن الكلمة، حين تصدر من ضمير حي، قد تكون أبلغ من حضور كامل، وأن الغياب أحيانا يصبح أعلى أشكال الشهادة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى